على هامش زيارة الحج البابوي: البابا والمحاضرة تواضع عظيم ومثل يحتذى

الفرد عصفور
alfredasfour@yahoo.com

2009 / 5 / 9

مدخل:

باهتمام بالغ ينظرالاردنيون الى الزيارة البابوية الثالثة التي تكرس الاردن بوابة للاراضي المقدسة. وقداسة البابا بندكتوس موضع ترحيب اكيد من كل الاردنيين وان كان لدى بعضهم تحفظات ازاء موقف ما صدر عن قداسته قبل ثلاثة اعوام.

مع مجىء البابا بندكتوس الى الاردن في حج بابوي الى الاراضي المقدسة تعالت بعض الاصوات المطالبة بموقف معين من البابا ومن الفاتيكان. بعض تلك المطالبات تتعلق بالعلاقات مع اسرائيل والموقف منها وبعضها يتعلق بذيول المحاضرة التي القاها البابا في المانيا عام الفين وستة وراى فيها البعض ملاحظات مسيئة للاسلام. قد يرى البعض ان الوقت غير مناسب للحديث عن هذا الموضوع ولكن لا باس من التذكير.

فيما يتعلق بالعلاقات مع اسرائيل والموقف من الاجراءات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية، ربما يغيب عن البعض ان ما صدر عن الفاتيكان (الذي لا يملك جيوشا ولا يصوت في مجلس الامن) وكذلك عن قداسة البابا الراحل يوحنا بولص الثاني وايضا البابا الحالي من شجب وتنديد وادانة للتصرفات والاجراءات الاسرائيلية ربما فاق في قيمته الادبية ما صدر عن قادة ومسؤولين عرب. كما ان اعتراف الفاتيكان باسرائيل واقامة علاقات دبلوماسية معها لم يحدث الا بعد ان قامت منظمة التحرير الفلسطينية ودول عربية اخرى باقامة مثل تلك العلاقات مع اسرائيل. ولذا فان اي مزايدة على موقف البابا من القضية الفلسطينية هي مزايدة في غير مكانها.

اما الموضوع الثاني الذي ينتقده البعض وهو ما يتعلق بالمحاضرة التي اثارت جدلا واسعا، فان موضوعها كان علميا فلسفيا لاهوتيا ولم يكن تاريخيا ولا سياسيا. ومع ذلك فان البابا بعدما راى الزوبعة التي اثارتها المحاضرة، اعاد التقييم وعدل في نصها ونقحها ونشرت على الموقع الرسمي للفاتيكان بالنص الجديد المعتمد.

ما قام به البابا بندكتوس من تنقيح لمحاضرته في النص المنشور على موقع الفاتيكان يعني أن هذا النص سيكون النص الرسمي المعتمد للحكم على هذا البابا في مواقفه.
هذا التنقيح المعلن يعد تواضعا عظيما بل أعظم تواضع يمكن أن يتصف به إنسان. ماذا قال البابا في الإضافة على محاضرته؟ الاضافة كانت عظيمة وبليغة وذات مغزى. لقد وصف ما قاله الإمبراطور البيزنطي (في الحوار المقتبس في المحاضرة) بشان الاسلام بأنه فظ وغير مقبول. وهذه الإضافة في الحقيقة أعظم بكثير من مجرد اعتذار يمكن أن يتفوه به لسان أو يصدر في بيان مكتوب. الإضافة قصيرة في كلماتها لكنها كبيرة في معناها. وهذه هي الاضافة: "إن الإمبراطور باليولوغوس خاطب محاوره بشكل فظ مروع وهي فظاظة وجدناها غير مقبولة وذلك حول مسألة العلاقة بين الدين والعنف بشكل عام .

وفي هامش إضافي قال البابا: تم التعامل للأسف مع هذه المسألة في العالم الإسلامي باعتبارها تعبيرا عن موقفي الشخصي وهو ما أثار سخطا غير مفهوم. آمل أن يكون بوسع قارئ محاضرتي أن يرى بشكل فوري أن هذه العبارة لا تعبر عن رؤيتي الشخصية للقرآن الذي أكن له الاحترام باعتباره كتابا مقدسا لدين عظيم .

كيف يمكن أن يكون هذا التعديل درسا في التواضع والتراجع عن الخطأ يتعلم منه بعض الكتاب والمفكرين وخصوصا أولئك الذين يتصدون للخوض في الأديان والحضارات والثقافات؟

قد توصف بأنها حكمة بأثر رجعي. قد توصف بأنها غير صادقة. قد توصف بأنها مجرد محاولة لتفادي مزيد من الغضب الإسلامي. لكنها خطوة حكيمة بالفعل تنم عن عظمة حقيقية يتصف بها هذا البابا الفيلسوف الذي يؤمن بضرورة الانسجام بين العقل والايمان.

وهذا التعديل على النص الاصلي للمحاضرة لم يتاخر كثيرا. فقد تم قبل مرور اقل من شهر على المحاضرة وبمجرد ان كانت تجهز للنشر على الموقع الرسمي للفاتيكان.

على أي حال، هذا التغيير من قبل البابا على محاضرته في نصها الرسمي المعتمد يقود للحديث عن رد الفعل الذي واجهته المحاضرة وهي اصلا محاضرة علمية عن علاقة الايمان بالعقل والمنطق... فهؤلاء الذين ثاروا احتجاجا على اقتباس لا يقدم ولا يؤخر لم يقتربوا ولو مرة من جوهر المحاضرة. وجوهرها كان أن العنف لا يتسق مع مفهوم الألوهية سواء في المسيحية أو الإسلام. وهذا ما قاله البابا في محاضرته وان لم يذكر الإسلام أو المسيحية بالحرف لكنه أشار ضمنا إلى أن الدين عموما لا يمكن أن يقبل أن تكون القوة هي سبيل نشره وكاد أن يقول: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.


هامش:
المحاضرة بعد تنقيحها كما هي في موقع الفاتيكان ، التنقيح جاء في الفقرة الثالثة
http://www.vatican.va/holy_father/benedict_xvi/speeches/2006/september/documents/hf_ben-xvi_spe_20060912_university-regensburg_en.html

نص التعديل:
… he addresses his interlocutor with a startling brusqueness, a brusqueness that we find unacceptable…




https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن