الحب والوفاء

زهير قوطرش
globus102@yahoo.com

2010 / 6 / 2


بلغ العقد الثامن ,حيث ارتسمت على وجهه خريطة العمر الطويل ,وأثقلت الأيام الطويلة بحملها الثقيل على ركبتيه ,فصار يمشي مستنداً على عكازه القديم ,يجر قدميه ,وكأنه يمسح بهما الأرض.
يمر كل يوم وبنفس الموعد ,حاملاً كيساً من الخيش القديم ,متجهاً إلى مكان ما !!!!.أنه أبو سعيد , صاحب الدكانة الأثرية ,والتي مازالت على وضعها رغم تطور البنيان في هذا الحي ,يبيع فيها الخردوات القديمة ,والتي أصبحت اليوم كعملة نادرة.
استوقفته ,وسألته عن أحواله ,وكالعادة تكون أجوبته مختصرة جداً (الحمد لله على كل شيء).نظرت إلى عينيه الشاردتين ,فأدركت مدى العذاب الذي يتكبده في رحلته اليومية من البيت إلى ذالك المكان المجهول .
أما ابتسامته التي صارت طفولية في براءتها ...هي الإشارة الوحيدة في هذا الوجه المتعب التي تدل على
الصبر والرضا.وهي الحركة الوحيدة التي يستطيع التحكم فيها كما يشاء.
دعوته لتناول فنجان من الشاي ,في القهوة المجاورة لبيته الأثري. لبى دعوتي بسرور قائلاً ...رحم الله والدك فقد كان من أعز الأصدقاء.
وما أن جلسنا حتى سألته بفضول ... ياعم أبو سعيد ,أراك كل يوم في نفس الموعد تسير في هذا الاتجاه وبالكاد تستطيع جر قدميك ,إلى أين تذهب؟
أجابني ,إلى مشفى الأمراض النفسية والعصبية . قلت له خير إن شاء الله .. .وبنبرة حزينة أخبرني أن أم سعيد زوجة العمر دخلت المشفى بعد إصابتها بمرض الزهايمر اللعين حسب قوله .وأنها فقدت ذاكرتها بالكامل ...ثم صمت قليلاً وتابع بعد ذلك حديثه قائلاً: أم سعيد , صارت لا تعرفني , ولا تتذكرني أبداً.وسقطت من عينيه دمعتين .
من منطلق الشفقة عليه ,قلت له يا عم أبو سعيد ...إذا كانت أم سعيد لا تعرفك,ولا تتذكرك ,فلماذا تتعب نفسك بزيارتها كل يوم.
رفع رأسه المثقل بكل هموم العمر ,ونظر إلي نظرة استغراب ...وقال لي
إذا كانت أم سعيد ما عادت تعرفني ....فأنا مازلت أعرفها يابني!!!!!
ودعني ...وأنا أردد ...كم نحن بحاجة إلى هذا الحب وهذا الوفاء.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن