من لِ (وِلدِ الخايبة)؟

ماجد السوره ميري
mmss1965@googlemail.com

2010 / 4 / 18

في زحام المناسبات التي يتم فيها استذكار الجرائم و المآسي التي اقترفها النظام السابق بحق مختلف شرائح المجتمع العراقي، ثمة مناسبات تمر مر الكرام دون أن ينتبه اليها أحد؛ ففي عراق اليوم، حتى المآسي و الجرائم تخضع لمفهوم المحاصصة سيء الصيت، فمن كانت له القوة و الاثرة في البرلمان و الحكومة له ما يوازيهما في مجال طرح قضاياه و مناسباته على كافة الأصعدة، قضائية كانت أم حكومية أم إعلامية، و لعلنا لن نتجنى على أحد إذا رددنا مع أنفسنا ما يدرج عليه العراقيون في قولهم (إلكُم الله يا ولد الخايبة)!!.
تشكلت محكمة الجنايات العراقية العليا بُعَيد سقوط أبطال الحقبة الزيتونية، واستبشر ذوو الشهداء و الضحايا و جيوش أرامل و أيتام الفزعات الدونكيشوتية، بأنهم باتوا قريبين من أن تقر عيونهم بإنزال القصاص الحق بمرتكبي القتل والتشريد والتشويه، ولكن المحاكمة بدأت بقضية؛ لم تخطر ببال حتى ضحاياها بأنها هي التي ستتصدر اهتمامات القضاء والحكومة والهيئات المرتبطة بها، مع جل احترامنا لكل قطرة دم و دمعة عراقية عزيزة هي موضع التبجيل والاحترام، فقد حوكمت زمرة من القتلة بضمنهم رأس النظام صدام حسين على خلفية محاولة تصفيته في الدجيل وماتلاها من إجراءات تعسفية بحق العشرات من المواطنين وتخريب بيوتهم وبساتينهم وصدر بحقه على خلفيتها حكما بالإعدام ونفذ فيه بعد مدة. وهكذا كانت للانتفاضة الشعبانية في الجنوب قضية و مثلها للانتفاضة الربيعية في كوردستان و ثالثة للاحزاب الدينية و رابعة للاحزاب العلمانية و غيرها لقضية الكورد الفيليين وأخرى لجريمة التطهير العرقي.
وكما يعلم الجميع أن لهذه المناسبات تواريخ ثابتة لبدأها؛ يحتفل باستذكارها الجميع و تصرف لأجلها الأموال الطائلة، ليس من أجل إحقاق الحق و إرجاع الأمور الى نصابها الصحيح كما يخيل للمتابع أول وهلة؛ بل أن جلها للاستهلاك الاعلامي و الدعاية الحزبية وكسب الأصوات في نعمة الانتخابات الديمقراطية وصناديق الاقتراع، التي صارت للبعض كصناديق الذهب التي تتحدث عنها القصص التي كانت تهمس بها جداتنا في آذاننا عن علي بابا والأربعين حرامي وكنا نمني النفس بأن نحظى بالقليل منها لنشتري ما كانت توسوس به نفوسنا الطفولية من ثياب وحلويات كانت تشكل جل اهتماماتنا.
وهكذا مرت السنوات و رحل الحرامي الكبير وترك خلفه الصناديق المليئة بما لم يحلم به من استوى عليها و ضمها الى نفسه وتقاسمتها الأيدي والأذرع الطويلة وتنافرت عنها النفوس التي بقيت على براءة طفولتها. وما أن تمر إحدى هذه الذكريات والمناسبات حتى تنبري هذه الجهة أو تلك لتقيم الدنيا ولا تقعدها وتذرف دموع التماسيح على الظلامات التي لحقت بها من كائنات الجمهورية الزيتونية الخرافية المصاصة للدماء؛ وعيون الضحايا ترنو الى الماضي وتلعن الجلاد و ترنو الى الحاضر وتلعن الكذاب وهي لمّا تزل تلعق جراحها وتبث شكواها عل من يسمع لها أنينا ويدفع عنها ظلما مستديما ولكن هيهات فقد جفـَت منابع الضمير ورفعت صُحف الأخلاق.
نعود لما صدر من المقال ونشير الى إحدى الجرائم التي ما انتبه إليها الجميع ولم تدخل قاموس الإعلام وهي على فظاعتها لاتقل عن أي من تلك الجرائم التي حوكم عليها أولئك النفر من قيادات البعث وجلاوزته.
هذه الجريمة حدثت بُعَيد اتفاقية السادس من آذار1975 الخيانية التي تنازل فيها صدام والبعث عن جزء عزيز من أرض العراق ومياهه في شط العرب لصالح شاه إيران المقبور، لقاء الإجهاز على الثورة الشعبية في كوردستان العراق التي وصلت الى مراحل متقدمة من تحقيق أهدافها.
في العشر الأواخر من آذار تلك السنة وما تلاها من الزمان قامت الحكومة البعثية بالهجوم على كافة القرى الكوردية التي تحيط بمدن خانقين ومندلي وغيرها و ألقت بأهلها (وجلهم من الفلاحين والمزارعين البسطاء) في العجلات العسكرية ورحلتهم الى وسط و جنوب العراق في أولى جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية وذلك عبر عدة مراحل استمرت الى شهر تشرين الثاني من العام نفسه، وطالت حوالي 50 قرية كوردية في خانقين وحدها، وكنت شخصيا أحد الشهود العيان على تلك الجريمة، فقد أطبقت قوة كبيرة من الجيش ترافقها سيارات تابعة للحكومة المحلية وأجهزة الأمن ومنظمة حزب البعث على القرية التي كنا نسكنها وحملتنا في عجلات (زيل) العسكرية في رحلة طويلة مجهولة نحو المستقبل المرعب الذي كنا ننتظره لأننا لم نكن نعلم ماهي جريرتنا والى أين يمضون بنا، حتى وصلوا بنا الى مدينة سلمان باك "المدائن" جنوب العاصمة حيث تم توزيع عوائلنا فرادى على القرى و النواحي التابعة لها في حينها. وفي الوقت نفسه استقدمت آلاف العوائل من الوسط و الجنوب وأسكنتهم في قرانا وسهلت لهم كل الإمكانيات من أجل ما سميت بسياسة التعريب والتغيير الديموغرافي لتلك المناطق التي تسمى اليوم (مناطق متنازع عليها).
وهاهي الذكرى الثلاثون لهذه الجريمة البشعة تمر دون أن نسمع كلمة استذكار او استنكار من كل الجهات المعنية، سواء في الحكومة الاتحادية أو حكومة إقليم كوردستان التي تتولى الدفاع عن قضايا هذه المناطق ( المتنازع عليها).
إن الحديث عن هذه الجريمة والتركيز عليها والنظر في المشكلات التي خلفتها والسعي لحلها والاهتمام بمن عاد من العوائل المرحلة وتعويضها وتقديم التسهيلات المتاحة لعودة من بقي منها في المنافي، لمن الضرورة بمكان؛ ليست لأنها أفضع من باقي الجرائم التي ارتكبها البعث و صدام ولكنها كانت الفاتح لما بعدها؛ إذ أن جميع الجرائم الوحشية تلتها زمنيا، وكأنها كانت محاولة من النظام لجس نبض الرأي العام العراقي والعالمي، فلما رأت السكوت المشين من كل الهيئات المحلية و الدولية حينها، استكلبت وعتت وقامت بماهو أفضع وأكبر وكان الخاسر الوحيد هو الشعب العراقي بكافة أطيافه!!



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن