العالم بدون الإسلام

الفرد عصفور
alfredasfour@yahoo.com

2008 / 1 / 22

العالم بدون الاسلام، مقالة بقلم غراهام فوللر،،النائب السابق لرئيس هيئة المخابرات الوطنية في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية
العالم بدون الاسلام: الموضوع الرئيسي في مجلة فورين بوليسي (السياسة الخارجية) الاميركية في عددها الاخير.
المقالة عبارة عن تمرين للخيال التاريخي كما يصفها كاتبها. وهي بالفعل تمرين مركب مليء بالفكر والمعرفة.
قد يراها البعض مفيدة.
ماذا لو لم يوجد دين الاسلام؟

بالنسبة للبعض فان في هذا تعزية فكرية.: لا صراع حضارات، لا حروب دينية، لا ارهابيين. هل كان يمكن للمسيحية ان تبسط هيمنتها على العالم؟ هل كان الشرق الاوسط واحة ديمقراطية؟ هل كان يمكن للحادي عشر من سبتمبر ان لا يقع؟ في الحقيقة، لو ازلنا الاسلام من مسيرة التاريخ فان العالم سيكون اليوم كما هوعليه الان.

غراهام فوللر هو المساعد السابق لرئيس هيئة المخابرات الوطنية في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية وهو مسؤول عن التقديرات الاستراتيجية بعيدة المدى، وهو الان بروفسور التاريخ في جامعة فريزر في فانكوفر. وهو مؤلف العديد من الكتب حول الشرق الا وسط بما فيها كتاب مستقبل الاسلام السياسي. (المنشور عام 2003 عن دار بالغريف ماكميلان، في نيويورك).

تخيل ، لو اردت، عالما بدون الاسلام. حالة اعترف انها تقريبا لا يمكن اخفاؤها تفرض مركزيتها في عناوين الاخبار اليومية. يبدو الاسلام وكأنه يقف وراء مجموعة كبيرة من الاضطرابات العالمية: الهجمات الانتحارية، السيارات المفخخة، الاحتلالات العسكرية، نضالات المقاومة، حوادث الشغب، الفتاوى، الجهاد، حرب العصابات، اشرطة الفيديو التهديدية، واعتداءات الحادي عشر من سبتمبر.

يبدو الاسلام وكانه يقدم لمسة تحليلية فورية وغير معقدة تتيح لنا الاحساس بعالم اليوم المتشنج.

بالتاكيد فانه بالنسبة لبعض المحافظين الجدد فان الفاشية الاسلامية هي الان عدونا في ما يبدو انه يلوح في الافق: الحرب العالمية الثالثة.

ولكن مهلا، تحملوني قليلا: ماذا لو لم يكن هناك شيء اسمه: الإسلام؟ ماذا لو لم يوجد نبي اسمه محمد؟ ولم توجد حكاية انتشار الاسلام عبر مناطق شاسعة من الشرق الاوسط واسيا وافريقيا؟

اذا اخذنا بعين الاعتبار تركيزنا الراهن على الارهاب، والحرب والهيجان المعادي لاميركا ـ وهي احدى اكثر القضايا العاطفية في العالم اليوم ـ فانه من المهم ان نفهم المصادر الحقيقية لهذه الازمات. هل الاسلام، في الحقيقة، هو مصدر المشكلة، او هل هو ميال لان يكون تحت مظلة عوامل اخرى اكثر عمقا ولكن اقل وضوحا؟

بغرض الجدال، وفي فعل تخيل تاريخي، تصوروا شرق اوسط لم يظهر فيه الاسلام. هل نكون حينها قد ارتحنا من التحديات الراهنة الماثلة امامنا؟ هل سيكون الشرق الاوسط اكثر سلاما؟ كيف ستكون هيئة العلاقات بين الشرق والغرب؟ بدون الاسلام ، هل من المؤكد ان النظام العالمي سيعطي صورة مختلفة عما هو عليه الان، ام ماذا؟

اذا لم يكن الاسلام فما هو

منذ بدايات الايام الاولى للشرق الاوسط الكبير، بدا الاسلام وكانه يشكل الاعراق الثقافية وحتى المرجعيات السياسية لاتباعه. فكيف يمكن حينئذ ان نفصل الاسلام عن الشرق الاوسط؟ وكما تبين فليس الامر صعب التخيل.

دعونا نبدأ بالاقليات العرقية. بدون الاسلام فان سطح الاقليم سيظل معقدا ومؤزما. فالاقليات العرقية المهيمنة في الشرق الاوسط ـ ـ العرب، الفرس، الترك، الكرد، اليهود وحتى البربر والبشتون ـ ـ سيظلون يهيمنون على السياسة. لناخذ الفرس مثلا: منذ زمن بعيد قبل الاسلام، اندفعت فالامبراطوريات الفارسية العظمى حتى ابواب اثينا وكانت خصما دائما لكل من سكن الاناضول. الشعوب السامية المتنافسة قاتلت الفرس عبر الهلال الخصيب وفي العراق. وهناك ايضا القوى القوية للقبائل العربية المختلفة والتجار الذين توسعوا وهاجروا الى مناطق سامية اخرى في الشرق الاوسط قبل الاسلام. المغول ايضا كانوا سيهاجمون الحضارات ويدمرونها في اسيا الوسطى وكثير من مناطق الشرق الاوسط في القرن الثالث عشر. الاتراك ايضا كانوا سيغزون الاناضول، والبلقان حتى فينا وكذلك معظم الشرق الشرق الاوسط. هذه الصراعات على السلطة والاراضي والنفوذ والتجارة وجدت منذ زمن طويل قبل وصول الاسلام.

ما يزال من الاستبداد الفكري استبعاد الدين كلية من المعادلة. في الحقيقة فان كان الاسلام لم يظهر، فان الشرق الاوسط كان سيظل في مجمله مسيحيا بمختلف طوائفه وفرقه، تماما كما كان منذ بداية الاسلام. وبعيدا عن بعض الزرادشتيين وبعض اعداد اليهود فلم تكن هناك أي ديانات رئيسية موجودة.

ولكن هل كان الانسجام مع الغرب سيسود لو بقي الشرق الاوسط كله مسيحيا؟ انه لامر بعيد المنال. كنا سنفترض ان العالم الاوروبي التوسعي والمتحفز في القرون الوسطى لم يبسط قوته وهيمنته على الشرق المجاور بحثا عن موطىء قدم من الناحيتين الاقتصادية والجيوبوليتيكية. وبعد كل هذا، ماذا كانت الحروب الصليبية ان لم تكن توسعا غربيا موجها اساسا بالحاجات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ان راية المسيحية لم تكن اكثر من مجرد رمز فاعل ، صرخة حماس، لمباركة تلك الحاجات العلمانية للاوروبيين الاقوياء ذوي النفوذ.

في الحقيقة فان ديانة سكان الشرق الاوسط لم تشكل رقما هاما في الاندفاعة الامبريالية للغرب عبر الكرة الارضية. ربما تحدثت اوروبا بصورة نهضوية بشان "جلب القيم المسيحية" للسكان الاصليين، لكن الهدف الاساسي كان انشاء ثغور استعمارية كمصادر ثروة للمدن الاوروبية وقواعد لمشروع بسط النفوذ الغربي.

وهكذا فمن غير المحتمل ان السكان المسيحيين في الشرق الاوسط كانوا سيرحبون بموجات الاساطيل الاوروبية وتجارهم المدعومين بالمدافع الغربية. كان يمكن للامبريالية ان تزدهر في الموزاييك الاثني المعقد للمنطقة ـ ـ وهو المادة الخام للعبة القديمة لسياسة فرق تسد. كما ان الاوروبيين كانوا سيواصلون فرض نفس الحكام المحليين الذين يسهل قيادهم من اجل تحقيق اهدافهم.

الان لنحرك ساعة الزمن باتجاه عصر البترول في الشرق الاوسط . هل كانت دول الشرق الاوسط حتى وان كانت مسيحية، سترحب بانشاء محميات اوروبية في منطقتهم؟ الامر صعب. فالغرب سيبقى راغبا في بناء نقاط لخنق المنطقة والسيطرة عليها مثل قناة السويس على سبيل المثال. فليس الاسلام هو الذي جعل دول الشرق الاوسط تقاوم بقوة المشروع الكولنيالي، الذي اعاد وبعنف رسم الحدود بما يتماشى مع الرغبات الجيوبوليتيكية الاوروبية. كما ان ترحيب دول الشرق الاوسط المسيحية بشركات النفط الامبريالية الغربية المدعومة بالاوصياء الاوربيين والدبلوماسيين وعملاء المخابرات والجيوش لن يكون افضل من ترحيب دوله المسلمة. انظروا الى التاريخ الطويل لردود فعل اميركا اللاتينية على الهيمنة الاميركية على نفطهم واقتصادهم وسياستهم. سيكون الشرق الاوسط راغبا بشدة لخلق خركات وطنية مناهضة للكولونيالية من اجل انتزاع السيطرة على ترابهم الوطني واسواقهم وسيادتهم ومصيرهم من قبضة الاجنبي ـ ـ تماما مثلما هي نضالات الهند الهندوسية والصين الكونفوشية وفيتنام البوذية وكذلك افريقيا الوثنية والمسيحية ضد الاستعمار.

وبالتاكيد كان الفرنسيون على استعداد للتوسع باتجاه الجزائر المسيحية للسيطرة على اراضيها الخصبة وتاسيس مستعمرة . والايطاليون ايضا لن يتركوا اثيوبيا المسيحية تمنعهم من تحويل ذلك البلد الى مستعمرة محكومة بقسوة. باختصار، لا يوجد هناك أي مبرر للاعتقاد بان رد فعل فعل الشرق الاوسط لمحنة الاستعمار الاوروبي ستكون مختلفة بشكل بارز عن رد الفعل نفسه الذي تحقق في ظل الاسلام.

لكن هل كان يمكن للشرق الاوسط ان يعيش مزيدا من الديمقراطية بدون الاسلام؟ ان تاريخ الديكتاتورية في اوروبا نفسها ليس مطمئنا. اسبانيا والبرتغال انهتا الديكتاتوريات القاسية في اواسط السبعينات. اليونان خرجت منذ عقود قليلة ماضية فقط من هيمنة الديكتاتورية المرتبطة بالكنيسة. روسيا المسيحية ما زالت حتى الان غير قادرة على الخروج من شرنقتها. والى وقت قريب نسبيا، فان اميركا اللاتينية كانت غارقة في الديكتاتوريات التي غالبا كا كانت تحكم بدعم ومباركة الولايات المتحدة بشراكة مع الكنيسة الكاثويكية. كما ان وضع معظم دول افريقيا المسيحية لم يكن افضل بكثير. فلماذا كان يمكن لشرق اوسط مسيحي ان يبدو مختلفا؟

ثم ان هناك فلسطين. بالطبع فان المسيحيين هم الذين اضطهدوا اليهود بصفاقة لاكثر من الف عام بلغ الذروة في المحرقة النازية. ان تلك الامثلة المرعبة لمعاداة السامية كانت متجذرة بثبات في بلاد المسيحية الغربية وثقافتها. كان اليهود والحالة كلك سيواصلون سعيهم من اجل اقامة وطن قومي خارج اوروبا. كما ان الحركة الصهيونية كان لا بد ان تظهر وتسعى لاقامة قاعدة لها في فلسطين. كما ان الدولة اليهودية الجديدة كانت ستطرد اكثر من سبعمئة وخمسين الف فلسطيني من ارض الاباء والاجداد حتى ولو كانوا مسيحيين. وبالفعل كان بعضهم كذلك.

هؤلاء العرب الفلسطينيين الن يثوروا ويقاتلوا من اجل حماية واستعادة ارضهم؟ تبقى المشكلة الفلسطينية الاسرائيلية في جوهرها مشكلة وطنية اثنية واقليمية وهي حديثا جدا بدات تتغلف بالشعارات الدينية. ودعونا لا ننسى ان المسيحيين العرب لعبوا دورا رئيسيا في النهوض المبكر لحركة القومية العربية في الشرق الاوسط. وفي الحقيقة فان المؤسس الايدولوجي لاول حزب عربي هو حزب البعث كان ميشيل عفلق وهو مسيحي سوري من خريجي جامعة السوربون.

ولكن هل من المؤكد ان المسيحيين في الشرق الاوسط سيكونون ميالين دينيا للغرب؟ وبهذا نتفادى كل ذلك الصراع الديني؟ في الحقيقة فان العالم المسيحي نفسه كان ممزقا بالهرطقات منذ القرون الاولى لوجود السلطة المسيحية. وهي هرطقات صارت هي بالذات قاطرة المعارضة السياسية لسلطة روما او بيزنطة. وبعيدا عن الوحدة تحت راية الدين فان الحروب الدينية في الغرب كانت بالتاكيد غطاء لصراعات اثنية واستراتيجية وسياسية واقتصادية وحتى ثقافية اكثر عمقا من اجل الهيمنة.

كما ان مجرد الاشارة الى "شرق اوسط مسيحي" يخفي حقدا قبيحا. بدون الاسلام، فان شعوب الشرق الاوسط كانوا سيظلون كما كانوا عند انطلاق الاسلام ـ ـ ملتزمين معظمهم بالمسيحية الارثودوكسية الشرقية. لكن من السهل نسيان ان واحدة من اكثر الخلافات الدينية عنفا كانت بين الكنيسة الكاثوليكية في روما والمسيحية الارثودوكسية الشرقية في القسطنطينية ـ ـ حقد لا يزال حيا الى اليوم. فالمسيحيون الارثودوكس الشرقيون لم ينسوا ولم يسامحوا اسقاط القسطنطينية المسيحية على يد الصليبيين الغربيين عام الف ومئتين واربعة. وبعد حوالي ثمانمئة سنة، في عام الف وتسعمئة وتسعة وتسعين، سعى البابا يوحنا بولس الثاني الى اتخاذ بضع خطوات صغيرة لراب الصدع في اول زيارة لبابا كاثوليكي للعالم الارثودوكسي منذ الف عام. كانت مجرد بداية، لكن الشقاق بين الشرق والغرب في شرق اوسط مسيحي كان سيبقى على الاغلب كما هو اليوم. لناخذ مثلا اليونان: فالقضية الارثودوكسية كانت دافعا قويا جدا وراء الشعور القومي والمشاعر المناهضة للغرب هناك، والمشاعر المناهضة للغرب في السياسة اليونانية، حتى عقد مضى، كانت تردد صدى الشكوك نفسها، والافكار بشان الغرب مشابهة تماما لما نسمعه من كثير من القادة الاسلاميين اليوم.

ان ثقافة الكنيسة الارثودوكسية تختلف بحدة عن النظام الاخلاقي للغرب ما بعد التنوير، الذي يركز على العلمانية والراسمالية واسبقية الانسان الفرد. ما زالت تحافظ على المخاوف المترسبة بشان الغرب التي تحاكي في كثير من الطرق المخاوف الاسلامية الراهنة: المخاوف من بعثات التبشير الغربية ، النظرة الى الدين باعتباره القاطرة الاساسية لحماية وحفظ مجتمعاتهم المحلية وثقافتهم الخاصة، والتشكك في بنية الغرب الفاسد والامبريالي. في الواقع فانه في شرق اوسط مسيحي ارثودوكسي فان موسكو كانت ستحظى بتاثير خاص، حتى اليوم، على انها اخر معقل رئيسي للارثودوكسية الشرقية. لقد بقي العالم الارثودوكسي ساحة جيوبوليتيكية اساسية لتنافس الشرق والغرب في الحرب الباردة. لقد ادخل صامويل هنتنغتون عالم المسيحية الارثودوكسية ضمن عدة حضارات منخرطة في الصراع الثقافي مع الغرب.

ان الاحتلال الاميركي للعراق اليوم لن يكون موضع ترحيب من العراقيين لو كانوا مسيحيين. الولايات المتحدة لم تسقط صدام حسين، وهو الزعيم الوطني والعلماني القوي، لانه كان مسلما. وكثير من الشعوب العربية الاخرى كانت ستدعم العراقيين العرب في محنة الاحتلال. لا يوجد أي شعب في أي مكان يرحب بالاحتلال الاجنبي وقتل مواطنيهم على ايدي قوات اجنبية. في الحقيقة فان الجماعات التي تتهددها قوى خارجية تقوم بدون شك بالبحث عن الايدولوجيات المناسبة لتبرير وتمجيد نضالها المقاوم. والدين واحدة من تلك الايدولوجيات.

هذا هو اذا التشخيص المناسب لافتراض وجود "عالم بدون الاسلام". انه شرق اوسط تهيمن عليه المسيحية الارثودوكيسة الشرقية ـ ـ كنيسة كانت تاريخيا ونفسانيا متشككة ازاء الغرب وحتى معادية له.

ان الشرق الاوسط الذي لا يزال مسكونا بالاختلافات العرقية والطائفية يملك حسا شرسا بالوعي التاريخي والشكوى ضد الغرب. لقد تم غزوه مرات عديدة من قبل الجيوش الغربية الامبريالية، تمت مصادرة موارده، اعيد رسم حدوده بتفويض غربي بما يتناسب مع مصالح الغرب المختلفة، وتم تاسيس انظمة متماشية تماما مع ما يمليه عليها الغرب. كانت فلسطين لاتزال تحترق، ايران كانت لا تزال ذات روح وطنية عالية، وسنظل نرى الفلسطينيين يقاومون اليهود والشيشان يقاومون الروس والايرانيون يقاومون البريطانين والكشميريين يقاومون الهنود، والتاميل يقاومون السنهاليين في سريلانكا و الاوغيروس والتبتيين يقاومون الصينيين. الشرق الاوسط سيظل يحمل مثلا تاريخيا مجيدا: الامبراطورية البيزنطية العظيمة التي تصمد الفي عام ــ والتي سيتماهى معها ويشير اليها باعتبارها رمزا دينيا وثقافيا. وسيكون هناك، وبطرق كثيرة، انقسام دائم بين الشرق والغرب.

ان كل هذا لا يقدم أي صورة متكاملة مسالمة أو معزية.

تحت راية النبي

انه لامر غير معقول بالطبع ان نجادل بان وجود الاسلام ليس له أي تاثير مستقل على الشرق الاوسط او على علاقات الشرق بالغرب. لقد وفر الاسلام قوة توحيدية ذات مفعول قوي في اقليم كبير. وبكونه عقيدة عالمية شاملة فقد خلق حضارة عريضة تتشارك في كثير من المبادىء العامة في الفلسفة والفنون والمجتمع، رؤية بشان الحياة الاخلاقية، حس بالقضاء والتشريع والحكم الرشيد ـ ـ كل هذا في ثقافة رفيعة عميقة الجذور. وكقوة ثقافية واخلاقية فان الاسلام ساعد على تجسير الاختلافات الاثنية بين مختلف الشعوب المسلمة وشجعهم على ان يشعروا بانفسهم كجزء من مشروع حضاري اسلامي اوسع. وهذا وحده يعطيه وزنا عظيما. لقد اثر الاسلام على الجغرافيا السياسية كذلك. لو لم يكن هناك الاسلام، فان البلدان المسلمة في جنوب اسيا وجنوب شرقي اسيا اليوم ـ ـ وخاصة باكستان وبنغلادش وماليزيا واندونيسيا ـ ـ ستكون منغمسة ومتجذرة في العالم الهندوسي.

لقد وفرت الحضارة الاسلامية مثالا مشتركا يتجه اليه كل المسلمين باسم المقاومة ضد النهب الغربي. وحتى لو ان هذا الامر بدا بانه فشل في وقف تدفق المد الامبريالي الغربي فانه قد خلق ذاكرة ثقافية بشان المصير المشترك لم تتلاشى. لقد كان الاوروبيون قادرين على تفريق وحكم العديد من الشعوب في افريقيا واسيا واميركا اللاتينية الذين سقطوا فرادى امام قوة الغرب. لقد كان من الصعوبة بمكان تحقيق مقاومة موحدة عابرة القومية بين اولئك الناس في ظل غياب أي رمز للمقاومة ثقافيا كان او عرقيا.

في عالم بدون الاسلام فان الامبريالية الغربية كانت ستجد مهمة تقسيم وغزو الشرق الاوسط واسيا والهيمنة عليهما اسهل بكثير. ولن يكون هناك بقايا لذكريات ثقافية مشتركة عن الاذلال والهزيمة عبر مناطق شاسعة. وهذا سبب رئيسي يجعل الولايات المتحدة تجد نفسها الان تكشر عن انيابها تجاه العالم الاسلامي. ان الاتصالات العالمية الان وصور الاقمار الصناعية المتبادلة قد خلق وعيا ذاتيا قويا لدى المسلمين وشعورا كبيرا بالحصار الامبريالي الغربي ضد الثقافة الاسلامية بصورةعامة. وهذا الحصار ليس له علاقة بالتحديث، بل يتعلق بالالحاح الغربي المتصل بشان الهيمنة على الفضاءات الاستراتيجية والموارد وحتى ثقافة العالم الاسلامي ـ ـ الدافع لخلق شرق اوسط موالي للاميركيين. لكن لسوء الحظ فان الولايات المتحدة وبسذاجة تفترض ان الاسلام يحوول بينها وبين قطف ثمار جهودها.

ولكن ماذا بشان الارهاب ـ ـ المسالة الاكثر الحاحا والتي يقوم الغرب حاليا وبصورة مباشرة بلصقها بالاسلام. وبصورة فيها الكثير من الصراحة والوضوح هل كان يمكن ان تقع احداث سبتمبر ايلول 2001 بدون الاسلام؟ اذا كانت عذابات الشرق الاوسط متجذرة في سنوات من الغضب السياسي والعاطفي ضد سياسات اميركا وتصرفاتها، وقد جمعت تحت راية اخرى، هل يمكن للاحداث ان تكون مختلفة كثيرا.؟ ومرة ثانية فمن المهم التذكر كيف ان الدين يمكن ان يستحضر حتى في الحالات التي يجب ان يلام بالتسبب فيها عذابات اخرى. ان الحادي عشر من سبتمبر ليس هو نهاية المطاف . بالنسبة للخاطفين من القاعدة فان الاسلام اشبه ما يكون بمكبر الصورة في وجه الشمس. يجمع تلك العذابات ويقوم بالتركيز عليها لتصبح حزمة اشعة كبيرة، لحظة صفاء خالية من أي كفاح ضد الغازي الاجنبي.

في تركيز الغرب على الارهاب باسم الاسلام فان الذكريات بهذا الشان قليلة جدا. لقد استعملت الميليشيا اليهودية الارهاب ضد البريطانيين في فلسطين، واخترع الهندوس التاميل في سريلانكا فن الاحزمة الناسفة، ولاكثر من عقد وصل بالعالم الى استخدام التفجيرات الانتحارية ـ ـ بما في ذلك اغتيال راجيف غاندي رئيس وزراء الهند. الارهابيون اليونان استخدموا عمليات الاغتيال ضد المسؤولين الاميركيين في اثينا. الارهاب السيخي المنظم قتل انديرا غاندي ونشر الخراب في الهند، وانشا قاعدة فيما وراء البحار في كندا، واسقط طائرة ركاب هندية كانت تطير فوق المحيط الاطلسي. الارهابيون المقدونيون كانوا مرهوبي الجانب بصورة كبيرة عبر البلقان عشية الحرب العالمية الاولى. والعشرات من الاغتيالات الرئيسية في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين تم تنفيذها على ايدي الفوضويين الاوروبيين والاميركيين مما زرع خوفا جماعيا. وقد وظف الجيش الجمهوري الايرلندي وبوحشية فعالة الارهاب ضد البريطانيين ولمدة عقود كما فعل رجال حرب العصابات والارهابيون في فيتنام ضد الاميركيين، والشيوعيون الماويون ضد الجنود البريطانيين في الخمسينات من القرن العشرين، والارهابيون الماو ماو ضد الضباط البريطانيين في كينيا ـ ـ والقائمة تطول. لم يكن الامر بحاجة للمسلمين لممارسة الارهاب.

حتى التاريخ القريب للعمليات الارهابية فلا يبدو انه مختلف كثيرا. ووفقا للشرطة الاوروبية فان اربعمئة وثمانية وتسعين حادثا ارهابيا تم تنفيذه في دول الاتحاد الاوروبي عام الفين وستة. من بين تلك الحوادث فان اربعمئة واربعة وعشرين منها تم تنفيذها من قبل جماعات انفصالية، وخمسة وخمسين منها نفذها يساريون متطرفون وثماني عشرة عملية اخرى نفذت من قبل جماعات ارهابية مختلفة، وواحدة فقط من تلك العمليات نفذها اسلاميون. وللتاكيد، كان هناك بعض العمليات التي تم احباطها في الجماعات الاسلامية المراقبة جيدا. لكن تلك الارقام تعكس الامتداد الايدولوجي العريض للارهابيين المحتملين في العالم.

هل من الصعوبة بمكان كبير، اذا، تخيل ان العرب ـ ـ مسيحيين او مسلمين ـ ـ غاضبون على اسرائيل او الغزوات الامبريالية المحتملة، والانقلابات والتدخلات التي قد توظف اعمالا ارهابية مشابهة وحرب عصابات. السؤال يمكن ان يطرح بصورة اخرى: لماذا لم تقع كل تلك الاحداث مبكرا؟ وكما تضج المجموعات الراديكالية بالشكوى في عصر العولمة، فكيف لا نتوقع منهم ان ان ينقلوا هذا الصراع الى قلب الغرب؟

اذا كان الاسلام يكره الحداثة فلماذا انتظر حتى الحادي عشر من سبتمبر ليشن هجومه؟ ولماذا كان مفكرو الاسلام الكبار في اوائل القرن العشرين يتحدثون عن الحاجة لتبني الحداثة حتى عندما كانوا يحمون الثقافة الاسلامية؟

لم يكن هدف اسامة بن لادن في ايامه الاولى التحديث ابدا ـ ـ كان يتحدث عن فلسطين، البساطير الاميركية على ارض المملكة العربية السعودية، حكام السعودية تحت السيطرة الاميركية، والحروب الصليبية الحديثة. انه لامر مدهش انه لم يكن حتى اواخر عام الفين وواحد حتى راينا اول غضب اسلامي عارم على الارض الاميركية نفسها في رد فعل على الاحداث التاريخية والمتراكمة وكذلك السياسات الاميركية. وحتى ان لم تقع احداث الحادي عشر من سبتمبر فان احداثا مشابهة كان من المحتم لها ان تقع.
وحتى ان لم يكن الاسلام كقاطرة قيادة للمقاومة لم يوجد ابدا، فان الماركسية كانت ستكون هي القاطرة. انها ايدولوجية ولدت عددا لا يحصى من الارهابيين وجماعات حرب العصابات وحركات التحرر الوطني. لقد شكلت حركات مثل ايتا الباسكية، وفارك في كولومبيا، الدرب المضيء في البيرو، زمرة الجيش الاحمر في اوروبا، والتسميات تتعدد في الغرب. ان جورج حبش، مؤسسة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هو مسيحي ارثودكسي وماركسي درس في الجامعة الاميركية في بيروت. وفي مرحلة حيث كان غضب القومية العربية ممتزجا مع العنف الماركسي فان كثيرا من المسيحيين الفلسطينيين قدموا الدعم الكبير للدكتور حبش.
ان الشعوب التي تقاوم القمع الاجنبي تسعى الى الشعارات لترويج وتمجيد اهداف نضالها. والصراع الطبقي العالمي من اجل العدالة يوفر نقطة انطلاق جيدة. اما القومية فهي بالتاكيد افضل. لكن الدين يوفر افضلها على الاطلاق إذ انه يستهوي السلطات العليا لتنفيذ اهدافها. وفي كل مكان يمكن للدين ان يسهم في تعزيز اللحمة الوطنية والاثنية حيث انه يتسامى بها ــ وخصوصا عندما يكون العدو يتبع دينا مختلفا. وفي مثل تلك الحالات، يتوقف الدين عن كونه المصدر الرئيسي للصراع والمواجهة، بل يصبح قاطرته. وشعار المرحلة يتلاشى لكن العذابات تبقى.

اننا نعيش في حقبة حيث الارهاب عادة ما يكون وسيلة الضعفاء. انه بالفعل احرج القوة غير المسبوقة لجيوش الولايات المتحدة في العراق وافغانستان وغيرها من الاماكن. وهكذا فان بن لادن في كثير من المجتمعات غير المسلمة صار يدعى بانه "تشي غيفارا التالي". ولم يكن غير جاذبية نجاح المقاومة ضد هيمنة القوة الاميركية، فكان رد المستضعفين، جاذبية تجاوزت الاسلام او ثقافة الشرق الاوسط.

الكثير من التشابه

لكن السؤال يبقى: لو لم يوجد الاسلام، هل كان العالم سيكون اكثر سلاما؟ في مواجهة تلك التوترات بين الغرب والشرق فان الاسلام بلا ادنى شك اضاف عاملا عاطفيا اخر، طبقة اخرى اضافية من التعقيدات في وجه ايجاد الحلول. فالاسلام ليس السبب في تلك المشكلات. قد يبدو الامر معقدا من ناحية ايجاد مقاطع في القران قد تفسر "لماذا يكرهوننا". لكن هذا يتعامى عن حقيقة الظاهرة. كم هو مريح تعريف الاسلام بانه مصدر "المشكلة"؟ بالتاكيد الامر اكثر سهولة من مجرد استكشاف تاثير بصمات القوة العظمى العالمية الوحيدة على العالم.

ان عالما بدون الاسلام سيبقى يشهد معظم الصراعات الدموية المزمنة التي تهيمن حروبها وبلواها على المشهد الجيوبوليتيكي اليوم. فان لم يكن الدين، فان كل تلك الجماعات كانت ستجد شعارات اخرى تنضوي تحتها للتعبير عن الروح القومية والسعي نحو الاستقلال. انه لمن المؤكد ان التاريخ لم يكن ليتبع المسار نفسه الذي سار فيه حتى الان. ولكن، في الجوهر، فان الصراع بين الشرق والغرب سيظل يدور حول القضايا التاريخية والجيوبوليتكية الاساسية للتاريخ الانساني: الاثنية، القومية، الطموحات، الطمع، الموارد، الزعامات المحلية، الطبقية، لمكاسب المالية، السلطة، التدخلات، كراهية الغرباء، الغزاة، والامبرياليين. وبمواجهة قضايا خالدة مثل هذه، كيف يمكن ان لا يتم الاستنجاد بالدين؟

تذكروا ايضا: ان كل واحدة من الكوارث المروعة في القرن العشرين جاءت على وجه الخصوص من قبل انظمة عرفت بانها علمانية متشددة: ليوبولد الثاني ملك بلجيكا في الكونغو، هتلر، موسوليني، لينين وستالين، ماو وبول بوت. لقد كان الاوروبيون هم الذين اشعلوا حربين عالميتين على بقية العالم ــ ازمتان عالميتان مدمرتان ليس لهما أي مثيل في التاريخ الاسلامي.

قد يتوق البعض في هذه الايام لرؤية "عالم بدون الاسلام" يفترض ان تكون فيه مثل تلك المشكلات غير موجودة. ولكن، في الحقيقة، فان النزاعات والعداوات والازمات لمثل ذلك العالم لن تكون مختلفة كثيرا عما نراه ونشاهده في العالم اليوم.

ترجمة: الفرد عصفور





https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن