اسرار شارع الرشيد بين العهد العثماني وبريطانيا 2010

ضياء ثابت السراي
dheaalsarai@gmail.com

2010 / 7 / 23

احتفظ شارع الرشيد بهيبة وقدسية تاريخية وكانه ولد قبل ان يولد ،واكتنفته الاسرار منذ بداية تاسيسه على يد العثمانيين ، حيث قال عالم الاجتماع العراقي المرحوم علي الوردي ",1910 شق العثمانيون في السنة التي جاء فيها ناظم باشا والياً على بغداد، شارع النهر الذي سمي، فيما بعد، شارع المستنصر، والذي شطر القنصلية البريطانية في الرصافة إلى قسمين. كان هذا هو أول شارع حديث يفتتح في بغداد ولا ندري السر وراء افتتاحه "،وحقيقة الامر فانه كائن قبل ان يشقه العثمانيون وقبل ان يمنحه الانكليز صبغة الحداثة ابان احتلالهم للعراق ،فالمؤرخون يروون ان القصور العباسية التي كانت تطل على النهر وعلى طريق جانبية ،كانت تقابلها دكاكين وخانات ومحلات سكنية واسواق وان لم تكن كما نتصورها في الوقت الحالي ،حتى ان احد المؤرخين يقول ان زوار من الروم وفدوا على احد الخلفاء العباسيين في قصره ونصحوه بان ينقل قصره الى المنطقة المجاورة وهي رصافة الاعظمية ليكون الموقع اكثر امان منه في موضعه الحالي ،وكما تبين الوثائق ان شارع الرشيد الحالي قد شق بشكله الحالي معتليا القصر العباسي (دار الخلافة) وقصور اخرى لوزراء في ذلك العصر وانه قد التهم بمسيرته التاسيسة اثار كثيرة رغم ما يقال عن رفض من المؤثرين في ذلك الوقت ولم يراع العثمانيون بعملهم الا الجوامع والمساجد، لذا تعرج الرشيد كشارع والتوى وانحنى بهذا الشكل الذي عليه الان .
ومع ان الرشيد الشارع تناولته الكثير من الدراسات والبحوث وملفات التوثيق الا ان اسراره لم تكشف كلها فهنالك اسرار كشفها الانكليز وقبلهم العثمانيين واخيرا حكم النظام السابق ،وبقيت تلك الاسرار دفينة وحبيسة صدور رجالات حكم تارة،وخزائن مكتبات ومتاحف تارة اخرى ولم يفصحوا عنها.
قصر التاج يقبع تحت غرفة تجارة بغداد
لقد عاينا المشهد عن كثب ،وحاولنا الاقتراب قدر الامكان من تلك الاسرار.
خلف دربونة العزاوي في العكد المؤدي الى صدرية العلاوي وبجوار دار العلامة يوسف عطا يكون بيت المرحوم الاسطة حامد عباس ،مهندس فطري وباني ومرمم اكثر منازل اهالي شارع الرشيد ومعمار في الهندسة الاسلامية ، لم يتتلمذ الا على يد معلمه المرحوم جمال الاغا ،في دار هذا الرجل الذي يعرفه كل ابناء الشارع اكتظت الاسرار وتزاحمت لكنها لم تجد لها من يحسن معاملتها ،وتبدا الحكاية مع ابن الاسطة حامد ،عمار ابو ايسر كما معروف في منطقته ، ومع السر الاكبر لشارع الرشيد ،ففي عام 1993 اقتادته مفرزة مدنية لرجال ديوان الرئاسة منتصف الليل لايعرف ما الذنب الذي اقترفه ، فهو اسطة بناء ولادخل له بالسياسة ...وبعد تحقيق ثلاث ليال عرف ما مطلوب منه ،فعليه اخبارهم عن الممرات التي دخلها والده تحت بناية غرفة تجارة بغداد حيث يقبع قصر التاج الذي كان دار للخلافة العباسية في فترة الخليفة المستعصم اخر خلفاء العصر العباسي 656هجري وبعدها مركز اقامة هولاكو فترة من الزمن .
اخبرهم عمار البالغ من العمر 59 عام عما سمعه من والده ،فوالده يقول:" انه خلال شبابه وعندما كان يعمل بترميم الدور وقصور الاثرياء دعاه احد رواد عائلة ال الدركزلي التي تبعد عن قصر التاج مسافة 140_180 متر ليرمم له اجزاء من داره ،وان والده نزل سرداب صغير اسفل الدار كان بالنية طمره ، عثروا خلالها مع صاحب الدار تلك على باب قادتهم الى سرداب اخر تنقلوا من خلاله في ممرات واقبية داخلية شبه منهارة وتملؤها المياه ولم يجدوا الا انهم قد قطعوا مسافة طويلة ،ثم عادوا مقدرين المسافة التي قطعها والده وصاحب الدار ب150م".
ممرات القصر تنتهي بالقنصلية البريطانية
الرواية لم تظهر الا بعد حادثة انهيار ارضية احدى غرف دار ال حميد صحاب احد الخانات في شارع النهر ،وكان قد مر عليها سنوات طويلة وقد تحولت دار الدركزلي الى بناء يظن انه الان احدى البنايات التجارية في الشارع ... ادلى الاسطة الابن بما في جعبته لرجال الامن الصدامي ، ثم نقل في اليوم التالي الى موقع لتغليف ضفاف دجلة بمحاذاة المدرسة الاصفية ،ومن المكان ادخل الى مكان فيه تنقيبات ، يقول انه عمل في الموقع سنتين تقريبا مع مجموعة من المختصين عراقيين ومعهم ثلاث اردنيين ومصريان خبيران بالتنقيبات وقد عثروا على اساسات لعمران قديم ،وسمع ماقاله من عمل معهم ،بانه بقايا لقصر عباسي كانت معالمه بارزة الى ان خربه العثمانيين في فترة لاحقة ومن ثم تحولت الى تل وبني عليها ابنية ودور وشق فوقها شارع الرشيد ، لكنه يؤكد ان الانكليز كانوا قد عثرو على الموقع واوجدوا له ممرات بنوا على نهايتها القنصلية البريطانية التي كانت تقبع في شارع الرشيد حتى تم تهديمها اثناء عمليات انشاء الشارع قبل 100 عام تقريبا ، وهو يروي ما كان يسمعه من المنقبين الذين عمل معهم وكان عمله ينصب في بناء الاقواس التي تهدمت واعادة تقوية المتبقي منها ،ومؤخرا زاره احد المهندسين العاملين في الاثار وطلب منه نقل ما يعرفه الى المسؤلين لكن الامر لم يجد له اهتمام من قبل مسؤلي الحكومة العراقية الحالية .
ولاتزال قطع من قصر الذهب العباسي واختام الخلافاء موجودة في المتحف البريطاني وهي قطع من اسرار حضارة يحرسها هذا الشارع ، ومن الامور التي تم العثور عليها داخل البناء الذي احكمت حكومة صدام حسين اخفاء منافذه ومداخله ،شروحات لرئيس بعثة تنقيب بريطانية ،كتب فيها "رغم الوقت الذي مضى على اندثار البناء ،والظروف السيئة والرطوبة التي غلفت اجزاء البناء الا ان طابوقه واجره لايزال يتمتع بصفاره الذهبي وهو سبب تسميته قصر الذهب،وليس لانه يحوي الذهب الكثير" وهي شروحات تعود الى عام 1917 كانت موجودة في مكتبة القصر الجمهوري الوثائقية حتى فترة قريبة لسقوط النظام السابق اختفت بعد عام 2003.
القفصلي وبئر الميدان
عمار ابن الاسطة كما يعرف في منطقته ،يقول انه ترك العمل في الموقع بعد ان سرحه ديوان مشاريع القصر الجمهوري ،القصة يؤكدها او يروي مثيلتها الشيخ ثجيل الخشاب وهو مسؤل خان فتح الله عبود ،عمر الشيخ يناهز 88 عام تقريبا ، يروي لنا انه لم يشاهد بعينه تلك الاقبية ولم ينزل الى احدها او الى الممرات بين جانبي الشارع ،لكنه سمع من عمال اكبر منه في وقتها ،ان مكان القفص خلف المدرسة المامونية في محيط طوب ابو خزامة وهو سياج حديدي يبتعد عنه الجميع والمعروف ان من يقترب من السياج الحديدي الذي يحيط بقطعة ارض يملئها القصب العالي واشجار وازبال ينعت بالشذوذ (يسمى القفصلي) اي مثيل جنسي او ماشابه ،لكن هذا الرجل يؤكد ان المكان كان فيه بئر ينزل فيها بعض الذين رووا له وعلى ذمتهم ،انها تؤدي بهم الى تحت المدرسة المامونية وفيها غرف كثيرة لكنها قديمة ومظلمة وكل من دخلها خرج منها هاربا ،وكان بعض زملائه الاقدم منه في الخان يروون له عنها الكثير من الحكايا لكنه لم ينزل هنالك يوما ولم يتجرا على التقرب من القفص خوفا على سمعته .
اين اختفى ختم ابو جعفر المنصور العباسي
ختم الخليفة ابو جعفر المنصور الذي عثر عليه في تنقيبات 1994 التي تحدث عنها الاسطة عمار،بقي في يد صدام حسين لفترة ،ويقول عنه احد احفاد العباسيين الذي كشف عن رفات جده المستعصم الخليفة العباسي ،وهو الدكتور عماد عبد عبد السلام رؤوف المؤرخ ، الذي يعتقد أن شارع النهر ولد مع ولادة الخلافة العباسية في القرن العاشر الميلادي بقليل، فالخلفاء اختاروا قصراً كبيراً كان يوماً ما متنزهاً للخليفة المأمون عرف باسمه القصر المأموني وصار مقراً رسمياً للخلافة ثم أعيد بناؤه في عهد المتوكل ليعرف بـ قصر التاج ويتبوأ موقعه على شاطئ دجلة في منتصف شارع النهر بموقعه الحالي. أحيط القصر في القرن التالي بسور معيني الشكل يبدأ من شارع البنوك المحاذي لشارع السموأل وحتى محلة السنك ونظراً لمقتضيات استقبال الوفود الرسمية الوافدة على قصر التاج فقد شقت طريق محاذية لدجلة تبدأ من الباب الشمالي لدار الخلافة الواقعة في مدخل شارع النهر وحتى باب الدار نفسه المعروف بـ باب المراتب عند محلة السنك وأطلق على هذه الطريق اسم رأس القُريّة وهي نفسها الآن شارع النهر ، والحفيد العباسي يؤكد ان الشارع لايخلو من الاسرار الكثيرة فهو ثكنة قصور ملكية وبعدها مركز ولاة عثمانيين ومركز للقناصل والسفراء والاسر البغدادية العريقة والاثرياء والتجار اليهود والمسيح فلا بد ان يكون فيه من الاسرار التي لاتزال غامضة الكثير الكثير .
اخر الاسرار تسعى بريطانيا لاخفائه
سر اخر يكشفه مسؤول حكومي عراقي ،اكد ان الحكومة البريطانية تعيق تنفيذ مشروع تحديث شارع الرشيد واعادة بناءه من جديد من قبل مجموعة شركات اجنبية المانية وبريطانية واميركية ولبنانية رغم انتهاء كل الدراسات والتصاميم الخاصة بتطوير وبناء الشارع من جديد باستثمار تبلغ قيمته 5 مليار دولار يعرض فيه 80% من الاملاك العامة للاستثمار كشراكة في المشروع وراس ماله بعيدا عن الاموال الحكومية العراقية ، ولاتزال المجموعة الاستشارية التي تشرف على المشروع تستغرب سبب عرقلة العمل ولاتعرف حقيقة الجهة التي تعيق المباشرة ،مصدر اخر مطلع من داخل السفارة البريطانية اكد ان شارع الرشيد يشكل محور اهتمام للحكومة البريطانية خصصت له اقسام في السفارة تعمل بمناى وسرية عن باقي موظفي واقسام السفارة التي يقع مركزها في المنطقة الخضراء وسط بغداد ،وبكل تاكيد فان هنالك سر كبير لاتبغي الحكومة البريطانية كشفه حتى تلملم اطرافه بشكل او باخر .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن