قرصنة وقانون: أليست كوميديا سوداء؟

عبد الحسين شعبان
drshaban21@hotmail.com

2010 / 6 / 9


“إسرائيل” التي لا تأبه بالقانون الدولي ولا تحترم المواثيق والعهود الدولية بما فيها ميثاق الأمم المتحدة وتتصرف بمعزل عن ذلك كله، إلاّ أنها تزعم أو تحاول تكييف عدوانها وجرائمها، بتخريجات قانونية أو تسعى إلى إيجاد “سند” لها في القانون الدولي .

ما فعلته “إسرائيل” هو أنها شنت هجوماً على قافلة الحرية وقتلت 9 نشطاء جاءوا ينتصرون لقضية حقوق الإنسان، ويعلنون أن الحصار “الإسرائيلي” المفروض على غزّة لا إنساني ومخالف للشرعة الدولية لحقوق الإنسان . ادّعت “إسرائيل” أولاً أنها تريد تفتيش السفن القادمة إلى غزة .

وثانياً أن غزة بقيادة حماس خارجة على القانون الدولي، بتصنيفها منظمة إرهابية، وأن القانون الدولي يعطيها الشرعية لشن حرب على الإرهاب الدولي، بموجب قرارات دولية، سواء كان في المياه الدولية أو الإقليمية .

وثالثاً أن النشطاء هم من امتنع عن إنزال حمولتهم لفحصها ومن ثم إرسالها إلى غزة .

ورابعاً أن النشطاء هم من قاموا بالهجوم على الجنود “الإسرائيليين”، وأن الطائرات التي أنزلت عدداً من “الكوماندوس”، إضافة إلى قوات البحرية “الإسرائيلية”، إنما تدافع عن النفس، وهي تحمي أمن “إسرائيل” . . . إلخ .

أما العرب فآخر ما يفكرون به هو القانون الدولي، رغم أنه يشكل سنداً لهم، خصوصاً أن حقوقهم مغتصبة وأرضهم سليبة ويتعرضون لعدوان مستمر وحصار ظالم، وأن الوسائل المتاحة بأيديهم لا تستخدم على نحو صحيح، بما فيها الساحة الدبلوماسية والقانونية، التي يمكن أن تكون ظهيراً للوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية .

وإذا كان فقدان أو ضعف الإرادة السياسية سبباً في ذلك، وتراجع التضامن العربي بحدّه الأدنى وعدم وجود التنسيق بين البلدان العربية، سبباً آخر، إضافة إلى أن خياراتهم محدودة، ولعل أغلبها يتعلق بالحفاظ على ما هو قائم، من دون النظر والتفكير، بما يمكن أن يقود إليه سوء الأوضاع، فضلاً عن القضم “الإسرائيلي” المستمر للأراضي الفلسطينية وتهديد سلم وأمن المنطقة بعدوان مستمر ومشاريع حرب مستمرة .

وإذا كان ثمة إيجابية وحيدة من مجزرة قافلة الحرية، التي شملت مواطنين من جنسيات مختلفة فإنها دفعت أوساطاً واسعة من الرأي العام العالمي لإدانة “إسرائيل”، إضافة إلى بروز دور تركي متميز وفاعل، الأمر الذي قد يضع معادلات جديدة، إذا ما أحسن استخدامها، ستحشد طاقات جديدة، وبخاصة في المجال الدبلوماسي والقانوني لصالح العرب .

“إسرائيل” تعرف أنها قامت بجريمة قرصنة دولية وتعريفها “الإتيان بعمل من أعمال الإكراه أو الاستعداد للقيام به، في أعالي البحار أو البحار المفتوحة” . ولعل تعريف جريمة القرصنة ينطوي على توفر عدد من الأركان التي تنطبق جميعها على “إسرائيل” .

1- عمل إكراهي، بوسائل مادية أو معنوية، ويتساوى في ذلك الإتيان بالعمل أو القصد من نيّة الفاعل، وهو ما ينطبق على قيام القوات المسلحة “الإسرائيلية” باقتحام القافلة، وقيادتها بالضد من وجهتها، وقتل عدد من أفراد طاقمها وركابها .

2- المكان، وهو أعالي البحار، أي منطقة بحرية لا تخضع لسلطات محددة أو سيادة دولة بعينها، وهو ما حصل عند مهاجمة القافلة .

3- السفينة، أي محل وقوع الجريمة، خصوصاً أنها وقعت على حمولة بشرية مدنية، إضافة إلى سلع وبضائع تحملها السفينة .

4- العلم، أي أن تحمل السفينة علم دولة أو دول أخرى غير المرتكب، لكي يتحقق ركن القرصنة الدولية، فالسفن لا تحمل العلم “الإسرائيلي”، بل تحمل أعلاماً لدول أخرى .

5- عدم شرعية فعل الإكراه، أي لا وجود لسبب مشروع وقانوني للهجوم، لاسيما أن القافلة سلمية ومدنية، ولا تحمل أية مواد حربية أو عسكرية . وطبقاً لذلك، فإن القافلة تتمتع بالشرعية القانونية الدولية وتتساوق مع القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، خصوصاً أنها جاءت لنصرة الإنسان في غزة المحاصرة، وحملت معها بعض مقوّمات الحياة الضرورية التي تمتنع “إسرائيل” عن وصولها إليها، مثل الغذاء والدواء وبعض المواد الضرورية .

وعليه فإن هجوم “إسرائيل” على قافلة الحرية، يعني هجوماً على أبسط حقوق الإنسان، لأن غزة محاصرة على نحو غير شرعي، حيث ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة الثانية): على أن لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات من دون تمييز من حيث الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الاجتماعي أو الثروة، أو أي وضع آخر ومن دون تفرقة بين الرجال والنساء .

وبما أن “إسرائيل” هدرت هذه الحقوق، سيكون لزاماً على المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية ودعاة حقوق الإنسان بشكل خاص، العمل على تأمين مستلزمات الحياة الضرورية لسكان قطاع غزة، وهو ما تذهب اليه اتفاقية جنيف الرابعة لعام ،1949 التي تحظر استخدام مثل تلك التدابير التي من شأنها أن تؤدي إلى حصار شعب من الشعوب، وهو ما أكدته المادة ،55 حيث أوجبت على الدولة المحتلة تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية بأقصى ما تسمح به من الوسائل، في حين “إسرائيل” تمارس عكس ذلك بالضبط بفرضها الحصار الشامل . إن أركان جريمة القرصنة تنطبق تماماً على الأفعال الإكراهية “الإسرائيلية” في أعالي البحار وبالضد من أسطول الحرية .

أما قتل “ النشطاء” فهو جريمة أخرى منفصلة ومستقلة عن جرائم القرصنة، وإذا كان المدافعون عن سفينتهم هم ضحايا وجاءوا لنصرة ضحايا ودفاعاً عنهم، فلا دفاع ضد الدفاع، وهناك معتد وهناك مدافع، أي هناك منتهِك وهناك مُنتهَك، ولا يتحقق شرط الدفاع عن النفس طبقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة بخصوص ما قامت به “إسرائيل”، بل إن المسألة معكوسة تماماً .

“إسرائيل” هي المحاصرة (بالكسر) وهي المهاجِمة وهي القاتلة . وهكذا يترتب عليها دولة وأفراداً ومسؤوليات مختلفة ومتنوعة، لارتكاب عدّة جرائم قتل كاملة الأركان المادية والمعنوية، لاسيما ضد السكان المدنيين، وتترتب عليها بالتالي عقوبات، لاسيما ضد من اتخذ القرار ومن أصدر الأوامر ومن قام بالتنفيذ، بمن فيهم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، الذين لا بدّ من جمع الأدلة والأسانيد ضدهم والتقدم بشكاوى أمام القضاء الدولي (المحكمة الجنائية الدولية) أو الوطني لبعض الدول التي يسمح قانونها بإقامة مثل هذه الدعاوى، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة وجنسية المرتكب أو الضحية، طالما تحمل سمات جرائم دولية وضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، إضافة إلى جريمة العدوان .

ويكون من واجب مجلس الأمن إنشاء محاكمة خاصة إذا اقتضى الأمر، بعد تحقيق نزيه وعادل، وإحالة المرتكبين إلى القضاء الدولي، كما حصل في يوغسلافيا ورواندا وغيرهما، خصوصاً أن جرائمها هذه هددت السلم والأمن الدوليين، كما أن على المدعي العام للمحكمة الجنائية الطلب من مجلس الأمن إحالة المتهمين إلى التحقيق ومن ثم إلى القضاء .

كما ترتب هذه الجرائم مسؤوليات مدنية في ضوء الإدانة الجنائية فردياً وجماعياً، وبشكل تضامني، عن تعويض الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بكل متضرر .

أليس جمع النقيضين في سرير واحد “القرصنة والقانون” كوميديا سوداء؟

باحث ومفكر عربي
صحيفة الخليج الاماراتية الاربعاء 9/6/2010



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن