ملامح السياسة الأميركية على إيقاع أحادي

محمد سيد رصاص
mariakm@gmail.com

2002 / 7 / 8

بعد سقوط (المعسكر الشرقي)، بين عامي 19911989، استطاعت الولايات المتحدة ان تتبوأ مركز (القطب الواحد) للعالم، للمرة الاولى بعد (روما) وسيطرتها على الشرق اثر معركة (اكتيوم) (31 ق.م.) فيما كاد المسلمون يحققون ذلك لولا هزيمتهم في معركة (بواتييه) (732 م)، مما كان سيعني سقوط اوروبا الغربية لو انتصروا، وكان سيجبر البيزنطيين، والصينيين، بالنتيجة، على الخضوع للخليفة المقيم في دمشق، بحكم التوازن الجديد الذي كان سيؤدي اليه سقوط الغرب الاوروبي.
بين عامي 19921990، شجعت واشنطن نشوء خرائط جديدة في المنطقة الممتدة بين برلين وكازاكستان عند الحدود الصينية، مما عنى نشوء وضع تفكيكي لما كان يسمى (المعسكر الشرقي)، يؤدي الى منع نشوء قوة مهددة للغرب الاوروبي، كما حصل بعد 1945، فيما اتجهت الى السيطرة على نفط وغاز بحر قزوين والقفقاس، والى منع الشركات الروسية من ذلك، وسارت بمسار وضع حاجزا امام موسكو، واوروبا الغربية، حال دون ان يكون لهما دور مؤثر في حريق البلقان الذي اندلع بعد عملية تفكيك يوغوسلافيا، بين حزيران 1991 نيسان 1992: هدفت واشنطن من وراء ذلك الى اغلاق المجالات الثلاثة الحيوية (اوروبا الشرقية والوسطى القفقاس البلقان) التي كان يرنو الحكام الروسيين اليها دائما، منذ ايام بطرس الاكبر (1682 1725)، وخصوصا مع توسيع اطار (الناتو) الى حدود بولندا الشرقية.
في الشرق الاوسط الذي اصبحت للولايات المتحدة الاميركية الكلمة الاولى فيه بعد حرب حزيران 1967، وبالذات بعد انتهاء نفوذ الاتحاد السوفياتي في مصر عام 1974، وقفت واشنطن ضد نشوء خرائط جديدة للمنطقة، مما جعلها تقف مع العراق بوجه ايران في حرب 1980 1988، فيما اتجهت، بعد انتصارها في شرق اوروبا خريف 1989، في اتجاه تسكين وحلحلة البؤر المتفجرة بالمنطقة، مثل لبنان عبر (اتفاق الطائف)، واحتواء بعض القوى الاقليمية، مثل العراق الذي اخذ حجما مرموقا من خلال ظرف حربه مع ايران: لم تؤد حرب 1991، التي انتهت الى سيطرة واشنطن على الشرق الاوسط، الى تشجيع الولايات المتحدة على انشاء خرائط جديدة، تخالف ما رسم بين 19231918، وقد بان ذلك عبر منعها الاكراد العراقيين من انشاء دولتهم الخاصة، برغم توافر مقوماتها العملية بعد عام 1991، على سبيل المثال لا الحصر.
في عقد التسعينيات، بعد انتهاء (الحرب الباردة)، حصلت ثلاث ازمات كبرى، تبين طريقة ادارة واشنطن للازمات العالمية: في (الخليج) (آب 1990 شباط 1991) قادت تحالفا دوليا كانت لها فيه اليد العليا، قررت فيه طريقة ادارة الازمة ومسارها وسقوفها، ومنعت بروز اي دور مستقل حاول ان يلعبه الفرنسيون والسوفيات (من خلال بريماكوف) باتجاه مسار آخر. في البلقان، افشل الاميركيون خطة (أوين فانس)، التي مثلت المجموعة الاوروبية والامم المتحدة في عام 1993، من اجل حل ازمة البوسنة، واتجهوا الى تقوية كرواتيا والمسلمين مما ادى الى فرض وضع عسكري جديد، منذ صيف 1995، ضد الصرب ادى لاخراجهم من الاراضي التي احتلوها في كرواتيا، صيف 1991، والى تحجيم اراضيهم في البوسنة، مما جهز الطريق امام (اتفاق دايتون) (ك1 1995) حول ازمة البوسنة، الذي تم في ارض اميركية لأزمة اوروبية، فيما ظهر الاوروبيون منقادين وراء الاميركيين في ازمة كوسوفو (آذار 1999 حزيران 1991)، وبانت محدودية الدور الروسي في البلقان، آنذاك. في الازمة الثالثة، التي حصلت مع كوريا الشمالية، في ربيع 1994، استطاع الاميركيون فرض حل على كيم إيل سونغ (توفي في تموز 1994)، ادى عمليا الى تفكيك المنشآت النووية هناك، واستبدالها بتجهيزات قدمتها كوريا الجنوبية واليابان تضمن، تقنيا، عدم وصول الكوريين الشماليين الى القنبلة النووية، فيما لم تستطع الصين ان تفعل شيئا مكتفية بجوائز تعويضية عن سكوتها، كما حصل في ازمة الخليج، متمثلة في استمرار تدفق التكنولوجيا والاستثمارات الغربية، التي توقفت بعد احداث الطلاب في حزيران 1989 حتى ازمة الخليج، وفي سكوت الغرب عن (الداخل) الصيني، وعن موضوع الديموقراطية و<<حقوق الانسان>> في وجه تفرد الحزب الشيوعي بالسلطة.
في المناطق الثلاث المذكورة، اتجهت الولايات المتحدة الى سياسة احتوائية ل(الداخل) بعد الأزمة، باتجاه انشاء اوضاع داخلية <<مؤاتية>> للعامل الدولي الاميركي: تم ذلك في يوغوسلافيا، يوم 24 ايلول 2000 مع سقوط ميلوسيفيتش في الانتخابات، بعدما اوصل الحصار والضغط الدوليان المجتمع اليوغسلافي الى وضع جعله يتجه الى بديل آخر اكثر انسجاما مع <<الخارج>>، فيما لم تجد الولايات المتحدة آليات مماثلة في العراق، بينما قامت كوريا الجنوبية بهذا الدور تجاه الشمال، مما منح رئيسها جائزة نوبل للسلام عام 2000، برغم ان العملية لم تأخذ مسارها النهائي بعد.
لم تكن واشنطن متشنجة تجاه استيعاب قوى كانت محسوبة على السوفيات في فترة الحرب الباردة، كما جرى تجاه (هون سين) رئيس الوزراء المحسوب علي الفيتناميين بعد غزوهم لكمبوديا في (ك2 1979)، او تجاه (الحركة الشعبية) الانغولية الحاكمة، التي دعمها السوفيات والكوبيون في حربها ضد حركة (يونيتا)، التي ظلت تموَّل وتسلَّح من الاميركيين وجنوب افريقيا حتى بداية التسعينيات. ايضا، اظهرت ازمة كشمير، في صيف 1999، ان واشنطن قد نقلت اعتمادها من اسلام أباد الى نيودلهي، بخلاف ما كان عليه الامر في حربي 1965 و1971، ويبدو ان قيمة باكستان الاستراتيجية، بالنسبة لواشنطن، كانت مرتبطة بضرورة منع السوفيات من الامتداد جنوبا، منذ ايام <<الجدار الشمالي>> الذي طرحه وزير الخارجية الاميركي فوستر دالاس في الخمسينيات، وقد بانت ابعاد ذلك مع الغزو السوفياتي لافغانستان (ك1 1979)، فيما اصبحت اميركا ترى، بعد الحرب الباردة، في العملاق الهندي حاجزا ضروريا امام الصين في وسط وجنوب آسيا.
تقدم مسألة <<التسوية>> للصراع العربي الاسرائيلي، مثلا بارزا على طريقة تعامل واشنطن مع المناطق الحيوية في العالم: كان <<مدريد>> حصيلة لما جرى في حرب الخليج، قبل اشهر عدة، مما جعل عملية <<التسوية>> تأتي على خلفية سيطرة واشنطن على الشرق الاوسط، التي حصلت مع حرب 1991، حيث تهدف <<التسوية>> الى تنظيم هذه السيطرة عبر انشاء اوضاع ملائمة للمصالح الاميركية، سياسيا وامنيا واقتصاديا، لفترة طويلة الامد، اكثر من كون هذه العملية تعبيرا عن تطور اقليمي يخص طرفي الصراع. في هذا الاطار، رأت واشنطن ان تقديم تنازلات اسرائيلية كبيرة، في اراضي حزيران 1967، هو امر حيوي لا يمكن ان تكون <<التسوية>> مستقرة، بدونه، مما جعلها تتصادم مع شامير ونتنياهو. ولم تقف الولايات المتحدة، كثيرا، امام الاعتبارات العديدة التي كانت تمنعها من ايجاد عملية تكيف <<ما>> للداخل الاسرائيلي مع متطلبات استراتيجيتها الاقليمية. ايضا، منعت اميركا اية مشاركة اوروبية فعلية في عملية <<التسوية>>، انطلقا من ادراكها أن تحجيم اوروبا يمكن ان يساعد كثيرا عليه واقع وجود تفرد اميركي بمنطقة الشرق الاوسط، الشيء الذي ادركه ديغول في 1967، عندما حاول ايجاد دور فاعل لفرنسا في ازمة الشرق الاوسط، يمنع التفرد الاميركي السوفياتي، ويتيح تجاوز ما حصل في السويس والجزائر. وهو كان يدرك، كقارئ عميق للتاريخ، أن من يسيطر على شرق المتوسط وجنوبه يمكنه ان يهدد العمق الاوروبي او ان يحجمه، فلا يفصل الفتح الاسلامي للهلال الخصيب ومصر عن معركة <<بواتييه>> سوى عقود من الزمن، بينما احتاجت روما الى هزيمة انطونيوس وكليوباترا في <<اكتيوم>> من اجل تحقيق بعدها العالمي.
الشرق الاوسط ابعد واكبر من النفط، ومن يسيطرْ عليه يضعْ يده على العالم، وهذه حقيقة جيو بوليتيكية سابقة على عصر الصناعة. لذلك ليس من المصادفة ان واشنطن قد شعرت بأن انتصارها، في خزيف 1989، على المعسكر الشرقي سيبقى مقلقلا ما لم تلحقه بوضع يدها على الشرق الاوسط، الشيء الذي حصل في عام 1991، مما يسمح بتحجيم مجال وقوة الغرب الاوروبي، وفي الوقت نفسه، يتيح ارضية للتحكم بحنفية النفط تجاه الدول الصناعية الكبرى، الاوروبية وغير الاوروبية، وهذا يدخل ضمن اطر السياسات الوقائية والاستباقية، التي تضطر اليها الدول العظمى او <<القطب الواحد>>، لمنع بروز قوى كبرى سابقة من جديد، كما جرى بعد مؤتمر فيينا (1815)، اثر هزيمة نابليون، عندما كانت لندن حذرة من اي تقارب فرنسي روسي يمكن ان يؤدي الى قلب التوازن الاوروبي في الحقبة الما بعد نابليونية، ولم تنزعج، في 1870، من بروز المانيا الموحدة ما دام بسمارك متلاقيا مع مشاغل البريطانيين بضرورة منع ذلك التقارب، ولم ينتهج سياسة المانية تتجاوز البعد الاوروبي، الشيء الذي ادت سياسات حلفائه المعاكسة، بعد 1889، اضافة لتشجيعهم للسياسات النمساوية في البلقان، الى جعل الطريق للحرب العالمية سالكا.
يمكن للمثل الالماني ان يعطي صورة عن النظرة البريطانية القصيرة المدى، التي كانت محكومة بهاجس الماضي النابليوني، ولم تر ابعد من ذلك، مما قاد الى الحربين العالميتين، ولتقويض الامبراطورية البريطانية. ويبدو ان واشنطن استفادت كثيرا من تجربة لندن، كما يلمس من مذكرات كيسنجر، فيما تعطي معطيات السياسة الاميركية، في حقبة ما بعد 1989، أن الاستخفاف او التقليل من قوة وابعاد الذهنية الاميركية، المتأصلين في العقل الاوروبي منذ القرن التاسع عشر (وهو يمتد الى ابعد من القارة العجوز)، لا يستند الى ارضية صلبة من الوقائع، وفي الوقت نفسه، فإن ذلك لا يساعد على رؤية ما جرى اثر سقوط المعسكر الشرقي، وهو حدث لم تشهد الازمنة الحديثة مثيلا لاهميته منذ حصول ثورة 1789 الفرنسية.
() كاتب سور
ي
جريدة السفير


https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن