حزب البعث والمعادلة المستحيلة بين الشعارات والتطبيق

الطاهر إبراهيم

2002 / 7 / 25

 

 

أخبار الشرق - 24 تموز 2002

هل كتب علينا أن نشقى بحب الوطن، نرسل الزفرة بعد الزفرة من شوقنا لهذا الوطن؟ وهل بات محرما علينا أن نعلن عن حب هذا الوطن بعد أن أصبح كل شيء في هذا الوطن ممنوعاً علينا؟ عودتنا إلى هذا الوطن ممنوعة تحت طائلة السجن وإلخ .. إلا إذا عدنا عن طريق "البوابة الأمنية". وحتى عن طريق هذه البوابة فإن العودة قد لا تكون آمنة!

أطفالنا الذين يحلمون أحلاماً وردية عن سحر هذا الوطن، زيارتهم إلى الوطن محفوفة بالمخاطر، لأن السماح لهم بالخروج من الوطن والعودة إلينا ثانية في مهجرنا غير مضمونة! وثيقة السفر - التي بدونها نكون خارج القانون في الدولة المضيفة - ممنوعة علينا وعلى أطفالنا. قائمة الممنوعات طويلة، والحديث عنها ذو شجون، ولكن هل يحق لأحد، كائناً من كان، أن يصادر حقنا في حب هذا الوطن؟ أو أن يشطب انتماءنا إلى هذا الوطن؟ لأن هذا الحق لا ينفصل عن الوطن، بعد أن ورثنا الوجود فيه عن آبائنا الذين عاشوا فيه مئات السنين.

وحديثي اليوم لن يقتصرعلى هذا الحق ولا على تلك الممنوعات التي تعمل على مصادرة هذا الحق، رغم ما يسببه لنا ذلك من آلام، فما نحن بصدد الحديث عنه، أكبر بكثير من ذلك. إنه مستقبل سورية وشعب سورية، الذي صودر منه كثير من حقوقه، ولم يعد الأمر يحتمل أن يبقى الأمر على ما كان عليه.

واقع الحال في سورية

بإيجاز شديد، فقد استقر الأمر على واقع مستعصٍ على الحل، في ظل تشبث حزب البعث بالسلطة منذ آذار 1963، واستبعاد المعارضة بكل فصائلها، بعد أن قصر هذا الحزب حكم سورية عليه وحده، مكتفيا بتعددية شكلية من خلال "جبهة وطنية"، يعرف النظام، قبل غيره، أن أحزابها، باستثناء حزب البعث، هي أحزاب هامشية.

وإذا كان رئيس الوزراء السوري "محمد مصطفى ميرو" قد اعتبر، مؤخراً، في تصريحه لصحيفة الأهرام القاهرية "أن التعددية السياسية في سورية تتجلى في النظام الديمقراطي الشعبي وفي الائتلاف السياسي القائم بين حزب البعث العربي الاشتراكي وبين الاحزاب السياسية السورية عبر الجبهة الوطنية التقدمية"؛ فإن هذا التصريح لن يلغي الحقيقة التي يعرفها الدكتور ميرو ويتغاضى عنها، وهي أن معظم أحزاب هذه الجبهة ليس لها جماهير تؤيدها، وأن بعضها يقتصر على قيادتها فقط، وأنها مجتمعة لا تستطيع أن تصدر صحيفة يومية واحدة.

ويهمنا هنا أن نسلط الضوء على معادلة الحكم في سورية المكونة من حزب البعث والسلطة، من خلال استقراء للوضع عبر مسيرة هذا الحزب خلال أربعة عقود.

حزب البعث

منذ نشأة حزب البعث في سورية اعتباراً من عام 1947 حاول هذا الحزب أن يستقطب حوله النخب المثقفة، ورغم البريق الذي كان يلمع من شعاراته (وحدة، حرية، اشتراكية) فقد عجز الحزب عن أن يستقطب إلا القلة من الجماهير، لأنه لم يستطع أن يجعل لأهدافه ذلك التميز الواضح بين دعوات أخرى نافسته بشدة على الساحة السورية. فدعوته إلى القومية العربية مفرغة من مضمونها الإسلامي، كما أنها كانت تصطدم بدعوة الإخوان المسلمين التي كانت تستقطب العروبيين المخلصين، لأن العروبة ركيزة أساسية من ركائز الإسلام. وأما دعوته إلى الاشتراكية فقد كان ينافسه فيها الشيوعيون، في ظل رعاية روسيا الشيوعية التي أصبحت القطب الثاني في العالم.

ورغم هاتين العقبتين فقد حاول حزب البعث أن ينافس الأحزاب الوطنية، التي ناضلت ضد المستعمر الفرنسي مثل الحزب الوطني وحزب الشعب، بعد أن اتحد مع الاشتراكيين بقيادة أكرم الحوراني، الذي كان يتمتع بذكاء وحنكة وميكيافيلية سياسية، في سبيل الوصول إلى السلطة. فعقد مع أديب الشيشيكلي حلفاً استلم بموجبه الحوراني وزارة الدفاع استطاع من خلالها أن يدخل الكثير من الكوادر البعثية إلى الكلية الحربية.

وعندما انقسم ضباط الجيش، في عام 1954، بين مؤيد ومعارض، اختار الحوراني وضباطه أن يقفوا في الصف المناوئ للشيشكلي. لكن الرياح جرت بغير ما اشتهوا لأن الشيشكلي رغب بالتخلي عن رئاسة سورية سلماً حقناً لدماء الجيش السوري، وفوّت بذلك على الضباط البعثيين، الوصول إلى دمشق والقفز إلى السلطة. وعندماعادت الحياة الدستورية إلى سورية وجرت انتخابات لمجلس النواب، الذي انتخب "القوتلي" رئيساً للمرة الثانية في عام 1954، ورأى البعثيون أنهم لن يستطيعوا تحقيق طموحهم إلى الحكم في ظل الرئيس القوتلي الذي كان رجلاً صلب المراس، فقد رغبوا بإنهاء رئاسته قبل أوانها، وذهب وفد من ضباط الجيش السوري، أغلبهم من البعثيين، إلى القاهرة في أواخر عام 1957، حيث أرادوا أن يستبقوا المباحثات التي كانت تُطبخ على نار هادئة لتحقيق نوع من الوحدة بين الشقيقتين مصر وسورية، ووضعوا، باتفاقهم مع عبد الناصر، الرئيس شكري القوتلي أمام الأمر الواقع، ما جعل القوتلي يوافق على قيام وحدة اندماجية بين سورية ومصر، ويقول قولته المشهورة "لقد سبقت الأحداثُ الأبحاث".

وإذا كان المقام ليس مقام تاريخ، فإنه لا بد من التنويه بأن البعثيين كانوا أول من شهد على صك وفاة هذه الوحدة عندما وقعواعلى وثيقة انفصال سورية عن مصر في أيلول من عام 1961 (وقع على هذه الوثيقة أكرم الحوراني وصلاح البيطار)، وبهذا فشلوا في أن يكونوا مخلصين للوحدة، هدفهم الأول. وإذا كانت أعوام الخمسينات شهدت سيطرة للقيادات المدنية في حزب البعث، فإن إنقلاب آذار في عام 1963 جعل هذه القيادات تتراجع إلى المقعد الخلفي تاركة مقعد القيادة للضباط العسكريين، بعد أن ظنت هذه القيادات أنها وضعت أقدامها على سلم السلطة، وتراجعت "الأيديولوجيا" الحزبية لصالح السلطة، وصدقت في البعثيين مقولة سامي الجندي (بعثي ووزير في أول حكومة بعثية في عام 1963) "لقد انتهى حزب البعث منذ اليوم الأول الذي قامت فيه حكومة لهذا الحزب".

انقلاب آذار وتسلط الضباط على مقاليد الحكم في سورية

ما أن انتهى المذيع من إذاعته للبلاغ رقم 1 معلناً في 8 آذار1963انتهاء الحكم المدني، الذي أسسه الانفصاليون في أيلول 1961، حتى جاءه البلاغ رقم 2 الذي أعلن عن تشكيل مجلس قيادة للثورة مناصفة بين البعثيين من جهة والناصريين وبعض المستقلين من جهة أخرى.

وفي اليوم التالي لقيام الانقلاب وزعت إدارة شئون الضباط، التي كان يرأسها المقدم "صلاح جديد" (بعثي) قائمة بتسريح مئات الضباط الأكفاء من كل الرتب من غير العثيين، ولم يستطع الأعضاء الناصريون والمستقلون في مجلس القيادة إيقاف هذه القائمة، وهكذا توالت قوائم تسريح الضباط وقوائم استدعاء الضباط الاحتياط من البعثيين، الذين كانوا قد سُرحوا من الجيش وعادوا إلى وظائفهم المدنية بعد أن أنهوا الخدمة الإلزامية.

وقد جاءت هذه "القوائم" لتكمل ما بدأه "الحوراني" في جعل الجيش السوري (ثكنة بعثية) لضمان السيطرة عليه ومنع قيام أي انقلاب ضد حكومة البعثيين (نستعجل هنا لنذكّر بأن هذا الأمر قد أفقد الجيش السوري خيرة ضباطه ما كان له أبلغ الأثر في هزيمة 5 حزيران عام 1967 المشهورة). وبسبب سياسة "التبعيث" تلك، فإنه لم يمضِ أكثر من أربعة أشهر حتى كان قد حصل "الطلاق البائن" بين البعثيين وشركائهم الناصريين، عندما قام العقيد جاسم علوان بانقلابه الفاشل في 18 تموز 1963، ومن ثم استقال كل الأعضاء غير البعثيين من مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء، الذي كان يرأسه الأستاذ "صلاح البيطار" (بعثي).

ونضيف شيئاً آخر وهو أن هذه السياسة التي كانت تسعى إلى تحويل الحكم من نظام تعددي يأخذ شرعيته من اختيار الشعب عبر صناديق الاقتراع، إلى حكم ذي لون واحد، قد أثارت سخط الكثيرين من البعثيين المدنيين فاضطروا للانسحاب من الحياة السياسية، مثل الأستاذ "سامي الجندي" الذي كتب كتابه الشهير "كسرة خبز" ينتقد فيه تصرف "الرفاق البعثيين". ومن لم ينسحب طواعية أُرغم على ذلك بالانقلابات المتكررة التي قام بها الرفاق البعثيون ضد بعضهم والتي كان أشهرها انقلاب 23 شباط 1966 ضد مجموعة رئيس الدولة الفريق أمين الحافظ، ثم انقلاب الحركة التصحيحية الذي قام به الرئيس السابق حافظ الأسد في عام 1970، ضد رفاقه في انقلاب 23 شباط.

واقع سورية في ظل حكم حزب البعث

لو أن باحثا استطاع أن يستقرئ واقع الشعب السوري، من خلال استطلاع حر مأمون العواقب لوجد أن أكثر من 95 في المائة من هذا الشعب يعيش على هامش الحياة السياسية في ظل احتكار حزب البعث للسلطة. بل نؤكد هنا أن سياسة أركان حزب البعث في دمشق والمحافظات الأخرى التي تمثلت بالاستحواذ على كل مفاصل صنع القرار في كل ناحية من نواحي النشاط السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني والعسكري أوجدت جداراً فاصلاً بين البعثيين وبين باقي أفراد الشعب، ومع الأيام ازدادت سماكة هذا الجدار بفعل سياسة "الفصل الحزبي" التي كانت تتمثل بملء المراكز الحساسة في الدولة بالكوادر الحزبية حتى وصل الأمر بالبعثيين أن قصروا وظائف مديري المدارس الابتدائية على البعثيين فقط.

ولأن من بيده القرار - صعوداً من مديري الدوائر الرسمية في المحافظات والمديرين العامين للشركات مروراً بالوزراء حتى أعلى هرم الدولة - كان يهمه أن يمنع من هم دونه من تهديد مركزه والقفز إلى هذا المركز، كما فعل هو عندما قفز إلى منصبه، فقد اتبع صاحب القرار، لتحقيق هذا المطلب، أسلوبين اثنين، تمثل الأول في ملء المراكز الحساسة، التي تلي مركزه، بأقربائه ومحاسيبه، والثاني ترك الحبل على الغارب لمرؤوسيه، الذين عملوا على استغلال مواقعهم أبشع استغلال، فقاموا بعملية نهب منظم للمال الحرام، بينما كانت عيونه ترصد حركاتهم وسكناتهم وتجمعها في ملفات خاصة في أدراج مكتبه، حتى إذا ما سولت نفس المرؤوس له أن تتمرد، أخرج المسئول الكبير، من درج مكتبه، الملف الخاص بهذا المرؤوس، وأعلن عن حملة جديدة لمكافحة الفساد. وتحول واقع حزب البعث إلى لافتات إعلانية ضخمة، تخبئ تحتها "كانتونات" استثمارية يهيمن على مقدراتها أشخاص مدينون بولائهم لأولي نعمتهم (!). وأصبح همّ أي مسئول أن يستثمر المدة المتاحة له، كي يستنزف خيرات الدائرة التي يهيمن عليها.

حزب البعث السوري والمعادلة المستحيلة

مع أن حزب البعث ابتدأ مسيرته في الحكم بمكيافيلية واضحة - ظهر ذلك واضحاً عندما أقصي القائد الفعلي لانقلاب 8 آذار اللواء زياد الحريري، عن منصبه، أثناء زيارته للجزائر - فإن أسلوب الشعارات المفتوحة طبع حكم حزب البعث منذ البدايات الأولى لهذا الحكم. ولقد أراد هذا الحزب أن يظهر جماهيريته أمام الشعب السوري، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق هذه الجماهيرية، لأنه لم يستطع مطلقاً أن يضع شعاراته موضع التطبيق.

فعلى الصعيد الاقتصادي استطاع حزب البعث أن يقضي على حفنة قليلة من أصحاب الإقطاع والرأسماليين، في إطار سياسة التحول الاشتراكي واعادة توزيع الثروة الوطنية، وتحقيق الديمقراطية الاجتماعية وإشراك العمال في مجال إدارة شركات القطاع العام وتحديد نسبة من الأربـاح لصالحهـم. ولكن الذي ظهر واضحاً أمام الملأ، في نهاية المطاف، تنامي طبقة من الملاك والرلأسماليين الجدد من البعثيين، الذين بنوا إمبراطورياتهم المالية من استغلالهم لمناصبهم التي أهلتهم لها مكانتهم الحزبية.

وإلى جانب ذلك فقد كان هناك اتساع في رقعة إفقار الشعب السوري، بعد أن استنزف الملاك البعثيون الجدد موارد الدولة التي كانت، قبل حكم البعث، تساهم في رفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة. ولقد ساهم في أزمة المعيشة المستعصية، عملية احتكار للمواد الضرورية، لا سيما في أعوام الثمانينات، كنوع من العقوبة للشعب السوري، الذي أبدى الكثير من الرفض لسياسات الأجهزة الأمنية، فقد كان المواطن السوري يمضي نصف يومه في البحث عما يحتاجه من تلك المواد، وقد يضطر أحيانا لدفع أضعاف سعرها. وقد استمرت هذه الأزمة حتى أول عام 1991 عندما سُمح بتوفير هذه المواد، لامتصاص نقمة الشعب السوري على دخول الحكم السوري في التحالف مع أمريكا في حربها ضد العراق الشقيق.

وعلى الصعيد الشعبي، فقد ازدادت عزلة البعثيين عن باقي أفراد الشعب السوري بعد أن أدخلوا في جسم المجتمع السوري هيئات مقتبسة من الأنظمة الشيوعية، مثل "الحرس القومي" في الستينات، و"اتحاد شبية الثورة" و"اتحاد الطلاب" و"اتحاد العمال" و"اتحاد الفلاحين"، وقد كان المنتمون إلى هذه الاتحادات يحظون بمنافع دون غيرهم من أفراد الشعب، لعل من أبرزها كان استيعابهم، قبل غيرهم، في وظائف الدولة، وتخصيص "كوتا" لهم ولأبنائهم يستثنون بموجبها من شرط العلامات للقبول في الجامعات (بلغت هذه الكوتا 25 في المائة من عدد المقبولين في كل كلية).

وقد كان يُنظر إلى هؤلاء الأفراد، شعبياً، على أنهم عيون لمخابرات السلطة، لا ينبغي الحديث أمامهم عن أي شأن عام، خشية أن ينقلوه إلى الأجهزة الأمنية بشكل يضر بالمتحدث. وهذا يقودنا إلى ما كان يلاقيه المواطن السوري على أيدي أجهزة المخابرات المتعددة، إذ أصبح الخوف هو العلاقة المسيطرة بين هذه الأجهزة وبين جميع المواطنين بلا استثناء. ولقد مرت فترة الستينات التي كان فيها البعثيون يصنفون المواطنين الذين لا ينتسبون إلى حزب البعث بأنهم ضد هذا الحزب تحت مبدئهم المشهورالذي سبقوا فيه الرئيس الأمريكي الحالي "جورج بوش" (من ليس منا فهو ضدنا).

أما على الصعيد الوطني والقومي، فكانت الكارثة أعم وأشمل. فقد بقي إعلام حزب البعث يبيع للمواطنين شعارات براقة منها ما كان يدعو إلى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، ومنها شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، ومنها بناء دولة الصمود والتصدي، ومنها محاربة الإمبريالية وزعيمتها أمريكا، ومنها .. إلخ.

ولقد تبين مع الأيام أن حزب البعث لم يستطع أن ينفذ أياً من هذه الشعارات. فلم يعد البعثيون ينادون بتحرير فلسطين بعد أن خسرت سورية في عهدهم هضبة الجولان القلعة المنيعة التي حصنها الجيش السوري خلال عشرين سنة، وضيعها البعثيون خلال جولة قصيرة، في حرب حزيران عام 1967. أما شعار محاربة أمريكا فقد ذهب أدراج الرياح عندما ذهب الجيش السوري ليقاتل الجيش العراقي تحت راية أمريكا في عام 1991. ولقد صمت صوت المعركة، بعد أن دخلت سورية في معادلة "مدريد" للسلام ووافقت، مقابل إعادة هضبة الجولان المحتلة، على قيام سلام دائم مع إسرائيل، من خلال "الورقة السورية" التي تقدم بها وزير الخارجية السوري السيد فاروق الشرع، في شهر كانون الأول عام 1999 خلال مفاوضاته مع رئيس وزراء إسرائيل "إيهود باراك" تحت رعاية أمريكية في "واي بلانتيشن".

أما على الصعيد التاريخي، فقد عمل حزب البعث على تخريب الذاكرة التاريخية للأجيال الجديدة، حيث حاول أن يمسح فترة ما بعد الاستقلال وحتى انقلاب 8 آذار 1963 من ذاكرة هذه الأجيال. ولأن قادة سورية بعد الاستقلال كانوا هم أبطال هذا الاستقلال الذين حاربوا المستعمر الفرنسي طوال ربع قرن، ولأنه ليس لدى حزب البعث رجالات شاركوا في تحرير سورية من المستعمر الفرنسي، فقد عمل هذا الحزب على مسح صور أبطال التحرير من ذاكرة النشء الجديد ليفسح في المجال لرجالات الحزب كي يأخذوا المكانة التي استحقها أبطال التحرير عن جدارة.

ولهذا فإن عملية التخريب صارت مزدوجة بطمس البطولات الحقيقية وإضفاء بطولات على أناس لا يستحقونها، فنشأت أجيال لا تكاد تعرف عن رجالات تاريخها الحديث إلا ما كان من قصص البطولات التي كان يرويها الآباء لأبنائهم في البيوت، ويكفي أن نورد مثالاً واحداً، لندرك مدى الإساءة التي لحقت بهذا التاريخ، فقد رفضت السلطات السورية السماح بإدخال جثمان أول رئيس للجمهورية السورية في عهد الاستقلال المناضل الكبير شكري القوتلي، رغبة من ذويه في دفنه في مدينته ومسقط رأسه دمشق. وعندما شعر أولو الأمر أن هذا سيسبب لهم حرجا على المستوى الدولي والوطني نظرا للمكانة التي يحظى بها الفقيد الراحل على الصعيد الدولي وبين أبناء وطنه، فقد أذعنوا أخيرا وسمحوا لذويه بإدخال جنازته التي تحولت إلى مظاهرة وطنية شارك فيها مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري.

ولعلها من أشد الأخطار التي اكتنفت سورية في عهد حكم حزب البعث، كان تردي القدرة القتالية للجيش السوري، الذي استطاع، في فترة ما بعد الاستقلال، أن يوقف طموحات جيش الاحتلال الصهيوني منذ احتلال فلسطين عام 1948، وأن يكون الند العنيد في معاركه مع هذا المحتل الصهيوني، إلا أن الأمر اختلف في ظل حكم البعث، حيث أصبح طموح الضباط البعثيين إتقان صناعة الانقلابات بدلا من إتقان صناعة البطولات على حدود فلسطين. وبدلا من عقد لقاءات بين الضباط لدراسة أفضل السبل للوقوف في وجه العدو الصهيوني، كانت تعقد لقاءات مغلقة بين هؤلاء الضباط تحاك فيها خطط الانقلابات. ولم تخسر سورية "هضبة الجولان" إلا في عهد القيادات البعثية العقائدية.

وبدلاً من أن تكون فترة التجنيد الإلزامية، المفروضة على كل مواطن سوري بلغ سن التجنيد، مدرسة لتعليم المجند السوري البطولة والوطنية، أضحت، تحت قيادة الضباط البعثيين، مرحلة بغيضة بسبب ما يلاقي المجند من إهانات مذلة للرجولة ومنقصة للكرامة. وبدلاً من إخضاع هؤلاء المجندين لدورات تدريبية على صنوف الأسلحة، أصبح قسم كبير منهم يفرز لخدمة الضباط في قصورهم ومزارعهم. ولقد مر عهد على المجندين السوريين - بعد الاستقلال - كانوا ينعمون فيه ببحبوحة من الطعام واللباس الجيدين، وكان كل مجند يعطى راتباً يوفر منه لأخذ هدايا لأهله في كل إجازة. أما في عهد الجيش العقائدي، فقد أصبح المجند يشكو من قلة الطعام ورداءته، بسبب سياسة آمر الوحدة العسكرية، الذي يسطو على مخصصات وحدته من أموال وأرزاق. وحتى الإجازات أصبحت لا تمنح للمجندين، إلا بعد دفع "إتاوات" إلى ضباط وحداتهم.

خاتمة

بعد هذا السرد لبعض ما آل إليه الأمر في سورية، بعد أربعة عقود من انفراد حزب البعث في حكم سورية، فإننا يمكننا أن نؤكد هنا أن بإمكان حزب البعث أن يتدارك الأمر قبل فوات الأوان، وأن يضع سورية على طريق الإصلاح، خصوصاً في ظل قيادة شابة تتمثل في الرئيس بشار الأسد الذي أعلن عن رغبته في ذلك - في خطاب القسم - منذ اليوم الأول لتسنمه سدة الحكم في سورية.

وحتى يتحقق ذلك لا بد توفر شرطين اثنين، أولاً: أن يلغى قانون الطوارئ وكل القوانين الاستثنائية، وثانياً: أن يدعى إلى انتخاب جمعية تأسيسية، تضع دستوراً جديداً لسورية ينهي انفراد حزب البعث بالسلطة. وبغير هذين الشرطين فإن المعادلة ستبقى مستحيلة، ونظام الحكم سوف يبقى في وادٍ، والشعب السوري كله في وادٍ (1).

__________ 

* كاتب وباحث سوري - السعودية

(1) نرجو أن تتاح لنا الفرصة، لإكمال الجزء الثاني من هذا البحث، الذي يتعلق بآفاق الإصلاح في سورية، وواقع المعارضة السورية بأطيافها.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن