أحمر أخضر- علاقة تكامل - الدفاع عن البيئة على أجندة قوى التغيير الاجتماعي

دوف حنين

2007 / 8 / 20

*أن ترتقي الحركة البيئية في اسرائيل الى الجيل الثالث، يعني أن ترفع صوتا مجلجلا ضد التسلح النووي، وضد الاحتلال.
- يعني أن ترفع لواء السلام والتعاون الاقليمي لمواجهة المخاطر البيئية.
- يعني أن ترفع بوضوح لواء العدالة الاجتماعية، لمنع تحويل النقب والقرى غير المعترف بها لساحة خلفية الصناعات الثقيلة.
- باختصار أن تكون أخضر حقيقيا، يعني أن تكون أحمر حقيقيا، وهو ما لم نصله بعد، لكن النفس أيضا ما زال طويلا!
ولكن..
- أيمكن أن تكون أحمر حقيقيا دون أن تكون أخضر حقيقيا، هذا هو السؤال القادم اما حركات التغيير الاجتماعي، وأمام الشيوعيين على وجه الخصوص..*
هذا المقال هو الحلقة الأولى في سلسلة من المقالات التي أعتزم نشرها في الصحافة العربية خلال الأسابيع القريبة، بالتوازي مع اصدار كتابي الأخير "العولمة" والذي صدر باللغة العبرية وخصصت جزءا واسعا منه لتحليل ظاهرة الاحتباس الحراري والعوامل التي تؤدي اليه، وبخاصة دور النظام الرأسمالي والعولمة باستفحال هذه الظاهرة وتفاقم الآفات البيئية التي باتت تهدد الانسانية وكوكبها!
تأتي هذه المنشورات انطلاقا من قناعتي الراسخة بأن قوى التغيير الاجتماعي، القوى "الحمراء" بما فيها حزبنا الشيوعي، لن يكتمل "احمرارها" الا باضافة البعد البيئي، البعد "الأخضر"، ولفهم أهمية هذا الموضوع لا بد من استخدام أدوات التحليل التي تزودنا بها الماركسية على وجه الخصوص، وهو ما سآتي عليه لاحقا، ولكن وفي البداية لا بد من التوقف ولو سريعا عند ما يسمى بـ "الحركة البيئية"، عند نشأتها وتطورها الى أن بلغت ما أصطلح على تسميته بـ "الجيل الثالث" (لا، لا علاقة للهواتف الخليوية بالأمر..!).



*الحركات البيئية: قمحة أم.. وردة!!*خلال نشاطي في صفوف الحركة البيئية في البلاد عملت جاهدا، برفقة عدد من الزملاء، من أجل الارتقاء بهذه الحركة الى ما يسمى بـ "الجيل الثالث من الحركات البيئية"، وأعتقد بأننا نجحنا بهذا الى حد بعيد، حتى لو كانت الطريق مضنية وشاقة تملؤها النقاشات المتوترة بين الحين والآخر، فما هو هذا الجيل الثالث؟!
شهدت الحركات البيئية في العالم، وبشكل تراكمي على محور الزمن، تطورات كبيرة، حتى بدا الاختلاف واضحا بين الحركات البيئية في القرن الـ 21 وتلك التي كانت قائمة منتصف القرن المنصرم.
الجيل الأول من الحركات البيئية، هو ما أصطلح على تسميته بـ"الجيل الرومانسي" والذي سيطر على معظم الحركات البيئية حتى سنوات الثمانين من القرن المنصرم، هذه الحركات الرومانسية، وجدت بأنها ملتزمة تجاه الطبيعة، جمالها وجودتها ووضعتها بالمركز بدل الانسان ولم يشغلها سوى سؤال عاطفي واحد "كيف نحافظ على جمال البيئة"؟
أما حركات الجيل الثاني والتي أخذت بالتطور أواخر ستينيات القرن المنصرم، وخاصة عقب صدور كتاب هام اسمه "ربيع صامت"، فقد أحدثت تغييرا ثوريا هو بنقل الانسان الى المركز بدل الطبيعة، أي النظر الى جودة البيئة والدفاع عنها من منطلق الالتزام بحقوق الانسان وبصحته خاصة. جاء الجيل الثاني ليجيب على سؤال آخر هو "كيف نواجه انعكاسات التلوثات البيئية على الانسان وصحته"، هذا السؤال فرض اجابات أخرى غير تلك "الحالمة" من اجابات الجيل الأول، وبدأ العمل المهني الجاد، وخاصة بالداراسات العلمية للتلوثات البيئية وانعكاساتها ومخاطر المواد السامة، وفي التسعينيات من القرن المنصرم، كان بالامكان الاشارة الى وزارة البيئة والى جمعية "الانسان، الطبيعة والقانون" كنموذجين بارزين في البلاد للحركات البيئية المهنية.
وأما حركات الجيل الثالث، والتي تطورت فقط في السنوات الأخيرة في اسرائيل، فتضم الكثير من سمات الجيلين، الأول والثاني، هذه الحركات تهتم بالقضايا البيئية حرصا على البيئة والانسان معا.
أعتقد بأن أفضل رد على رومانسية الجيل الأول، جاءت على لسان الشاعر الفلسطيني محمود درويش، حين قال: "إننا نحب الورد.. لكنّا نحب القمح أكثر" وفي هذه المقولة ما يفسر نفور الكثيرين من القضايا البيئية، خاصة وأن الحكومات الاسرائيلية استخدمت هذه القضايا سوطا لمصادرة الأرض العربية وتضييق الخناق على أبنائها، ولعل أبرز النماذج اليوم لهذا هو النضال العادل لأبناء قرية دالية الكرمل، ضد مصادرة أرضهم لصالح محمية طبيعية.
من الواضح بأن ممارسات السلطات والتمييز العنصري ضد الجماهير العربية في وطنها، والاهمال الفظيع للبلدات العربية، أنضج حركات بيئية عربية تجاوزت "رومانسية الجيل الأول"، فنرى في كل يوم تقريبا تشكلا جديدا إما على شكل جمعية أو لجنة شعبية ضد الآفات البيئية في البلدات العربية: ضد الهوائيات في أم الفحم، ضد مصادرة الأرض في الدالية وعسفيا، ضد المزبلة في قلنسوة والمحرقة في عبلين، ضد "رمات حوفاف" في النقب وغيرها الكثير الكثير..
المبادرون لهذه التحركات بعيدون بشكل عام عن الرومانسية الحالمة، ولا يحمل نشاطهم شيئا من البذخ أو الترف وما كانت هذه التحركات لتجد لها أصداء واسعة وتجاوبا جماهيريا واعلاميا حقيقيا لو لم تثبت الأيام بأن الحديث لا يدور عن كماليات إنما عن صراع قاس وحقيقي من أجل البقاء، فالحديث يتجاوز المشاعر المرهفة ليصل الى الحد الفاصل بين الموت والحياة، بين بيئة نظيفة وأخرى ملوثة قاتلة، وأبرز برهان على هذا هو الانتشار الفظيع لمرض السرطان وغيره.
أن ترتقي الحركة البيئية في اسرائيل الى الجيل الثالث، يعني أن ترفع صوتا مجلجلا ضد التسلح النووي، وضد الاحتلال، يعني أن ترفع لواء السلام والتعاون الاقليمي لمواجهة المخاطر البيئية.
أن ترتقي الحركة البيئية في اسرائيل الى الجيل الثالث، يعني أن ترفع بوضوح لواء العدالة الاجتماعية، لضمان بيئة نظيفة لكل المواطنين ومنع تحويل النقب والقرى غير المعترف بها هناك لساحة خلفية للبلاد والصناعات الثقيلة. باختصار أن تكون أخضر حقيقيا، يعني أن تكون أحمر حقيقيا، وهو ما لم نصله بعد، لكن النفس أيضا ما زال طويلا!
ولكن أيمكن أن تكون أحمر حقيقيا دون أن تكون أخضر حقيقيا، هذا هو السؤال القادم..



* الماركسية: الرأسمالية تصارع حتى كوكبها!*في تحليله للنظام الرأسمالي، تطرق الفيلسوف كارل ماركس، الى صراعين مركزيين، الأول هو الصراع الطبقي داخل هذا النظام ما بين مالكي وسائل الانتاج وهم أقلية وبين الطبقة العاملة، البروليتاريا، وبحسب ألف باء الماركسية، فإن مصدر هذا الصراع هو رغبة الرأسمالية بانتاج أكبر ما يمكن من أرباح وان على حساب البروليتاريا، وظروف عملها ومعيشتها.
أما الصراع المركزي الثاني والذي لم يتوقف عنده ماركس مطولا كما عند الصراع الأول، هو الصراع بين النظام الرأسمالي وبين الكوكب الذي يعيش عليه هذا النظام. فبحسب نفس المبدأ الذي حللنا وفقه الصراع الطبقي، بوسعنا أن نرى بوضوح بأن النظام الرأسمالي سيقوم باستغلال هذا الكوكب وموارده لهدف جشع واحد هو زيادة الأرباح، ولكن ما العمل وموارد هذا الكوكب محدودة؟ أيتخلى النظام الرأسمالي عن جشعه حفاظا على هذا الكوكب؟!
وان كان الجواب سلبيا واضحا، فماذا عن دورنا نحن، أنسمح للنظام الرأسمالي بتهديد مستقبل البشرية والتي يتهددها اليوم خطر الاحتباس الحراري والآفات البيئية أكثر من أي خطر آخر؟!
هذه الأسئلة تصبح يوما بعد يوم أكثر الحاحا وجدية، ففي الماضي كنا صغارًا على الكرة الأرضية، حتى أن تلك المساحات الخالية الشاسعة صورت وكأنها فرصة للتخلص من الصراعات الداخلية، ولكن الحالة اليوم تغيرت، فالكرة الأرضية باتت تعجز عن توفير المتطلبات الجشعة للنظام الرأسمالي والزيادة الطبيعية بعدد السكان واحتياجاتهم والآفات البيئية باتت تهدد بشكل جدي بقاء العنصر البشري.
ولكن ما التفسير لهذا الواقع، بأن هنالك تهديدا بهذه الدرجة من الخطورة، للبشرية بأسرها ولا ينال بالاهتمام الجدي اللازم، لا على مستوى الشعوب ولا الحكومات؟!
للتوقف عند هذا الموضوع بشكل أوضح، أورد في الفقرة القادمة الفصل الثاني من كتابي حديث الصدور "العولمة"، والذي جاء تحت عنوان "رعاة بقر في مركبة فضائية.."



*رعاة بقر في مركبة فضائية..*نيو، بطل فيلم "الماتركس"، يعيش في مطلع الفيلم حياة عادية للغاية. يعمل في شركة حواسيب، يمتلك شقة وله حياته العادية. لكنه مختلف عن كل الناس من حوله بشعوره بأن هنالك شيئا ما غريبا في العالم، شيئا ما غير صحي. يبحث عن اجابة لهذا الشعور، وفي النهاية يجدها. يجدها عندما يقوم بطل آخر في الفيلم، مورفيوس، بالاقتراح عليه أن يتناول احدى حبتين، حبة زرقاء وأخرى حمراء. "تناول الحبة الزرقاء"، قال له مورفيوس، "وستعود للعيش في العالم الذي تعرفه، ولكن اذا ما تناولت الحبة الحمراء- فستدخل طريقا لا رجعة منها: ستبدأ برؤية العالم بصورة مغايرة للتي اعتدت عليها، ستبدأ برؤيته على حقيقته". يختار نيو الحبة الحمراء ويتحرر بحدة من الوهم الوردي عن العالم الذي عرفه حتى الآن. ويبدأ برؤية العالم الحقيقي، عالم قاس وخطر. يتعلم بأن الوهم الوردي اياه ليس أكثر من جهاز يمكّن سادة العالم الحقيقي من التحكم به بشكل مريح وسهل.
الطريقة التي نرى من خلالها العالم تملي علينا طريقة تصرفاتنا، يقول أرسطو، ولذا فإن السيطرة على تصرفاتنا تبدأ بالسيطرة على الطريقة التي ننظر بها الى العالم.
أنعيش جميعا في "الماتريكس"؟! ألا يكون هدف العولمة- وتحويل العالم الى قرية واحدة الا خلق أسطورة تتيح مواصلة السيطرة علينا وعلى عالمنا؟! هذا السؤال هو قلب التحليل النقدي للعولمة، والجواب قد يكون خطرا، على حد قول مورفيوس لنيو في الفيلم. توجد لدينا أنظمة متطورة للتهميش والانكار.
فيما يتعدى هذا، فحتى من يدعون بأن صورة الواقع لدينا ليست الا وهما ورديا، لا ينكرون بأن هذا الوهم مستند الى مشاهد من الواقع الحقيقي. الشعور بالتطور لدى معظم أبناء المجتمعات الغربية يستند الى عدة معطيات لا يمكن انكارها: أولا، أننا نعيش في عالم التطور التكنولوجي فائق السرعة (عالي التقنيات). حقيقة أن هنالك حلولاً تكنولوجية لكم هائل من المشاكل قد تنتج وهما بأن هنالك حلا تكنولوجيا لكل مشكلة. ثانيا، الثورة الصحية في السنوات الـ 150 الأخيرة والتي أدت الى ارتفاع كبير بمعدل الأعمار في المجتمعات الغربية. وثالثا، فإن مجتمعنا ينتج منتوجات أكثر وأرخص بكثير مما كان في مجتمع آبائنا.
عندما نركز فقط بهذه المشاهد الواقعية بالامكان الشعور بأن العالم يتحول أكثر فأكثر إلى عالم أروع يوما بعد يوم.
لا شك بأن الانجازات الثلاثة، التي ذكرتها تمكّن البشرية، وللمرة الأولى في تاريخها، من مواجهة آفات رافقتها منذ القدم كالجوع، والفقر والحرمان. لكن السؤال هو ان كنا نستغل بالفعل هذه الفرصة لمواجهة هذه الآفات أم أننا ننتج منظومات تعمق هذه الآفات وتزيد من خطورتها.
يجب التأكيد أن نقد العولمة، ليس حنينا للعالم الذي كان وما عاد. نقد آفات اليوم ليس حنينا الى آفات الماضي- لا هو الحنين للوضع المادي للناس في الماضي ولا للأمية، لا للآراء المسبقة ولا للتخلف، ولكن حتى عندما لا نشتاق الى الماضي فإنّ النظر الى الحاضر برؤية واعية، هو أمر حيوي.
الاجابات عن السؤال، حول الوضع الحقيقي للعالم في الألفية الثالثة، يمكن ويجب ايجادها بالمعطيات. لدينا اليوم معطيات كثيفة عن العالم لكن من غير الواضح بالمرة ان كنا نستنتج من هذه المعطيات الاستنتاجات المطلوبة.
برأيي، يجب بدء النقاش حول وضع العالم مع مطلع الألفية الثالثة بأسئلة بيئية. نعم، أعلم بأن كلمة "البيئة" تثير لدى الكثيرين من القراء أفكارًا مغايرة تماما.
تعتبر البيئة في اسرائيل أمرا هامشيا، والحقيقة هي بأن هذه الرؤية للبيئة بدت لي دوما غريبة، لو كنا نفكر كيف يتعلق كل منا بشكل مطلق بالبيئة من أجل بقائه وصحته. البيئة هي الماء الذي نشربه، الهواء الذي نتنفسه، المواد التي نستخدمها لبقائنا- الخشب، المعدن النفط وكل شيء. ومع كل هذا تبقى النظرة في اسرائيل الى البيئة وكأنها من الكماليات، كأمر يستطيع الانشغال به فقط أولئك ممن وجدوا حلولا لمشاكلهم الحقيقية. الانشغال بالبيئة يعتبر كأي الأمور اللطيفة، كالامتناع عن القاء قشر الموز في الشارع أو منع قطف الزهور البرية.
بهذا النظر الى البيئة نضيّع أمرا هاما. لست أستهتر من ضرورة الامتناع عن القاء قشور الموز في الشارع ولا بمنع قطف الزهور البرية ولكن، عندما نتحدث عن البيئة في الالفية الثالثة فالحديث يدور عن أمور مختلفة بالمرة. يدور الحديث عن امكانية ضمان شروط بقاء الانسانية على كوكبنا، فنحن نعيش في مكان خاص جدا، هذا الكوكب الأزرق هو كوكب متميز حقا وتوجد به امكانيات هائلة. القدرات هائلة لكنها ليست لا نهائية. وفي هذا العالم تنمو من يوم الى يوم منظومة بشرية آخذة بملء هذا الكوكب والمشكلة بأنه محدود على كبره وبمفاهيم كثيرة فإننا بتنا نصل الى حد قدرته على الاحتمال.
البشر قد غيروا بشكل جدي هذا الكوكب. حسب تقديرات العلماء فإن الانسان قد غير ما بين 40- 50% من مساحة الأرض غير المغطاة بالجليد. إننا نستخدم أكثر من نصف المياه الحلوة المتجددة. سحب المياه الجوفية في العالم من الآبار والتجمعات الجوفية يفوق وتيرة سرعة امتلائها. يقدر العلماء بأن السحب الزائد عالميا للمياه الحلوة يصل الى 160 مليارد كوب في العام. هذا ويعاني اليوم في العالم مليارد و400 مليون انسان من النقص بالمياه. 65% من مناطق الصيد في العالم تعاني اليوم من استغلال متطرف. البشر يغيرون أيضا درجة الحرارة المغلفة لهذا الكوكب. تركيز ثاني أكسيد الكربون ارتفع بـ 30% منذ الثورة الصناعية. ربع أنواع العصافير في العالم وصلت الى حد الانقراض.
لكل هذه الظواهر يمكن تسميتها بشكل عام بـ "آثار القدم البيئية" للبشرية: وهي المساحة التي نستغلها نحن البشر ونحتاج اليها لمواصلة البقاء. "آثار القدم البيئية" العامة للبشرية هي مجمل المساحة المطلوبة من أجل توفير الموارد للبشر وكذلك لاستيعاب النفايات. وفق حسابات العلماء الذين يعنون بهذه القضية فإن مجمل المساحة لـ"اثار القدم البيئية" تفوق مساحة الكوكب. على هذا المعطى أن يبقى حاضرا أمامنا خلال النظر بالاسئلة البيئية.
التوتر بين منظومتنا الاقتصادية دائمة الكبر وبين حقيقة أن العالم لا يكبر يشتد حدة كلما أتينا على المزيد من الموارد التي بحوزتنا. إننا نخسر يوميا 185 كيلومترا من المساحات الخصبة لصالح الصحراء، نضيع بين 40 الى 250 نوعا من الحيوانات، نطلق الى الأتموسفيرا 15 مليون طن من ثاني أكسيد الكروبن، ما سيؤدي كل يوم الى ارتفاع جديد بدرجة الحرارة.
هذه هي الصورة اليومية، ولكنها ستكون أكثر قسوة اذا ما فحصنا تراكماتها خلال عام: في كل سنة نفقد غابات الأمطار بمساحة تضاعف مساحة اسرائيل بخمس مرات ونصف، الصحراء تتمدد كل عام بما يضاعف مساحة اسرائيل بـ 3 مرات. إننا نقترب من الوضع الذي وصفه أحد القادة الهنود بقوله: فقط عندما تموت الشجرة الأخيرة، ويلوث النهر الأخير ونصطاد آخر سمكة سنفهم بأنه لا يمكن التهام النقود!
العالم والعالم الاجتماعي كانت بولدينج عبرر عن المشكلة بأحد صورة ممكنة: إننا نعيش في مركبة فضائية مميزة، فيها هواء، مياه وغذاء ولكن ليس بصورة غير محدودة. المشكلة، وفق بولدينغ، هي أننا نواصل التصرف داخل هذه المركبة وكأننا رعاة بقر في الساحات الشاسعة في الغرب المجنون. رعاة بقر في سفينة فضائية، هذا هو اسم الدراما البشرية اليوم، وهذه الدراما قد تنقلب لتراجيديتنا.



* والآن، عودة الى واقعنا القريب.. *أحقا هنالك من ما زال يعتقد بأن التقلبات المجنونة التي شهدناها بالجو في الشتاء الأخير كانت مجرد ضربة قضاء وقدر، وبأن الأمر كذلك، أيضا بالنسبة لموجة الحر الشديدة التي عشنا تحت وطأتها هذا الصيف؟!
هل الوحل هو الذي طمر الهوائيات الخلوية فأخفاها عن أنظار الناس وهل أمطرت الدنيا أمراض السرطان في منطقة خليج حيفا دون سواها؟! وهل كنا بحاجة الى وقوع كارثة حقيقية، كادت تقع بالفعل لولا الصدفة جراء الانفجار في رمات حوفاف منتصف هذا الأسبوع لندرك مدى خطورة الآفات البيئية ؟!
لكل من يعتقد هذا، اليكم هذه القصة البسيطة: كرئيس مشارك للوبي البيئي الاجتماعي، أعمل في الفترة الأخيرة لاعداد قانون بمنتهى البساطة بمبدأه واسمه "الحق بهواء نقي"، أهنالك من يظن بأن تمرير مثل هذا القانون أمر سهل، رغم أنه لا يوفر للمواطن أكثر من الهواء النقي؟!
من يعتقد ذلك فهو مخطئ، عدد كبير من أصحاب رؤوس الأموال يشغلون ضغوطا شرسة علي وعلى زملائي في لجنة الداخلية وجودة البيئة البرلمانية من أجل اسقاط هذا القانون. لماذا؟! لأن تلويث الهواء صنعة مربحة. إنهم يسرقون منا حتى الهواء، بالضبط هكذا، وبلا رتوش!

(يتبع)
* عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الاسرائيلي وعضو الكنيست من الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة- رئيس اللوبي البيئي الاجتماعي البرلماني


*محمود درويش أفضل من رد على رومانسية حركات البيئة من الجيل الأول بقوله "إننا نحب الورد لكنا نحب القمح أكثر" خاصة وأنها تجاهلت حقيقة أن الحكومات الاسرائيلية استخدمت هذه القضايا سوطا لمصادرة الأرض العربية وتضييق الخناق على أبنائها، وأبرز النماذج اليوم لهذا ما تتعرض له أراضي دالية الكرمل*



*النظام الرأسمالي يستهلك موارد كوكبنا بجشع، فهل تتحقق نبوأة القائد الهندي: فقط عندما تموت الشجرة الأخيرة، ويلوث النهر الأخير ونصطاد آخر سمكة سنفهم بأنه لا يمكن التهام النقود!*



*لصوص الهواء، لصوص حقيقيون غير ظرفاء هم الرد على كل من ما زال يعتقد بأن التقلبات المجنونة التي نشهدها بالجو مجرد ضربة قضاء وقدر*





https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن