الأحزاب السياسية المغربية و القضايا العربية

رشيد لزرق
rachid.diplomatie@gmail.com

2009 / 10 / 18

الأحزاب السياسية والقضايا العربية
إن التطرق للفاعلين السياسيين المغاربة وتعاطيهم مع القضايا العربية يحيلنا لدراسة مواقف الأحزاب السياسية المغربية، على إعتبار أن هذه الأخيرة تشكل عاملا مهما في الحراك السياسي المغربي، الأمر الذي يستدعي منا إعطاء تعريف للحزب السياسي، و رصد موقع الأحزاب السياسية في النظام السياسي المغربي لكي يتسنى لنا تقييم انشغالها بالقضايا العربية.
عرف "أندري هوريو" André Hernio "وبورك" Burk الحزب السياسي بكونه " تنظيم دائم متحرك على المستوى الوطني والمحلي من أجل الحصول على الدعم الشعبي. ويهدف إلى الوصول لممارسة السلطة بغية تحقيق سياسة معينة، " أما بورك Burk فعرف الحزب السياسي بأنه "مجموعة مُعينة من الناس اجتمعت من أجل العمل المشترك لتحقيق مصلحة الوطن عن طريق تحقيق الأهداف والمبادئ التي يعتنقونها".
إن التطرق للأحزاب السياسية المغربية، يستوجب الإشارة إلى أن الأحزاب المغربية لم تنشأ انطلاقا من التجربة الديمقراطية والتداول على السلطة بل ارتبطت ولادتها بالصراع ضد الاستعمار، وهذه الميزة تشترك فيها الأحزاب المغربية مع الأحزاب السياسية في العالم الثالث وباقي دول العالم العربي؛ إلا أن التجربة المغربية عرفت مسارا مخالفا للمسار الذي سارت فيه العديد من الدول العربية، التي إنقلبت على النظام الوراثي وفرضت نظام الحزب الوحيد.
فظروف ولادة الأحزاب السياسية المغربية ومسارها إنعكس على تحديد نوعية تعاطيها مع القضايا العربية، وكذلك أثر في تموقعها داخل النظام الدستوري المغربي.


1- موقع الأحزاب في النظام السياسي المغربي
الحزب السياسي كمؤسسة اجتماعية-سياسية يرتبط وجوده إرتباطا وثيقا بالدولة والسلطة والصراع حولهما، اليوم لا يمكن الحديث عن السياسة والنظم السياسية دون التطرق إلى ظاهرة الأحزاب السياسية، فهذه الأخيرة باتت مكونا رئيسيا في الحياة السياسية.
كما هو الحال في العديد من دول العالم الثالث نشأت الظاهرة الحزبية بالمغرب في خضم الصراع ضد الاستعمار حيث أن ممارسة الإستعمار وخصوصا منذ الظهير البربري 16ماي1930، أثار حفيظة الشعب المغربي، ومنح حركية سياسية قادتها النخب السياسية، وقد تمخضت عن هذه الحركية السياسية تشكل أول حزب سياسي هو كتلة العمل الوطني. لم يكن مهيكلا، أو مضبوطا بأي قانون تنظيمي أو بقائد محدد. •
ومع إستمرار النضال ضد سلطات الحماية استطاعت النُخب المغربية أن تكون تراكما مهما فظهرت نتيجة ذلك العديد من الأحزاب كالحزب الشيوعي المغربي في يوليوز1943 حزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة الوطنية في الشمال تم حزب الإستقلال وحزب الشورى والاستقلال والحزب الديمقراطي المغربي والحزب الشعب المغربي وحزب المغرب الحر...
بدخول المغرب عهد الإستقلال تحول نشاط الأحزاب من النضال التحرري من أجل الإستقلال إلى النضال السياسي لتدعيم أركان الدولة وإقامة دولة المؤسسات العصرية، إلا أن بواكر سنوات الاستقلال 1956-1959 أظهرت رغبة حزب الإستقلال لوضع حد للتعددية الحزبية التي شهدها المغرب في فترة ما قبل الإستقلال وبتكريس نظام الحزب الوحيد هذا التوجه إصطدم بمعارضة باقي الأحزاب الأخرى وأثار تخوفات القصر الذي فضل التعددية الحزبية باعتباره النظام الأنسب لملكية دستورية و صدر العهد الملكي في خطاب الملك محمد الخامس للأمة في 08 ماي 1958 فكرس هذا العهد خيار التعددية الحزبية في ظل ملكية دستورية تم إصدار ظهير الحريات العامة في 15 نونبر1958 ليصب في نفس الاتجاه. فتمت التأكيد على التعددية الحزبية منذ أول تجربة دستورية لسنة 1962• حيث نص الفصل الثالث من الدستور:
" الأحزاب السياسية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم ونظام الحزب الوحيد ممنوع في المغرب."
غير أن الملاحظ هو أن المشرع الدستوري إن حرص على تكريس نظام التعددية الحزبية فإنه لم يشر إلى وظيفة الأحزاب السياسية المتمثلة في التكوين السياسي والإيديولوجي للمواطن، ولا للأدوار التي يمكن أن تلعبها الأحزاب السياسية في المؤسسة التشريعية والحكومية، إذ اكتفى فقط بالإشارة إلى دوران متمثلان في التنظيم والتمثيل.
ومن خلال تصفح الدساتير المغربية لسنة 1962- 1970- 1972- 1992- 1996. يتبين لنا أن المشرع الدستوري لم يتجه لتدارك هذا النقص، بل ادخال قيود على العمل الحزبي، خصوصا في دستوري 1970- 1972. حيث أصبح الفصل الثالث من الدستور ينص:
"الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمجالس الجماعية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم. ونظام الحزب الوحيد نظام غير مشروع.
فتمثيل وتنظيم المواطنين لم يعد محصورا في الأحزاب السياسية بل صارت تتقاسم معه تنظيمات أخرى، كالنقابات والمجالس الجماعية والغرف المهنية. ولم تعنى التعديلات الدستورية لسنة- 1992 لإدخال إصلاحات تهم النشاط الحزبي، باستثناء استبدال المجالس الجماعية بالجماعات المحلية. واستقر الفصل الثالث من دستور 1996 على الصياغة الآتية:
" الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين، ونظام الحزب الوحيد نظام غير مشروع."
وبذلك يكون النظام السياسي المغربي اتجه منذ أول دستور إلى تكريس التعددية الحزبية عبر تنصيصه على عدم قانونية تواجد الحزب الوحيد.• هذا الاتجاه يعطي الشرعية للتعددية الحزبية والتي تمكن التجمعات الحزبية في التعبير عن نفسها والدخول في منافسة مع بعضها البعض. غير أن الوثيقة الدستورية أقحمت مجموعة من التنظيمات تشارك الأحزاب في مهمتها رغم اختلاف طبيعتها وأهدافها.•
هذا الوضع جعل "محمد شقبرة" يذهب إلى القول:
" إن الجمع بين الأحزاب والنقابات يجعل هاتين المؤسستين لا تباشران مهامها المعروفة بل يقتصر دورهما على نفس الدور التي قد تلعبه مجموعات الضغط".
أما "جون واتربوري" فقد أرجع ذلك إلى:
"خصوصية النظام السياسي المغربي الذي يجعل الملك في صدارة النظام السياسي، بحيث أن مهام الملك مستمدة من الدور الذي كان يلعبه السلطان الشريف في المغرب الذي كان يسعى دائما لتجاوز كل المؤسسات ويقدم السلطان كالمؤسسة الوحيدة القارة والدائمة...".
إن دور الأحزاب السياسية في النظام السياسي هو جدال تزامن مع إستقلال المغرب بين الملكية وحزب الاستقلال، حيث برز صراع حول تدبير الحكم استطاعت الملكية في هذا الصراع فرض نفسها كمحرك أساسي في النظام السياسي المغربي الأمر الذي قضى على كل طموحات الأحزاب السياسية في احتكار السلطة، وبقى دورها مقتصرا على خدمة السلطة المتواجدة بيد المؤسسة الملكية.
هذا ما أستحضره المشرع الدستوري، بجعل نشاط الأحزاب يُمَارس على نطاق ضيق ويهم بالأساس المشاركة في ممارسة السلطة والبحث عن وظائف داخلها، وليس في الوصول إلي السلطة.
وبذلك فإن موقع الأحزاب في النظام الدستوري المغربي كان إنعكس على مهامها في إعداد وتنفيذ السياسة الخارجية المغربية، فإذا ما استثنينا تجربة حكومة عبد الله إبراهيم –التي ساهمت فيها الأحزاب سياسية في بلورة السياسة الخارجية للمغرب.
نجد أن دور الأحزاب السياسية بقي في وضٍع لا يرقى إلى مستوى فرض توجهاتها فيما يهم السياسة الخارجية. إذ لا تجد المبادرات الحكومية صعوبة في الحصول على موافقة البرلمان. وقد تكرس هذا الأمر منذ أول تجربة برلمانية، فبعد قيام "أحمد رضى أكديرة" بإنشاء جبهة الدفاع عن المؤسسات، وفي التجربة البرلمانية الثالثة، قام "أحمد عصمان" بإنشاء التجمع الوطني للأحرار أو في التجربة الرابعة قيام "المعطي بوعبيد" بإنشاء حزب الإتحاد الدستوري.الأمر الذي جعل الأحزاب السياسية في المغرب تظهر وكأنها–كما وصفها الأستاذ محمد معتصم-:"بالنوادي السياسية أو وداديات للبرلمانيين الموالين للحكم أكثر منها أحزابا سياسية".
فظروف نشأتها وطبيعة تكوينها السياسي والإيديولوجي جعل وظيفتها الأساسية تنحصر في الدفاع عن الاختيارات الرسمية في البرلمان.
إن التعددية الحزبية مكنت السلطة من التحكم في المشهد السياسي، وذلك يرجع إلى عدم استطاعة أي حزب الحصول على أغلبية تمثيلية داخل البرلمان، تمكنه من تكوين حكومة متجانسة. الأمر الذي يحتم على أي حزب البحث عن إيجاد تحالفات، و التي لا تتم إلا عبر المؤسسة الملكية و بإيعاز منها.
هذا الوضع جعل الأحزاب التي تشارك في الحكومة "تسلم بإنفراد المؤسسة الملكية في رسم السياسة الخارجية وتحديد نطاقها وقواعد انشغالها." وإن كانت قضية الصحراء سمحت للأحزاب السياسية بأن تلعب بعض الأدوار المباشرة في الشؤون الخارجية إلا أن هذه الأدوار لا تعني المشاركة الفعلية في تدبير الملفات الخارجية بل إن أدوار الأحزاب تظل مقتصرة فقط على مباركة خطوات الملك، فمشاركة الأحزاب السياسية في الممارسة المغربية يقتصر فقط على صياغة الاختيارات الملائمة وتحقيق إجماع وراء الملك وعلى سياسته وليس إجماعا مع الملك.
ولقد ظهر هذا الوضع جليا عقب توقيع الملك الحسن الثاني على توصية نيروبي الثانية التي ذهبت إلى ضرورة إجراء استفتاء في الصحراء.
هذا الطرح خالفه حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وكان رد السلطة حينها قويا. عبر القيام بإعتقال ومحاكمة الكاتب الأول للإتحاد الاشتراكي "عبد الرحيم بوعبيد" وبعض أعضاء المكتب السياسي للحزب.
كما أن نصوص الدستور والممارسة العملية، جعلت الأحزاب مبعدة عن تدبير وإدارة الشؤون الخارجية، و يظهر ذلك من خلال الشخصيات الحزبية القليلة التي عينها الملك في المهام الدبلوماسية.
الأمر الذي جعل الأحزاب السياسية تعمل على توظيف القضايا العربية التي تحضا باهتمام بالغ للمواطنين المغاربة كي تعبر عن تواجدها ورغبتها في الاشتراك في تدبير القضايا الخارجية.

2- القضايا العربية في اهتمامات الأحزاب السياسية
مارست الأحزاب السياسية خلال الفترة الممتدة 1956-1960 تأثيرا قويا في توجيه السياسة الخارجية المغربية للإهتمام بالقضايا العربية.
وذلك راجع إلى تقلد أحزاب الحركة الوطنية مناصب هامة في وزارة الشؤون الخارجية بحكم مشاركة حزب الاستقلال وبعده الإتحاد الوطني للقوات الشعبية في الحكومة حيث توليا تدبير الأمور الخارجية سواء على مستوى الوزارة المعنية أو من داخل المجلس الاستشاري.
ف"أحمد بلفريج" يُعد أول زعيم وطني تقلد منصب وزارة الخارجية، والذي كان في نفس الوقت أمينا عاما لحزب الاستقلال، وإليه أُوكِلت مهمة إنشاء وتنظيم وزارة الشؤون الخارجية. كما أن الحكومتين اللتان عرفهما المغرب خلال هذه الفترة – باستثناء حكومة البكاي التي عينت قبل إنشاء وزارة الشؤون الخارجية- كانا من داخل الأحزاب السياسية سواء أحمد بلفريج أو عبد الله إبراهيم، وكلاهما شغلا منصب وزير الشؤون الخارجية.
هذا الوضع قد أتاح الفرصة للأحزاب السياسية لبلورة سياسة خارجية انطلاقا من أدبياتها والتي إرتكزت على تقوية التضامن العربي، حيث أبدى الساسة المغاربة إنشغالا بقضية حرب التحرير الجزائرية وتم التنديد بالعدوان الفرنسي-البريطاني التي تعرضت له مصر في السويس.
شهدت فترة ما بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم تراجعا لنفوذ الأحزاب السياسية في بلورة السياسة الرسمية، حيث تكلف الملك بصياغتها، عبر تعيينه لشخصيات خارج المشهد الحزبي لتسيير شؤون الدولة الخارجية وعرفت هذه الفترة البدايات الأولى لاحتكار المؤسسة لتدبير السياسة الخارجية، خاصة بعد إعلان حالة الاستثناء سنة 1965 عقب اضطرابات الدار البيضاء.
في المقابل شهدت الأحزاب المغربية ارتفاع ظاهرة الانشقاق الحزبي بسبب بروز أزمات داخلية لم تتمكن الأحزاب المغربية من تدبيرها بالطرق الديمقراطية "إذ فقد حزب الاستقلال حوالي 150 ألف مناضل. في حين انعكس اختيار الإتحاد الوطني للقوات الشعبية المواجهة مع النظام، على بروز انشقاقات داخله تجسد الانشقاق الأول سنة 1965-1970 بمغادرة مجموعة من المناضلين القاعديين الذين كانوا ينتقدون المكتب السياسي لتعاونه مع حزب الاستقلال لتأسيسه ما سمي بالكتلة الوطنية، والثاني سنة 1972 بعد انشقاق القسم الرباطي إثر اختلاف حول طبيعة العلاقات الواجب ربطها مع النقابة، وهي المجموعة التي شكلت الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1974" .
وقد أدت الخلافات بين عبد الكريم الخطيب والمحجوب أحرضان إلى مغادرة الأول لحزب الحركة الشعبية سنة 1967، ليؤسس الحركة الدستورية الديمقراطية.
إن هذه الأوضاع جعلت مشاركة الأحزاب السياسية في صياغة السياسة الخارجية المغربية تتم من خارج القنوات الرسمية. عبر الإكتفاء بانتقاد الاتجاه الرسمي خاصة في القضايا العربية التي تثير الرأي العام المغربي، ولقد ارتكزت الانتقادات على قضيتين اثنتين:
- قضية الوحدة الترابية.
- القضايا العربية.
إذ أن هناك سهولة في ترسيخ هذه المواضيع لدى الرأي العام المغربي،مما جعل الأحزاب تعمل على توظيفها للتعبير عن انتقادها للنظام، قصد إثبات تواجدها ولإيقاف تهميشها وإبعادها عن قواعدها، ف"المهدي بن بركة" جعل من أبرز انتقاداته للنظام طبيعة تعاطيه مع القضايا العربية، بقوله:
"...إن السياسة الرسمية، لم تكن تعير أدنى اهتمام لنضال إخواننا في المشرق العربي، وتجاوزت حدود الخطأ، حتى كاد الرأي العام عندنا يعتبرها بمثابة تواطؤ إجرامي، مما دفع تيارا مهما في صفوف حركتنا الوطنية، وحتى قبل تأسيس الإتحاد الوطني للقوات الشعبية للسعي في ربط علاقات منتظمة مع المنظمات العربية التقدمية المعادية للإستعمار. وقد بدأ القصر يحس ابتداء من سنة 1959 بضرورة اتخاذ سياسة التقرب من المشرق العربي لحسابه الخاص...."
أما "المحجوب بن الصديق" الأمين العام للإتحاد المغربي للشغل والعضو في الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، فقد وظف قضية الصراع العربي الإسرائيلي لانتقاد النظام وذلك عبر بعثه لبرقية للديوان الملكي بتاريخ 6 يوليوز 1967 يفضح فيها ما سماه "الوجود الساحق للإمبريالية وسيطرة الصهيونية على المراكز الحساسة في جهاز الدولة" .
غير أن الملاحظ هو أن اتجاه الأحزاب السياسية المعارضة لم يكن يسير في اتجاه الرغبة في إقصاء المؤسسة الملكية من تدبير الملفات السياسية الخارجية بل كانت مواقفها هاته، تعبر عن رغبتها للاشتراك في تدبير السلطة.
فحزب الاستقلال• رغم مشاركته من خارج القنوات الرسمية خلال فترة 1965-1969 في تدبير بعض الملفات تهم السياسة العربية والإسلامية والمواقف الرسمية اتجاه الصراع العربي الإسرائيلي وتمديده بتمتين العلاقات بين المجموعة الأوربية والمغرب سنة 1969، في وقت كان يشارك في تنفيذ السياسة العربية الإسلامية، من خلال زعيمه علال الفاسي، الذي كان المسؤول الحزبي الوحيد الذي شارك في لجنة الحدود التي أنشأت لإعداد الملف الذي قدمه المغرب والتي تكلفت بدراسة النزاع الحدودي المغربي-الجزائري، حيث تولى علال الفاسي في نفس الوقت مهمة حشد تأييد الدول العربية لعقد قمة إسلامية، حيث رافق الملك الحسن الثاني خلال جولته الشرق أوسطية.
وكان طرح الملك الحسن الثاني لقضية الصحراء، مناسبة لإشراك الأحزاب السياسية المعارضة، ومؤشرا لحدوت بحصول انفراج سياسي.
وكمظهر على هذا الإنفراج تم تسوية ملفات حزب التقدم والاشتراكية في غشت 1974، وتأسيس الجناح المنشق عن الإتحاد الوطني للقوات الشعبية حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في شتنبر من نفس السنة.
إن عودة هاته الأحزاب ساهم في بروز حراك سياسي داخل النسق السياسي المغربي والذي انعكس على طبيعة تعاطي المغرب مع القضايا العربية.وتجلى ذلك بوضوح بتراجع السياسة الرسمية التي سبق وأن رحبت بالحوار المصري-الإسرائيلي فمواقف الأحزاب المعارضة لعقد اتفاقية كامب ديفيد، وقيام أنور السادات بزيارة إسرائيل، أثر على التوجه الرسمي الذي تراجع عن مواقفه. غير أن تأثير الأحزاب السياسية على السياسة الرسمية سوف يعرف تراجعا بعد إعلان الملك الحسن الثاني في مؤتمر القمة الإفريقية الثامنة عشر عن قبول المغرب تنظيم استفتاء في الصحراء، هذا الإعلان رفضه حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مبررا رفضه بضرورة استفتاء الشعب المغربي قبل الإعلان عن إجراء الإستفتاء.
أسفر عن موقف الإتحاد الاشتراكي، اعتقال كاتبه الأول وبعض أعضاء مكتبه السياسي ومحاكمتهم .
إن موقف السلطة هذا جعل أحزاب المعارضة تتخلى تدريجيا عن أسلوب المعارضة المنهجية. لكن ذلك لم يمنع الأحزاب المعارضة من الترحيب باتجاه المغرب إلى تحقيق إتحاد مع الجماهيرية الليبية. فقد أبدى حزب الاستقلال تأييدا كبيرا، حيث صرح أمينه العام إمحمد بوستة بأن "....الاتفاقية عمل مهم، سيكون لها أثر كبير في تطوير العلاقات ليس فقط على صعيد المغرب العربي، وربما أكثر على الصعيد العربي بصفة عامة..." . وتولى قيادي حزب الاستقلال قيادة حملة في جميع أنحاء المملكة بغية حث المغاربة للتصويت لصالح اتفاقية الإتحاد العربي الإفريقي. وسار حزب الإتحاد الاشتراكي في نفس المنحى، إذ أبدى ترحيبه بالإتحاد المغربي الليبي.
غير أن زيارة "شمعون بيريز" رئيس الوزراء للمغرب ولقائه العلني مع الملك الحسن الثاني في 21-22 يوليوز بمدينة إفران والذي عرف رد فعل الأحزاب السياسية المعارضة حيث أصدر حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بلاغا لمكتبه السياسي عبر فيه بصيغ عامة عن اندهاشه . فيما فضلت باقي أحزاب المعارضة التعبير عن رفضها للقاء من خلال صحافتها أو بعض تصريحات مسؤوليها. الأمر الذي يستنتج معه أن مواقف أحزاب المعارضة باتت تتسم بالاعتدال و البرغماتية.
فتبان مواقف الأحزاب المعارضة شكل دعامة للسياسة المغربية حيت وظفه الملك الحسن الثاني، عبر تكليف الكاتب الأول للإتحاد الاشتراكي "عبد الرحيم بوعبيد" من أجل شرح وجهة نظر السياسة الرسمية وأهداف اللقاء برئيس الوزراء الإسرائيلي لدول العربية التقدمية. ولقد شكل غزو العراق للكويت مثالا آخر على تباين وجهات النظر بين السياسة الرسمية والأحزاب السياسية المعارضة.
ففي الوقت الذي أعلن فيه خبر اجتياح القوات العراقية للكويت، اجتمع المجلس الحكومي برئاسة الملك وأدان الغزو العسكري العراقي للكويت.
لقي الموقف الرسمي تأييدا من أهم حزبين يشكلان الأغلبية وهما:
الإتحاد الدستوري والتجمع الوطني للأحرار، اللذان بررا في مواقفهما بضرورة انسحاب العراق من الكويت، وعودة الشرعية التي تجسدها عائلة آل الصباح.فيما تباينت مواقف أحزاب المعارضة .
حيث ذهب موقف حزب التقدم والاشتراكية في نفس الطرح الذي ذهبت فيه أحزاب الأغلبية. من خلال إصدار ديوانه السياسي في الساعات الأولى من 2 شتنبر 1990 بإصدار بيان عبر فيه عن "إدانته لغزو العراق للكويت مطالبا بضرورة الانسحاب الفوري للقوات العراقية وإيقاف المعارك بين الأشقاء". فيما اتخذت باقي أحزاب المعارضة موقفا معارضا للتدخل الأجنبي ضد العراق. مع وجود تمايز بينها في مقاربة الأزمة.
إذ ذهب كل من حزب الاستقلال والإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والإتحاد الوطني للقوات الشعبية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي في اتجاه معارضة التدخل الأجنبي ضد العراق. لكن سرعان ما انضم حزب التقدم والاشتراكية إلى ركب المعارضة عقب إقامة الحصار على العراق بعد انسحابه من الكويت.
فتم تأسيس "اللجنة الوطنية للتضامن مع الشعب العراقي" ضمت ممثلي الأحزاب والنقابات التابعة للأحزاب المعارضة. بيد أن نشاط اللجنة ظل محدودا ولم يصل إلى نتائج هامة تسير في اتجاه التأثير على السلطة لرفع الحظر من جانب المغرب على العراق. وذلك" بسبب احتكار ضبط المجال المدني، وطبيعة تكوين اللجنة الذي حال دون إشراك جميع مكونات المجتمع".
وعلى أية حال تبقى مظاهرة التضامن الضخمة التي نظمت في الرباط 3 فبراير1991 من أهم منجزات التيار المساند للعراق.
وقد عرف المغرب خلال سنة 1998 منعطفا جديدا للحريات العامة بعد وصول أحزاب المعارضة السابقة إلى تدبير السلطة عقب تعيين حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي. ولقد أتجه عبد الرحمان اليوسفي إلى توظيف علاقات واتصالات حزبية سبق وأن ربطتها أحزاب المعارضة المغربية مع العديد من الأحزاب في البلدان العربية التي تعترف بالتعددية الحزبية، وعلاقاتها مع بعض الأنظمة العربية من الدفاع عن المواقف الرسمية. لاسيما فيما يتعلق بقضية الصحراء.
هذا الأمر جعلنا نستنتج أن الأحزاب السياسية فقدت تأثيرها في ملف الوحدة الترابية، منذ اعتقال ومحاكمة "عبد الرحيم بوعبيد" وبعض أعضاء المكتب السياسي لحزب الإتحاد الإشتراكي، حيث ظلت مواقف الأحزاب المغربية سجينة فلسفة المؤسسة الملكية في مجال السياسة الخارجية، وباتت الأحزاب السياسية تظهر كأدوات لتفسير وتنفيذ سياسة الملك في هذا المجال. بينما بقيت القضايا العربية تشكل لها متنفسا للتعبير عن تواجدها وتطلعها للاشتراك في السلطة.





https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن