محاولة في الحديث عن الاقتصاد.. من دون السياسة

زين العابدين
zeinelaabedien@gmail.com

2002 / 7 / 5

 

يفهم البعض من اعتراضنا على خطة البدء بالإصلاح الاقتصادي وتأجيل الإصلاح السياسي أو رميه جانباً، يفهم أننا لا نريد الإصلاح الاقتصادي، أو أننا نعطيه أهمية ثانوية أو جانبية أو مهملة. هذا غير صحيح على الإطلاق. فنحن، لو اقتنعنا للحظةٍ واحدة أن الفصل ممكن وصحيح بين الحقلين، لدعمنا الانغماس في الاقتصاد، بل ربما دعونا إلى تأجيل الإصلاح السياسي بالفعل.

لماذا؟ لأن اقتصادنا الوطني وحالتنا المعيشية معاً، في هاويةٍ مزرية، لا يجد التفاؤل فيها متنفّساً. . ومن ثمّ، تختنق السياسة أيضاً وتختفي من حياة الناس.

يمكن تجربة الحديث من جهات نظر متعددة إلى الاقتصاد. فلنختر – سلماً لاحرباً- الإشارة إلى الركود الاقتصادي، والبطالة والفقر. وكان يمكن الدخول طبعاً على الوضع من باب الفساد والاستبداد مثلاً، أو من باب الشمولية والتسلًط،، أو من مفهوم اقتصاد المزرعة والإقطاع والكوتا. إذا فعلنا، سوف يكون إقحاماً للسياسة من البداية

ارتبط النشاط الاقتصادي في النصف الأول من الزمن الذي يفصلنا عن عام 1970 بالبركات التي حلتّ علينا من خلال حرب تشرين والتضامن العربي والحرب الباردة. ثمّ ابتدأ تخامد هذا النشاط وتطوّر الركود بعد العام 1985. لم يبق بعدها من الاستثمار إلاّ ما يرتبط بالفرص الحكومية، كالخدمات والنفط والتهريب والتهرّب والسيارات والتصدير الوهمي.. وما في حكمها.

أصبحت هذه الفرص بؤرة النشاط "الاقتصادي" بدلاً من النشاط الاقتصادي الحقيقي الذي ازداد غرقه – من ثمّ – في حالة التعويق والشلل.

واستغلّ نهّازو هذه الفرص بخاصةٍ فترة الانتقال المتردّد التي يمرُّ بها الاقتصاد، ما بين المرحلة السابقة المتصّفة بالتخطيط المركزي والتدخّل الحكومي الزائد، إلى اقتصاد السوق. والسمة الرئيسة لمرحلة الانتقال هنا هي الفوضى والتجريب والارتجال، الأمر الذي يحرص الكثيرون على استغلاله وإطالة أمده.

على الرغم من الدور الذي تلعبه هذه الفوضى في الركود الاقتصادي، إلاّ أن التحليل العلمي (الذي لا يأبه دائماً بالأفكار التي يراها شاذّة، فيغمض العين عن بعض الحقيقة) وأهله يركّزان على كون تراجع الاستثمار هو السبب الأساسي للركود الاقتصادي. ويترافق ضعف الطلب على السلع والخدمات مع هذا التراجع في توليد حالة الركود، وأيضاً تدهور الأجور وضعف العمالة.

من هذا المنظور، يشكّل تحفيز الاستثمار العلاج الطبيعي لحالة الركود، إضافة إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات. ولكنّ الاستثمار يتوقّف أمام حاجز التمويل، الذي لا يتوفّر لا من الداخل بسبب فقر الفقراء وإخراج "الأغنياء" لأموالهم خارج البلاد، ولا من الخارج الذي لن يقوم بالتمويل وأهل البلاد يخرجون بأموالهم منها. كما أن زيادة الطلب لا يُمكن تحقيقها من دون زيادة الرواتب والأجور زيادةً نوعية لتحسين قدرتهم الشرائية، ومن دون تحسين جودة المنتج المحلي، وما يرتبط بهذين العاملين من أمور ذات علاقة بالبنية التي ما زال النظام محافظاً عليها.

أغنياء الداخل لا يستثمرون، وأغنياء الخارج يلحقون بهم، والحكومة أيضاً عاجزة عن الاستثمار. حيث لا يُمكن في الظروف الراهنة توفير فائض اقتصادي احتمالي، من خلال تغيير السياسة الضريبية أو تقليص الهدر والضياع في الإنفاق الحكومي. وعموماً لا يُمكن رفع الكفاية الحدية لرأس المال المستثمر بحيث تتجاوز ما تُتيحه الفائدة المصرفية المرتفعة، بخاصة عندما يرفع الفساد والجهل والبلطجة، وتعدد الحلقات الوسيطة بين المنتج و المستهلك، تكاليف الإنتاج ليفقد المُنتَج أية قدرة على المنافسة بالجودة والسعر.

السياسة النقدية والمصرفية نفسها لا تُتيح للركود أن يتناقص، وهي بذاتها اعتمدت على سياسة "راكدة" على طريقة محاسب الدكّان  في سوق الهال الذي رأى ثبات السعر باباً لاعتراف الجميع بريادته، واستطاعت تثبيت سعر الليرة السورية لسنوات وسنوات كانت جميعها عجافاً، في حين لا يرى الاقتصاديون في ذلك إلا جزءاً من السياسة النقدية والمصرفية الواجبة،  خصوصاً عندما يتراجع التصدير وتتوقف عجلة الاقتصاد الوطني.

من الطريف أن النظام النقدي والمالي السوري اعتمد رسمياً ولسنوات على سوقين: أولاهما رسمية تؤمن الدولة ضمنها العملات الصعبة لشركاتها ومؤسساتها، وثانيتهما "السوق السوداء وفيها يتم عرض العملات الصعبة والطلب عليها من قبل القطاع الخاص والعرض في هذه السوق أقل من الطلب أي يوجد عجز وتقوم الدولة عبر إجراءات غير معلنة بمبادلة (بيع) فائض العملات الصعبة لديها (أساساً بالدولار) بفائض أي (بشراء) الليرات السورية في السوق السوداء لتحقيق هذا الاستقرار الذي نراه في سعر صرف الليرة تجاه الدولار." – تشرين 5/5/2002- (هل يذكّر هذا بطريقة الحفاظ على الاستقرار السياسي الشهير؟!)

ولكن، لابدَّ من الاعتراف أن هنالك خطواتٍ تحاول الوصول إلى الطريق الصحيح، ومنها إصدار قانون النقد والتسليف الذي لم ينجُ من الثغرات التي تتركه فريسةً في يد مجموعات التسلّط والعرقلة البيروقراطية المشبوهة، بعد تأخّر في صدوره أخّر بدوره تسريع تأسيس المصارف الخاصة وسوق الأوراق المالية. فعلى الرغم من تحفّظ الكثيرين على صيغة ومحتوى القوانين التي صدرت، بقي السؤال الشائع يتشكّك بأن شيئاً سوف يتحرّك إلى أمام، قبل خراب البصرة واستفحال أزمة الاقتصاد وعجز المواطن عن تأمين العيش الكريم.

يبدو كأنّ لا أحد يسمع ذلك المواطن البسيط الذي لا يفهم في معادلات العلوم الاقتصادية وهو يردّد ويُردّد أن لا أحد سوف يستثمر لا من الداخل ولا من الخارج في ظلّ غياب سيادة القانون وتسلّط حالة الطوارئ وأجهزتها المتوالدة ومحاكم الأمن الاقتصادي الاستثنائية والقوانين المرافقة ومنها القانون 24 الذي أصبح عجيباً غريباً ببقائه، وفي ظلّ هيمنة الفساد من المرافئ إلى الجمارك إلى الإدارات المختصة، بالتحالف مع الجهل المهيمن بقوة الاستبداد و"الإقطاع" الذي لا مصلحة له لا في تطوير ولا تحديث.. فما أدراك بتغيير!!

هذا المواطن البسيط يرغب بتوسيع الاستثمار لحلّ مشاكله المباشرة. وهل هنالك أكثر مباشرةً من مشكلة البطالة؟!

إذا اعتمدنا على النظرية الكلاسيكية الحديثة فسبب البطالة هو رفض العاملين للعمل بأجور أدنى. وإذا رجعنا –للاطّلاع - عدة آلافٍ من السنين إلى وراء، إلى المجتمعات العبودية التي كان مالك العبيد فيها يزوّد العبد بما يُقيم أوده به ويعيده للعمل بطاقته المتجددة، لا يستقيم لدينا الأخذ بالنظرية الحديثة لتفسير البطالة في بلادنا. فالأجور المتداولة تؤمّن للمهتمّين بقاء نسبةٍ كبيرة من المواطنين تحت خطّ الفقر، أي ما يُعادل عودة العبد إلى عمله منقوص الطاقة في اليوم التالي. ولا يُمكن الحديث عن أجورٍ أكثر انخفاضاً مما هو متداول، إلا إذا فكّرنا –مثلاً- أنه يُمكن لأحدهم القبول بأجر شهري هو 1000 ليرة أو أقل.

ولكن النظرية الكلاسيكية لا تصلح أيضاً لتفسير بطالتنا، حيث تقول إن فيض الإنتاج وأزمة تصريفه يؤديان إلى الركود فالبطالة.

هنالك من يقول إن ارتفاع نسبة الدخل الريعي من مجمل الدخل تنتقص من التراكم الرأسمالي وتكون على حسابه، فيعمّ الركود وتستفحل البطالة. يُمكن إضافة أن البيروقراطية والتخلّف والشمولية والنزعة الأوامرية تنتقص جميعها من الإنتاجية ومن ثمَّ من التراكم الرأسمالي. (النقطة الأولى تُختصر في الحديث السياسي بكلمة الفساد، والثانية بكلمة الاستبداد، ولكن الحديث هنا حديث اقتصاد)

الدخل الريعي هو توسيع حديث لمفهوم يتعلّق بأنواع من الاقتصاد قديمة وشرقية، وهي تختصّ بالتصريف الاقتصادي لحقّ الملكية، العقارية خصوصاً. وقد قام بعض الباحثين، ومنهم عارف دليلة، بتوسيعه ليشمل الريع عن طريق امتلاك الأنواع المختلفة من السلطة.

 ويقول  د.دليلة أيضاً  إن ارتفاع نسبة هذا النوع من الدخول "ينعكس سلباً على قدرة هذه الدولة أو المجتمع أو الاقتصاد على النموّ والتقدّم، بل ويُضفي صفاتٍ سلبية على الحياة العامة مثل تقوية عوامل الانحلال والتفسّخ، وقتل الصفات الإيجابية الخلاّقة"

وهنا سببٌ إضافي أيضاً مرتبطِ بانخفاض الإنتاجية ثمّ ضعف التراكم والركود، هو تدهور أخلاقيّات العمل إلى حدودٍ فظيعةٍ، برعاية الشمولية والحزب الحاكم والنقابات الفاسدة وهيمنة أجهزة الأمن وأشكال التفسّخ المختلفة. تظهر هذه الظاهرة خصوصاً في القطاع العام –وإن تجاوزته فيما بعد إلى غير مكان -? وتعزّز ما يُسمّى منذ زمن بالبطالة المقنّعة.

إن تطوّر العمل بالبرنامج الوطني لمكافحة البطالة وتخصيصه بميزانية يستطيع من خلالها تشجيع بعض المشاريع الفردية والصغيرة شيءٌ جيد، ولكن.."ليس ها هنا يحطّ الجمّال "

المسألة الأساسية ليست هكذا "مكافحة البطالة" وكأنّها ظاهرة مستقلّة ذات بداية ونهاية، بل هي التنمية عموماً، وتحفيز الاستثمار، وتحسين دخول الناس، ومواجهة ظاهرة الفقر بالإجراءات الكبيرة.

هل يُمكن هذا من دون قرارٍ سياسي، ومن النوع الكبير أيضاً؟!

ربّما تنطلق البداية المطلوبة في الصدق والمكاشفة، المفقودين كلّياً أو جزئياً حتى الآن، بتأثير سياسات النفاق والتغطية والتطبيل والتزمير. فلا المجموعة الإحصائية ولا خطط الشركات ومعدّلات التنفيذ ولا أرقام النموّ في الناتج المحلّي ولا نسبة الزيادة السكّانية ولا أرقام التضخّم السنوي ولا عدد العاطلين عن العمل.. متوفّرة بمعطيّات متطابقة أو صحيحة، ولا يُعطيها أحد، وربّما لا يعرفها أهلها أحياناً، وهم في استغراق وضياعٍ ما بين الفساد والجهل ولامبالاةٍ غريبةٍ حتى أمام الفضيحة.

يشتهي المرء أن يقول للمعنيين بالأمر: هل تراهنون على أنكم عاجزون عن الإصلاح الاقتصادي من دون الإصلاح السياسي؟ بل من دون التغيير السياسي، وخوض تجربة الانعطاف الحاسمة؟

ولكن الحذر والشفقة على البلاد ترجع به عن الرهان، حيث يكاد ينتهي كلُّ ما يمكن الرهان عليه.

 

الرأي - الحزب الشيوعي السوري  



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن