الواقفون خلف أسوار الأنا

نضال فاضل كاني
nidhal.albaghdadi@gmail.com

2010 / 9 / 4

قرأت نصا للعالم الكيمياوي السويدي (جاكوب برتسيليوس ) يوضح فيه السبب الذي يجعل البعض يقعون في فخ النظر بالعين العوراء ، جاء فيه :
« إن التعود على رأي محدود غالباً ما يولد اعتقاداً راسخاً بصحته ، وذلك يغطي أكثر الثغرات في هذا الرأي ويسلب منا قابلية تقبل البراهين المناقضة له » .
على سبيل المثال ، نجد في الفيزياء أن بعض العلماء قد تقولبوا وعلى مدى ثلاثة قرون تقريبا بعد نيوتن في نموذج فكري معين ( صندوق ) ، حتى أن اللورد كلفن قال في عام 1900 عبارة مشهورة وهي : « لم يعد هناك المزيد لاكتشافه في الفيزياء الآن ، ليس هناك إلا المزيد والمزيد من الدقة في القياسات » . وبعد ذلك بخمسة أعوام ، جاء من يفكر خارج الصندوق وهو ( ألبرت أينشتاين ) فأصدر بحثه حول نظرية النسبية الخاصة ، والتي قامت بتحدي أبسط القواعد التي خطتها ميكانيكا نيوتن ، والتي جرى استخدامها لوصف القوى والحركة على مدى أكثر من ثلاثمائة عام ، وفي هذه الحالة ، قام النموذج الفكري الجديد بتقليص النموذج القديم ليناسب حالة خاصة .
وقبل ذلك ، في العام 1875م قدم رئيس قسم براءات الاختراع في الولايات المتحدة استقالته ونصح الإدارة بإقفال هذا المكتب لأنه كان مقتنع تماماً بأنه لم يعد شيئاً لم يتم اختراعه !.
اللطيف أن اينشتاين وهو عالم مختص في الرياضيات والفيزياء ، تراه يشخص السبب وراء ضيق أفق بعض العلماء ممن يفترض بهم أن يكونوا نجوما مضيئة في ليل الجهل ، وكأنه مختص في علم النفس أو أحد حكماء الصوفية ، فيقول وما أروع قوله : « إن التقييم الحقيقي للإنسان يكمن في درجة فهمه لكيفية تحرره من ( أنا ) » .
إن ( الأنا ) وراء سخرية العلماء من ليوناردو دافينشي في القرن الخامس عشر حين رسم تصميم للآله تطير ، نظروا لذلك التصميم ثم انفجروا ضاحكين ، قال أحدهم وهو يضع غليونه في فمه ناطقا باسم الجميع : انس الأمر يا صديقنا العزيز .
لم يتفاجئ دافنشي كثيرا من ردة فعلهم تلك ، لكنه هز رأسه مستفسرا عن السبب ، فكان أن انجر دافنشي ضاحكا بعد أن سمعه .
قال صاحب الغليون بعد أن وضع إبهاميه في جيوب سترته الداخلية الصغيرة ، وقد شمخ بأنفه عاليا : لو كان الطيران ممكناً لكنا نحن أوّل من عرف بذلك .
كان ذلك في القرن السادس عشر ، وبعد ذلك بثلاث قرون وتحديدا في العام 1902 م لقي الكونت ( فرديناند فون زيبلين ) ذات السخرية من المهندسين الألمان عندما أعلن عن اختراعه للـ( المنطاد ) كوسيلة للنقل الجوي قابل للتوجيه .
خلال ذلك كان هناك أخوين قد قطعا شوطا لا بأس به في البحث عن وسيلة للطيران تعتمد على جسم أثقل من الهواء .
وقف الأخ الأصغر ( أورفيل رايت ) بذلك الوجه الذي تميز بالشوارب الأمريكية الأنيقة ليحدث أخاه الأكبر ( ويلبر رايت ) الذي كان خلافا لأخيه يحلق شواربه وقد امتدت صلعته إلى مؤخرة رأسه ، ليقول له : أنا واثق بأننا سننجح هذه المرة .
قال وليبر : وأنا كذلك .
أورفيل : هل تذكر يا أخي ، منذ متى ونحن نسعى لتحقيق هذا الحلم ؟
وليبر : وكيف أنسى ذلك .
كان عملهما كصناع وميكانيكيين وفنيين للدراجات الهوائية قد الهمهما كثيرا .
أورفيل : ما يحزنني فعلا ، إن صحفنا التي تسعى وراء أتفه الأخبار قد تجاهلت دعوتنا لحضور هذه التجربة ..
وليبر : حسنا يا أخي فلنفعلها .
وفي صباح ذلك اليوم من شتاء 1903 م ، صرخ ( وليبر ) في إذن أخيه ( أورفيل ) : كم بلغ الوقت ؟
وليبر وهو ينظر ساعة بيده : لقد تجاوزنا حاجز الساعة . وهكذا كانت أطول فترة طيران حققاها الأخوان رايت هي ( 75 دقيقة ) على ارتفاع ( 100 متر ) بمحرك دافع أثقل من جسم الإنسان ، وبذلك مهَّدا لدخول قرن الطيران من باب واسع .
وبالرغم من ذلك كله ، فقد استمر المتصندقون يتجاهلون هذا الحدث التاريخي فعلّقت مجلة ( ساينتيفك أمريكان العلمية ) على هذا الإنجاز بأنه خدعة وهمية ! ولم يكن شأن بقية الصحف الأمريكية كالنييورك تايمز والنيويورك هيرالد وغيرها بأفضل حال منها ، وقد كانت ردة فعل الصحف هذه انعكاس لرد الفعل الرسمي السلبي بشأن طيران الأخوين رايت ، فقيادة الجيش الأمريكي ، والأكاديميات والجامعات المختلفة ، ورجال العلم البارزين ، بما فيهم البروفيسور في علم الرياضيات والفضاء ، السيد ( سيمون نيوكمب ) وغيره من العلماء . جميعهم سخروا من الأخوين رايت ، وقللوا من شأن هذا الحدث العظيم . جميعهم علّقوا بصوت واحد : ( إنه من المستحيل علمياً للمحركات الثقيلة أن تطير ) !.. ولمدّة خمس سنوات كاملة ، رفض المسئولون في البيت الأبيض تصديق أن آلة ميكانيكية أثقل من الهواء استطاعت الطيران !.
أليس هذا غريبا فعلا ، أن تخالف العقول الجبارة ، الواقع الملموس ليس لشيء إلا لأنه يخالف المألوف ، أو أنه لا ينسجم مع المستوى العقلي لذلك العصر ؟
بعد تلك السنوات الخمس اضطر الأمريكان للاعتراف بانجاز ، كما اضطر الألمان لرفع القبعات لمناطيد زيبلين التي راحت تجوب السماء وتجتاز المحيط الأطلسي ناقلة الركاب من قارة لأخرى بعد أن منعت الأنا كبار رجالاتهم من التصديق بها أولا .
في الخمسينات من القرن الماضي ، صرّح أحد الفيزيائيين المرموقين في جامعة كامبريدج البريطانية بأن الكلام عن السفر إلى الفضاء هو كلام فارغ ، ليس له صلة بالواقع الحقيقي ، بعد هذا التصريح بثمانية عشر شهراً حلّق القمر الروسي سبوتنك في الفضاء الخارجي ، فأحدث ضجّة كبيرة أدت إلى إحراج الكثير من رجال العلم ، واضطرّت المؤسسات العلمية الغربية ، المصدومة بشدّة ، إلى تغيير مناهجها التعليمية القديمة في المدارس وأسست منهج علمي يتعامل مع الواقع العلمي الجديد ، و قد فقد الكثير من الأكاديميين المرموقين وظائفهم ومناصبهم خلال هذه النقلة العلمية النوعية !.
صدق الصوفية حين قالوا : لكل شيء آفة وآفة العلم رؤية النفس . وفي القرآن الكريم ، أول من حجبته الأنا عن رؤية العلم والمعرفة والحقائق هو إبليس :  قَالَ مَا مَنَعَكَ إلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ  .
لقد وقع رئيس المهندسين في مكتب البريد البريطاني ( وليام بيرس ) في فخ هذا الصندوق الذي وقع فيه إبليس ، فقد نسب إليه في إحدى المناسبات أنه قال بأن مصباح أديسون الكهربائي هو عبارة عن فكرة حمقاء تماماً !.. وكذلك فعل العديد من البروفسورات المرموقين الذين عرفوا أديسون ، بما فيهم البروفيسور ( هنري مورتون ) ، حيث علّقوا على فكرة المصباح الكهربائي ، قبل استعراضه أمام الناس بقليل ، قائلين : « باسم العلم .. نصرّح بأن تجارب أديسون ... هي عملية احتيال تهدف لخداع الجماهير » .
كل ذلك لم يمنعه أو يثني من عزمه في مواصلة طريق الاختراع والابتكار إلى حدّ أجبر الكونغرس في عام 1928 م ليمنحه الميدالية الذهبية . كانت فلسفة أديسون في الاختراع بسيطة جدا يقول عنها بدماثته المعهودة : « لكي تخترع أنت بحاجة إلى مخيلة جيدة وكومة خردة » ، لم يقل الشهادات أو المناصب أو الرتب أو السمعة أو ما شابه ، بل المخيلة والمواد البسيطة .
في أحد أيام حزيران من عام 1877 حمل توماس أديسون مخططاً متسخاً بالدهون قذر المظهر، وقدمه إلى الميكانيكي السويسري كرونيسي، وطلب منه أن ينفذه ، انحنى السويسري على المخطط ولم يكن سوى قمع واحد وأبرة وذراع ومقبض دوار متصل بها ، رفع رأسه وقال له : ما هذا ؟
قال : إنه جهازي الجديد الغرامافون .
كرونسكي : وما هو الغرامافون ؟
شرح له أديسون بأنه جهاز يقوم بتسجيل الأصوات ، لم يصدق الميكانيكي ما سمع ، ونظر إلى أديسون تلك النظرات التي تعبر عن الارتياب والشك ليس في الجهاز فحسب بل في سلامة عقل المخترع نفسه .
قال أديسون : هل تراهن على علبة سكائر فاخرة أني بواسطة هذا الجهاز سأتمكن من تسجيل صوتك وإذاعته ؟
قال الميكانيكي : نعم أراهن على عدم تمكنك من صنع هذا الشيء من هذه الخردة ، من الأفضل أن تذهب لشراء علبة السكائر لي ولا تضيع الوقت .
ضحك أديسون وقال : إذا أبدأ العمل وفق المخطط الذي أمامك وسنرى من سيضطر لشرائها .
وبالفعل أجهد الميكانيكي نفسه شهراً كاملاً لتنفيذ مخطط أديسون ، وفي الموعد المقرر لاختبار الجهاز استوى أديسون الذي لم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره على الجهاز ، وقرّب فمه من القمع ، وأنشد بصوته الأجش أغنية شعبية كانت ذائعة حينذاك ، وأضاف ضحكة على آخر الأغنية بعد ذاك مكث أديسون قليلاً ثم أدار ذراع الجهاز وقرب أذنه التي لم تكن تسمع جيداً من القمع وسمع الجهاز وهو يردد ذات الأغنية ثم الضحكة العالية .
كان من المفترض أن يتلقف المجمع العلمي هذا الاختراع بأذرع مفتوحة ، لكن علماء الأكاديمية الفرنسية للعلوم ، علقوا بعد سماعهم الآلة تطلق الأصوات ، قائلين : « إنها عملية خداع واضحة ، فلا يمكن للآلة أن تتكلّم ، لا بد من أن الأصوات تخرج من فمه ( أي أديسون ) بطريقة بارعة لا يمكن ملاحظتها » .
كان الاسكتلندي ( جون لوجي بيرد ) يرفض الإصغاء إلى أصدقاءه الذين حذروه من الاستمرار في إجراء التجارب باستخدام الأشعة تحت الحمراء ، لكن ذلك القادم من أسرة فقيرة لم يلتفت لهم واستمر في عمله حتى اخترع جهاز التلفزيون الذي دفع ثمنا له حياته بسبب تلك الأشعة ، وماذا كان موقف رجال العلم ؟ هاجموه بشراسة أثناء عمله مشككين ، وعلقوا على فكرته قائلين : « إن فكرة نقل الصورة عبر الأثير هي عبارة عن ترهات وسخافات معيبة » .
كل ذلك ليس لشيء إلا لأن المخترع ليس واحدا منهم ، إنهم يعتقدون أنهم بوابة العقول للعلم ، كما يعتقد السياسيون أنهم بوابة الوطنية للشعوب ، وأيضاً كما يعتقد بعض رجال الدين المتعصبين المغالين ذوي الغلظة أنهم بوابة الناس للإيمان .
* * *
يقول ( باتون يفجيني ) : إن من الضروري أن لا ننغلق على أنفسنا بل ينبغي علينا أن نراقب بانتباه حركة العلم والتكنولوجيا العالمية من أجل اكتساب الأفكار السليمة ونقدها وهضمها وتحويلها وإغناءها.
هكذا يفترض بالعلماء وطلاب العلم على حد سواء أن يكون خط السير الذي يتحركون عليه إذا ما أرادوا أن يصبحوا خارج صفحات التاريخ كله وهم يظنون أنهم عنوان الكتاب المحفور بماء الذهب على الغلاف .
من الكتب القليلة التي خلَّفت أثرا نوعيا في حياتي كتاب ( مهزلة العقل البشري ) للدكتور علي الوردي ، والذي أثرى فيه علم الاجتماع بمادته التي فصلت القول في أسباب ومسببات الوقوع في النظرة أحادية الاتجاه ، إنه فعلا كتاب جدير بأن يقرأ وأنا أنصح به لمن أراد أن يتبين السبب الذي وقعت من جراءه البشرية في بئر عميق حجم مساحة الرؤية والإدراك الإنساني إلى أبعد الحدود .
من اللطائف التي ذكرها في هذا الكتاب : أن فارسين رومانيان وقفا في اتجاهين متقابلين وأمامهما تمثال ، وكل منهما يرى جهة واحدة من التمثال ، وكان أحدهما يصر على أن لون التمثال أسود في حين كان يصر الفارس الثاني على أن التمثال لونه ابيض حتى اقتتلا فيما بينهما ، وقتل أحدهما الآخر ، والحال أن كل وجه من أوجه ذلك التمثال كان مصبوغا بلون مختلف ، وكل واحد منهم كان يقول الحق ولكن من جهته ، ولو تنازلا وتحرك كلا منهما إلى جهة صاحبة لرأى كل منهما أنه على حق وأن صاحبه على حق أيضاً ، وهذا شأن الحقيقة في عموم العلوم والمعارف والحياة بشكل عام لا تنكشف إلا لمن يتنازلون ليروا الوجه الآخر..
إذن : الحق ما تراه والحقيقة ما تراه أنت ، وما يراه سواك . فإذا كنت على حق ، فاسع لأن تكون على حقيقية ، وللحقيقة وجوها ووجوه .
في العام 1608 م ظهر ألماني يدعى ( ليبرشيه ) قام باختراع جهاز مقرّب ( منظار ) مؤلف من عدستين ، فأخذه منه الإيطالي ( غاليليو ) وطوّره حتى صنع ما نعرفه اليوم بالتلسكوب ، ووجد من خلاله أن القمر هو كروي الشكل و ليس طبق فضّي ، لكن البروفيسور المسئول عن جامعة ( بادوا ) رفض حتى النظر في ذلك الجهاز ، وادعى بأنه يمثّل هرطقة علمية !‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.‍
إن من يقفون على حدود الحق ، تتحجم معرفتهم ، وإن حاولوا أن يفرضوا معرفتهم على غيرهم أو يُقْصُوا غيرهم عن الرؤية بغير منظارهم فإنهم يحكمون على أنفسهم بالسجن المؤبد داخل صندوق الإسلاف .
إن الوعي العلمي كما يرى الفيزيائي ( يان فرينكل ) يتنازعه دوما
« اتجاهان متناقضان : الاتجاه التقدمي أو الثوري نحو اكتشاف حقائق جديدة والاتجاه المحافظ الرجعي الذي يقود هذه الحقائق إلى مفاهيم معروفة ومتداولة أي أنه يقوم بتفسيرها في إطار المخطط القديم » .
إن الأفكار الجديدة تُمثّل بالنسبة للمنهج العلمي السائد ، نظرة شاذّة ، ثورية ، قد تقلب المنطق المعروف رأساً على عقب ، وهذا يزعج الرجال القائمين على هذا المنهج السائد ، فينظرون إليها على أنها تهديد لوظائفهم . فهم لا يحبون أن يظهروا كالأغبياء ، وأن هذه الفكرة الجديدة قد فاتتهم وخطرت في بال غيرهم . فيواجهون الفكرة الجديدة بسخرية واستهزاء وأحياناً كثيرة بالمؤامرات الخسيسة !.
البروفيسور المشهور ( أليستون ) من جامعة لندن واجه معارضة شرسة من قبل زملائه الأكاديميين في بدايات القرن التاسع عشر ، بعد إعلان أبحاثه حول التنويم المغناطيسي ، ورفضوا حضور أي من تجاربه أو قراءة نتائج أبحاثه ، بل حاكوا ضده المؤامرات إلى أن تخلّى عن وظيفته في الجامعة وسحبت منه فيما بعد شهادته الأكاديمية !.
إن تمسك بعض الأكاديميين بمفاهيمهم وآراءهم بشكل متعصب والدفاع عنها بشراسة تجعلنا نتساءل بدهشة إن كان هذا النوع من الأكاديميين يهتمون بالحقيقة فعلاً ؟ ، أم هو عبارة عن رد فعل غريزي مشابه لسلوك المتعصبين الدينيين أو بعض المتوحّشين من مشجّعي رياضة كرة القدم ، الذين لا يأبهون بالحقيقة أبداً ؟ ، و كل ما يهمهم هو الدفاع عن ما يعتقدون به وينتصرون على الخصم المقابل . وهناك الآلاف من الأمثلة التي تظهر طريقة أصحاب النظر الأعور ، من المتشككين الذين يرفضون التصديق بأي شيء غير متوافق مع معتقداتهم ومُسَلَّماتهم المُطْبِقَة على رؤوسهم كالخوذة الحديدية المقفلة بإحكام .
إن التعصب العلمي لا يختلف في شيء عن هو كما التعصب الديني ، فالعلماء المتعصبون ليس لهم علاقة بالعلم إطلاقاً .. وإذا قرأنا تاريخ المسيرة العلمية جيداً ، سنجد مواقف كثيرة اتخذها رجال العلم و كانت مرعبة فعلاً . نلاحظ مثلاً أن ( شارلز داروين ) كان يشعر بالخوف من مواجهة المجتمع العلمي بنظريته الجديدة التي أحدثت ضجّة علمية كبيرة في حينها ( نظرية التطوّر ) ، وقد خصّص عدّة صفحات في كتابه ( تطوّر الأجناس ) يتحدّث فيها عن محاكمة ( غاليليو ) والظلم الذي لحق به ، وقال أن الحقيقة العلمية التي تواجه الرفض في البداية ، قد تثبت مصداقيتها فيما بعد ، لكن بعد فوات الأوان ، لأن صاحب النظرية الجديدة قد نال نصيبه من الإهانة والتجريح وربما الموت . وكأن داروين كان يحضّر نفسه للمواجهة المحتومة من قبل مجتمع علمي لا يرحم . لكن ماذا حصل بعد ذلك بعدة عقود .. سادت نظرية داروين و أصبحت أساساً صلباً يعتمد عليه العلم في تفسير مظاهر الوجود !.
ومن جديد كأنما التاريخ يعيد نفسه ، إذ نرى أن الداروينيين يحاربون ( جيمس لوفلوك ) بسبب نظريته ( غايا ) و ( روبرت شيلدريك ) بسبب نظرية ( الحقل الموفوجيني ) . مع أنهم يعلمون جيداً بأن هذه النظريات العصرية عملت على تفسير جوانب كثيرة في الوجود لازالت غامضة على المذهب الدارويني .
هذه الظاهرة السائدة بين المناهج العلمية التي سادت على مرّ العصور ، تفصح لنا عن حقيقة واضحة .. هذه الحقيقة المؤلمة تقول : إن الأمر بالنسبة لبعض الأكاديميين هو عبارة عن صراع رجال مؤسسات علمية وليس صراع حقائق والمؤسسة العلمية السائدة هي التي تفرض منطقها على الجميع ، بغض النظر عن مدى مصداقيتها ، أما الحقيقة المجرّدة ، فلتذهب إلى الجحيم !.
ـــــــــــــــ
المراجع :
- القرآن الكريم - سورة الأعراف : 12
- الشعراني - لطائف المنن والأخلاق - ج 2 ص 54 .
- د.اسامه نعمان - أفكار علمية – ص 9 .
- موسوعة ويكيبديا على النت
ـــــــــــــــــ
• من كتابي ( التفكير خارج الصندوق )



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن