الجبهة الديمقراطية .. من المعارضة الى الحكومة


حافظ عليوي
2007 / 4 / 6 - 11:40     


الاقرار بوحدانية السلطة .. وافراغ المعارضة من محتواها …

في حواره مع القدس العربي بـ 20/11/2004 يذكر السيد نايف حواتمة امين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بان من الخطأ وضع العربة امام الحصان بشأن الانتخابات الرئاسية وفصلها عن الانتخابات التشريعية يقول : " نحن لسنا مع انتخابات رئاسية مفصولة معزولة عن انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني " ولذلك يدعو السيد حواتمة الى انتخاب مجلس تشريعي جديد تشارك فيه الجبهة الديمقراطية فيقول بشأن انتخابات الرئاسة " فنعتقد ان هذا وضع العربة امام الحصان وهذا خطأ وخطيئة وتكرار للاخطاء التي وقعت بها السلطة الفلسطينية بمصادرة وتدمير النظام البرلماني وزرع نظام توتاليتاري "…
وتحضرنا لدى قراءة هذه المقالة ترشيح الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مرشحها لانتخابات الرئاسة ومن بعدها قائمة البديل البرلمانية . لتخوض منافسة ديمقراطية . فبدلا من ان تحضر نفسها القوى المعارضة لطرح نفسها بديلا للسلطة الفلسطينية ، وبدل العمل على اجراء انتخابات رئاسية وتشريعة لا انتخابات انفصالية . رضخت للشرط المحدد وهو " عدم احراج السلطة ، والاعتراف بها سلطة واحدة ووحيدة ".
هكذا تفسر الديمقراطية في الدول العربية التي تعترف بوجود معارضة مشلولة وخصية ، نقول مخصية لانها تمتلك البرنامج ولكنها لا تترجمه على ارض الواقع ، وتفضل اتباع استراتيجية " اقناع " السلطة بمواقفها .
ان المفهوم المتداول للعملية الديمقراطية هو سيادة الشعب وحقه في اختيار قيادته بانتخابات حرة ديمقراطية واستبدال النظام بنظام آخر ، اما في العالم العربي فالنظام ثابت ابدي ، وكذلك المعارضة ، والمطلوب من الشعب التعبير الابدي ايضا عن ولائه لهذا الترتيب الاستبدادي . والبرجوازية الفلسطينية قررت ان من حقها وحدها ان تقرر ما هو في مصلحة الشعب . وتماشت المعارضة مع هذا القرار ، مما افقدها مصداقيتها وقدرتها على بلورة قوة شعبية منظمة على اساس برنامج وطني بديل ، فكانت المساهمة النظرية لمؤتمر الجبهة " 1981 " تحديد الدور الطليعي للطبقة العاملة في حركة التحرر الوطني فقد حدد المؤتمر مهمة استراتيجية جديدة لليسار ، وهي ان ينتزع من البرجوازية قيادة حركة التحرر الوطني . وكان لهذه المهمة اساسان ، الاول يتعلق بافلاس القيادة البرجوازية ، والثاني نابع من التقديرات بأن الفترة التاريخية ، مطلع الثمانينات ، مهدت الطريق للوصول الى الاشتراكية ، ففي تلك الفترة انتصرت حركات التحرر الوطني في العالم على الامبريالية في نيكاراغوا وحتى انغولا واثيوبيا ، كما ساد اعتقاد راسخ بانتصار الاشتراكية على الرأسمالية التي دخلت ، حسب المفهوم الماركسي اللينيني ، اخر مراحلها التاريخية . ولكن رغم تحديد مهمة تولي الطبقة العاملة قيادة الحركة الوطنية ، وقع في وثيقة الجبهة خلل جوهري في تشخيص طبيعة التحالف الوطني العريض ، فقد حددت " ان البرجوازية يمكن وينبغي ان تبقى جزءا من التحالف الوطني " ( الحرية 163 ) . ان المهمة الاستراتيجية التي حددتها الجبهة لنفسها لم تتحقق لانها لم تكن واقعية . ويتضح انه فيما يتعلق بالموثف من البرجوازية الفلسطينية ، وقعت الجبهة في نفس الخطأ الذي حذرت منه اليسار العربي مرارا . وقد لجأت الجبهة الديمقراطية الى اختراع ذهني لم يكن سوى انحراف عن الماركسية اللينينية عندما حددت نوعين من التناقضات . التناقض الرئيسي بين الشعب " بكل طبقاته " ، والتناقض الثانوي بين الطبقة العاملة والبرجوازية داخل الشعب الفلسطيني نفسه .
وللحقيقة ان المصلحة المشتركة بين طبقات الشعب في مواجهات الاضطهاد كانت موجودة دائما . فالبرجوازية الفرنسية مثلا ، نجحت في اسقاط النظام الاقطاعي بفضل مشاركة العمال والفقراء ، وكذلك كان الوضع في روسيا ، ولكن ماركس ولينين خذرا العمال دائما من هذا التعاون مع البرجوازية لانها لا تتوانى عن ذبح العمال بعد ان اوصلوها للسلطة على اكتافهم ، لمجرد مطالبتهم بحقوقهم .
والنماذج العربية على ذلك عديدة ، منها ما فعله نظام محمد نجيب بعمال مصر بعد انتهاء ثورة الضباط الاحرار في 1952 . وحزب البعث العراقي بعد استلامه مقاليد الحكم .
فمن الضروري لضمان نجاح هذا التحالف وخوض هذه المنافسة الرئاسية والبرلمانية تحت شعار الوحدة الوطنية تاسيس حزب الطبقة العاملة ، وانشاء جيش عمالي وفلاحي ، واقامة تحالف عمالي فلاحي وخوض جبهة وطنية متحدة ، وثمة ترابط " وثيق بين النضال المعادي للامبريالية والنضال المعادي للاقطاعية ، فالقوة الرئيسية للتحالف تتالف من الفلاحين والعمال ، وعلى الحزب ان يقيم التحالف العمالي والفلاحي ويستخدم العنف الثوري الجماهيري للقيام بالانتفاضة واستلام السلطة " ( موجز تاريخ حزب العمال الفيتنامي 1930-1970 / المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1973 ) .
يتبين من هذا ان اجتهاد الجبهة للتوفيق بين مصالح البرجوازية الوطنية وبين مصالح الطبقة العاملة ، هو اختراع برنامجي ليس له ركيزة سابقة في تاريخ الثورة الاشتراكية . فالحزب العمالي لا يمكن ان يقود البرجوازية لان البرجوازية ببساطة لا يمكن ان تقبل بان تقودها الطبقة العاملة ، فهية مربوطة براس المال الاجنبي ، ومصالحها الخاصة توجهها نحو التحالف مع الرجعية والاستعمار ضد الطبقة العاملة ، هذا ما حدث مع البرجوازية المصرية العراقية والسودانية ، واخيرا البرجوازية الفلسطينية التي دخلت فلك الاستعمار من ابواب اوسلو .
فترى الجبهة الديمقراطية الحل في المشاركة في الحكومة ، " منافسة البرجوازية الفلسطينية على كيفية التعاطي مع الواقع الجديد لطريقة افضل ، وتنصب اقتراحات الجبهة اليوم على تصحيح ، او تجاوز او استغلال اتفاق اوسلو بشكل افضل ، الامر الذي يعني التسليم بالاتفاق كأمر واقع لا يمكن تغييره وانطلاقا من هذه المهمة الجديدة التي وضعتها الجبهة الديمقراطية لنفسها ، تحاول ان تبرر ضرورة التوفيق بين مصلحة البرجوازية ومصلحة الطبقة العاملة ، على قاعدة ما يسمى ب " القواسم المشتركة " . اما في ما يتعلق بعلاقة الجبهة بالسلطة ، فيلخصها احد رموز الجبهة الديمقراطية بالقول التالي : ليس تمة في صفوف المعارضة من يطرح ، او ينوي ، او يدعو الى اقامة سلطة بديلة او سلطة موازية ، وبهذا المعني فان الاقرار بوحدانية السلطة قائم ومفروض منه . اما ان تطالب المعارضة اشتقاقا من ذلك احترام الالتزامات المجحفة المملاة على السلطة بموجب الاتفاقات ، فان هذا يعني افراغ المعارضة بمضمونها ( المسار – نيسان 1999 ) .

خطوة للامام ..خطوتان للوراء

هكذا كان تعليق السيد الامين العام للجبهة الديمقراطية في الحوار الذي اجري مع ناصر حجازي المنشور في الحوار المتمدن ب 29 / 3 / 2007 حول اتفاق مكة والذي نرى فيه تسمية اتفاق بمكة ب "اتفاق فتح و حماس " ورأى ان هذا الاتفاق مثل خطوتان للوراء بينما يمثل تقطة واحدة للامام . نرى الآن خطوتا الخلف أولاهما هبوط السقف السياسي لخطاب تكليف الحكومة الحالية عن ما ورد في وثيقة الاتفاق الوطني التي أقرتها قوى الشعب الفلسطيني ممثلة في فصائله السياسية في 27 يونيو 2006، والتي تشكل إعلان مبادئ تقوم على القواسم المشتركة لكل الشعب الفلسطيني، بفصائله ومؤسساته المدنية وجميع تياراته السياسية.
وجاء خطاب تكليف إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة الجديدة الصادر من محمود عباس (أبو مازن) ورد عليه هنية بالموافقة رغم أنه يشير إلى احترام الالتزامات والاتفاقات التي وقعتها رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية مع الجانب الإسرائيلي، وهذا دون السقف السياسي الذي أقرته وثيقة الأسرى ـ وثيقة الوفاق الوطني، والتي تشدد على تجاوز الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل لانتهاء مدتها القانونية، وعدم احترام الجانب الإسرائيلي لهذه الاتفاقات، وطالبت الوثيقة بالدعوة لمفاوضات شاملة تضم جميع عناصر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية، وبدلاً من التزام الطرفين "فتح وحماس" بالقواسم المشتركة التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني نجد أنهما يهبطان إلى ما دونها.
الخطوة الثانية التي خطاها اتفاق "فتح وحماس" إلى الخلف، هو الاتفاق على توزيع الوزارات والوظائف الكبيرة والأجهزة الأمنية بينهما، أو ما يعرف بالمحاصصة، وهذا الأمر يعمق الانقسام في الشارع الفلسطيني بدلاً من توحيده خاصة في ظروفه الحالية، كما أن العمل بنظام المحاصصة يزيد من مخاطر ازدواجية السلطة على الأرض، وهو ما نعتبره تجاوزاً لكل ما طالبنا به في الماضي من بناء سلطة وطنية موحَّدة وموحِّدة، تقوم على القواسم المشتركة لكل الشعب الفلسطيني، باعتبار أننا نمر بمرحلة تحرر وطني يجب فيها اتحاد كل قوى الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها، عبر انتخابات ديمقراطية تقوم على نظام التمثيل النسبي الكامل، كما نصت وثيقة الاتفاق الوطني.
الآن عودة القتل والتصفيات الجسدية بين فتح وحماس في غزة، يؤكد أن اتفاق المحاصصة لم ولن يحل الصراع على السلطة بينهما، الحل بعودة الطرفين إلى تطبيق وثيقة الوفاق الوطني بالآليات المقررة وقوانين انتخابية جديدة، تقوم على التمثيل النسبي الكامل.
" : " ".
اننا نعرف جيدا اصل هذا الاتفاق الذي نشرته مجلة الحرية تحت عنوان " " وما تمخض عنه من التزامات على طرفي البرجوازية الفلسطينية والتيار الاسلامي . والذي آل الى نقطة دستورية وهية تشكيل الحكومة من الكتل البرلمانية ، ومن المعروف ايضا لدى الجميع بان الكتل البرلمانية حسب هذة النقطة هي التي تجتاز ما نسبة 5% من مقاعد البرلمان آلا وهي كتلة حماس وفتح . اذا اقتضى تشكيل الحكمة على طرفي النزاع ، ولكن المناداة باشراك باقي الفصائل والكتل البرلمانية الاخري نرى الجبهة الديمقراطية تحل قائمتها البرلمانية "ائتلاف الجبهة مع حزب الشعب الفلسطيني " الحاصلة على مقعدين من مقاعد البرلمان لتحصل كل من جهات ائتلاف الكتلة البرلمانية على حصتها في الحكومة فصائليا ، اتشارك الجبهة في الحكومة " المسماه حكومة الوحدة . ولم تصل الجبهة الى هذا الدرك راسا ، بل مرت بمرحلة تميزت بتراجع تدريجي ، فمع توقيع اتفاق اوسلو كانت الجبهة معارضة بشدة ، ونادت باسقاط الاتفاق ، في عام 1996 رفضت الجبهة المشاركة في الانتخابات للمجلس التشريعي ، بادعاء ان المشاركة تضفي الشرعية على اتفاق اوسلو الاستسلامي . ولكن مع مرور الوقت ، طرأ تراجع على هذا الموقف ، تحديدأ بعدما ركزت السلطة الفلسطينية سلطاتها، وبنت جهازا سلطوينا متضحا في حين بقي اليسار في الهوامش . تولى بنيامين نتن ياهو رئاسة اسرائيل عام 1996 والائتلاف الحكومي الذي شكله اليمين المتطرف ، كانا بالنسبة للجبهة الديمقراطية حجة مناشية للتحالف مع السلطة في مواجهة الحلق اليميني الاسرائيلي . وبذلك اصبح النضال ضد اليمين الاسرائيلي اكثر اهمية من النضال ضد اتفاقات اوسلو والسلطة التي تنفذه ، وسرعان ما بدات الجبهتان الديمقراطية والشعبية عملية الحوال مع عرفات بحثا عن القواسم الوطنية المشتركة . وازدادت حدة التراجع عندما نادت الجبهة الديمقراطية عرفات الى اعلان بسط السيادة على المناطق المحتلة ، من طرق واحد . في الرابع من ايار 1999 . بذكر ان هذا هو التاريخ المعين في اتفاق اوسلو لانتهاء المرحلة الانتقالية ، والذي كان ان يتكلل بان علامة الدول الفلسطينية . بالطبع كان مصير هذة المبادرة الفشل نظرا لتمسك عرفات بعدم اغضاب الطرق الاسرائيلية . ولكن المثير للاستعراب هنا حد موقف الجبهة نفسها التي انتقلت من معارضة اتفاقات اوسلو جملة وتفصيلا الى المطالبة بالالتزام بالجدول الزمني المحدد فيه وتواصل هذا الخط بعد سقوط نتانياهو وصعود بارك فقد نادت الجبهة عرفات للتمسك بان منفذ باراك اتفاق واي ريفر الموقع مع نتانياهو في تشرين اول 1998، وهو نفس الاتفاق الذي سبق للجبهة ان عارضته واستنكرته في مؤتمرين دمشق ورام الله . ويتبين اليوم ان محاولات الجبهة اقناع السلطة الفلسطينية بالعودة للخندق الوطني ، قادتها هي للوقوع في خندق السلطة ، ووصلت اليوم الى درجة عرض خدماتها في ادارة المفاوضات بشكل مباشر مع اسرائيل ، على الاسس المتفق عليها في اوسلو . بحجة تحقيق نتائج افضل من تلك التي حققتها البرجوازية " السلطة الفلسطينية " للآن . وصولا لدخول البرلمان والمساومة في الحكومة حول نوعية الكرسي المطروح ومدى حجمه .. مريح ام لا ؟! ذو ظهر مسنود ؟! منجّد ؟! ام غير ذلك ...!!
اذن هنا بيت القصيد ، فقد تنازلت الجبهة تماما عن طرحها ، او حتى نية استبدال البرجوازية ، وينحصر كل مطالبها بالاعتراف بنشاطها كمعارضة سلمية تعبر عن رأيها دون ان تمس بشرعية السلطة . والخلاصة انه مثلما حذت البرجوازية الفلسطينية حذو مثيلاتها في العالم العربي ، وتحولت الى نظام فاسد وقمعي كبقية الانظمة العربية ، دخل اليسار الفلسطيني ايضا نفس المحنة التي حذر منها اليسار العربي سابقا ، وتحول بذلك الى جزء لا يتجزأ من ازمة اليسار المستفحلة .
والسؤال اليوم بعد ان انتقلت البرجوازية الفلسطينية الى خندق العدو كغيرها من الانظمة العربية ، اين تقف الجبهة الديمقراطية ؟ وما هو برنامجها الاستراتيجي ؟ وبماذا يفسر التراجع عن وثيقة الوفاق الوطني التي حملتها الجبهة برنامجا استراتيجيا واضحا ؟ وهل ما زالت متمسكة بمهمتها الرئيسية المتعلقة بقيادة حركة التحرر ؟ يبدو ان هذه الاسئلة لا تستوقف الجبهة الديمقراطية ولا حتى اليسار اصلا . وكل ما تفعله اليوم هو الانهماك بلقاءات الحوار الوطني مع السلطة لتحصيل مكسب حكومي والاستمرار بسياسة " الاقناع للسلطة " فكنا ننتظر من فصيل يمثل اليسار الفلسطيني نادى مرارا بوثيقة الوفاق الوطني ، ان يطور اتفاق مكة استنادا لوثيقة الوفاق ليتشكل ائتلاف سياسي حقيقي يجسد الشراكة الحقيقية السياسية وليس تجسيد ائتلاف برلماني يحصل فصيل تاريخي عميق بالثورة الفلسطينية على وزارة كالشؤون الاجتماعية بينما قائمة " فلسطين المستقلة " برئيسها مصطفى البرغوثي تحصل على وزارة الاعلام !!!!

البحث عن الحلول خارج الماركسية اللينينية

كلمتان مركبتان ، منهج علمي لتحليل الواقع الاجتماعي ، ودليل للعمل من اجل تغييره ، مصطلح تحليل مكان الاخر في النظام الداخلي للجبهة الديمقراطية المقر في مؤتمر الجبهة لعام 2007 . فبالرغم من امتلاك البرنامج والمنهج العلمي كدليل للعمل الا ان الترجمة على ارض الواقع غائبة والاتصال بالجماهير تكاد تموت جذوره التي كانت منغرسة بداخله . فبدلا من الاحتكام للنظام وبرنامج الحزب في الممارسة العملية ، يحتكم هنا البرنامج لهذه الممارسات ويأتي ليتناغم مع الواقع الذي وصلت اليه الجبهة وليس لتغيير ذلك الواقع .
فمع تفكك الاتحاد السوفيتي بدأت الجبهة الديمقراطية تترجم من جديد مبادئ الماركسية لتلائم المفاهيم الطبقية الجديدة والخاطئة التي تبنتها . في وثيقة الاجتماع العام الثالث للجبهة الديمقراطية التي نشرت في 1994 " بند 2/5/ص87 " ، تشطب الجبهة جوهر الماركسية المتمثل بشعاره " دكتاتورية البروليتاريا " عندما تقول انه : " لم يعد يستوعب ، ولا يعبر بدقة عن التنوع في الاشكال السياسية وفي المضامين الاجتماعية والمهمات والتحالفات الطبقية التي تميز الدولة في مرحلة الانتقال الى الاشتراكية ، وبخاصة في اطوارها وفتراتها الاولى انطلاقا من وضع المجتمعات الرأسمالية المختلفة .
ان استعجال الجبهة بتحديث الماركسية في غير الآوان ودون الاعتماد على تجربة اشتراكية ثورية جديدة ، يفسر التراجع الكبير الذي اصابها . فبدل اعتماد استراتيجية صراع الطبقة العاملة ضد النظام الرأسمالي العالمي ، فضلت تكتيك البحث عن " مساحة مصالح دور اوروبا وروسيا والصين واليابان " .
ويتضح ان تبسيط الماركسية وافراغها من مضمونها الثوري قد اعاد القيادات في الجبهة الديمقراطية الى اصلها القومي البسيط ، والى الاستعاضة عن الرؤية الجدلية للتاريخ بالنظرة البرغماتية . وتناست هذه القيادات الثمن القاسي الذي دفعه الشعب الفلسطيني على سياسة الحاج امين الحسيني الذي كان بين اوائل الذين سارعوا " لاستغلال التناقضات بين الاقطاب الاستعمارية ، فأيد المانيا في حربها ضد بريطانيا ، وانتهى هذا الرهان بهزيمة القضية الفلسطينية وقيام الدولة اليهودية . لقد علمنا لينين في الحرب العالمية الاولى ان واجب العمال هو الامتناع عن تأييد أي من الاقطاب المتصارعة ، والسعي ، بدل ذلك ، الى تحويل الحرب بين الدول الاستعمارية الى حرب اصلية ، بين الطبقة العاملة والبرجوازية الحاكمة ، سعيا لتحقيق الثورة الاشتراكية . فإن نجاح الثورة الوطنية ذات المضامين الاشتراكية مرهونا بالقضاء على الطبقة البرجوازية الفلسطينية التي التحقت برأس المال الامريكي والصهيوني حفاظا على مصالحها الضيقة ، تاركة شعبها فريسة للاستغلال الطبقي ومحروما من الحقوق الوطنية والسياسية .
لقد اصبحت القضية الفلسطينية قضية قيادة وبرنامج ، ولا يمكن ان تجد حلها الا اذا نمت في صفوف الشعب الفلسطيني قيادة جديدة تتمكن من بلورة شعبية كبيرة على اسس البرنامج الاشتراكي ليكون البديل الوحيد للنظام الرأسمالي الجائر .
فالعودة الى الاصل القومي " الفكر القومي " فهو يأتي باللاساس لخدمة الشعوب المضطهدة بل لخدمة برجوازية الدول الرأسمالية المتطورة ! الامر الذي يفسر تحفظ الماركسيين ، وعلى رأسهم ماركس وانجلز ولينين ، رغم تبنيهم المبدئي لحق الشعوب في تقرير مصيرها . فقد ادرك ماركس وانجلز الطابع الجماهيري الثوري للحركات القومية التي زعزعت اوروبا في فترة " ربيع الشعوب " ( 1848 ) ، وعلى خلفية هذه الثورات ومشاركة العمال فيها ، كتب ماركس " البيان الشيوعي " وهو البرنامج العمالي الاول ، وفيه وضع برنامجا مستقلا للطبقة العاملة وعين الخط الفاصل بين المصالح الطبقية للبرجوازية ومصالح العمال ، وحدد انه ليس للعمال وطن ، واختتمه بندائه المشهور " يا عمال العالم اتحدوا ! " . وقد حدد لينين طبيعة الدعم الذي على الطبقة العاملة ان تمنحه للحركة الوطنية :- " القضاء على كل ظلم اقطاعي وكل اشكال الاضطهاد القومي ، وامتيازات امة على امم اخرى او لغة على سائر اللغات . هو واجب الطبقة العاملة بصفتها قوة ديمقراطية ، ولكن مساندة القومية البرجوازية في أمور خارج هذا النطاق معناها خيانة العمال ودعم البرجوازية . هذا هو الخط الفاصل الذي يكون احيانا رفيعا جدا " .
يتضح اليوم ، بعد انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية ، ان الخط الفاصل الرفيع الذي تحدث عنه لينين قد تلاشى تماما في العلاقات مابين الاحزاب اليسارية الفلسطينية وبين البرجوازية الفلسطينية المتمثلة بحركة فتح . وقد غلب الفكر الوطني القومي على الفكر الطبقي ، وكانت الثقافة الوطنية اقوى بكثير من الثقافة العمالية الاممية ، الامر الذي زاد نفوذ البرجوازية الوطنية في صفوف الطبقة العاملة الفلسطينية .
ان انهيار المشروع القومي الفلسطيني لم ينجم عن انتقال البرجوازية الفلسطينية الى معسكر الاستعمار الصهيوني فحسب ، بل عن انهيار البرنامج اليساري المعارض لاوسلو . فقد فشلت المنظمات الفلسطينية اليسارية ، وتحديدا الجبهة الديمقراطية في الخروج عن الاجماع القومي ، وطرح بديل طبقي للطريق المسدود الذي انتهت اليه البرجوازية المتمثلة بالسلطة الفلسطينية . واذا كان ماركس ولينين قد دعما الحركات الوطنية ، فلم يغب عن ذهنهما قط الهدف الاساسي الثوري للطبقة العاملة ، وهو الوصول الى السلطة وبناء النظام الاشتراكي . وكان واضحا للماركسيين ان الاساس الاجتماعي والاقتصادي الموافق للبرنامج القومي الوطني هو النظام الرأسمالي الذي يعزز مكانة الطبقة البرجوازية وثقافتها ، وبما انهم ادركوا ان هذه مرحلة لا بد منها في الطريق نحو تحقيق الاشتراكية ، فقد رأوا ضرورة تربية الطبقة العاملة على الثقافة الثورية للماركسية اللينينية ، من خلال ابراز النواة بينها وبين الثقافة الوطنية البرجوازية . وقد مكنت هذه التربية البلاشفة الروس بقيادة لينين من الحفاظ على استقلاليتهم والوصول الى السلطة وتأسيس الاتحاد السوفيتي ، هذا في حين انخرطت سائر الاحزاب السياسية الاشتراكية ، ومن بينها المناشفة الروس ، في برنامج الجمهورية البرجوازية ، وانضمت الى معسكراتها في حربها ضد النظام الاشتراكي السوفيتي لاحقا .
اما الجبهة الديمقراطية فقد سلكت الاتجاه المعاكس حين رهنت النضال التحرري بالتحالف مع البرجوازية ، على قاعدة ما يسمى بـ " القواسم المشتركة " . وتبعا لذلك اصبح التناقض الطبقي امرا ثانويا بينما اصبح التناقض مع العدو الصهيوني امرا رئيسيا ، الامر الذي فتح المجال امام تحقيق الائتلاف الواسع بين مختلف التيارات في منظمة التحرير الفلسطينية سابقا والحكومة المسماة بحكومة الوحدة الوطنية لاحقا ، التي رأت في نفسها كتلة وطنية واحدة ، وفقدت تماما وعيها الطبقي المستقل .
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي استعجلت احزاب شيوعية كثيرة في العالم بالتخلي عن الجوهر الثوري للبرنامج الماركسي المتمثل بدكتاتورية البروليتاريا التي تعني قضاء الطبقة العاملة على الطبقة البرجوازية ، ومصادرة مقاليد الحكم والاقتصاد منها ، وقد اصاب هذا التراجع الفكري اليسار الفلسطيني فأفقده برنامجه الفكري الثوري بعد ان فضلت البرجوازية الفلسطينية التحالف مع اسرائيل على حساب الطبقة العاملة الفلسطينية ، وحلّت بذلك التناقض بينها وبين الاحتلال .
سقط مبرر اليسار الفلسطيني للتحالف معها ، وتحول التناقض بين اغلبية الشعب والطبقة العاملة من جهة وبين السلطة الفلسطينية من جهة اخرى الى تناقض رئيسي لنشهد تحول اخر في برنامج اليسار الفلسطيني المتمثل بالجبهة الديمقراطية بعد الانحراف عن الماركسية اللينينية وجوهرها ، للانتقال للاشتراكية العلمية ، كما هو الحال بالطبع لبرنامج حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني " فدا " المنشق عام 1990 عن الجبهة الديمقراطية بزعامة ياسر عبد ربه ، والمذكور في الورقتان الاولى والثانية التي حملتها " فدا " في انشقاقها .
ان المصير الذي آل اليه اليسار الفلسطيني وفقدانه الدعم الجماهيري ، اشارة الى عدم امكانية بناء برنامج وطني سيلم بمعزل عن الرؤية الشمولية للعالم ، ومن يريد اليوم ايجاد الحلول خارج التغيير الماركسي اللينيني بجوهره الثوري " دكتاتورية البروليتاريا " ، وضمن الاطار العالمي الرأسمالي القائم ، لا بد ان يقبع في خندق البرجوازية الكومبرادورية ، ويلتحق بمسيرتها تحت غطاء تصحيح طريقها او انقاذ ما يمكن انقاذه من الخراب الذي احدثته .
ان واجب الطبقة العاملة والشعوب المضطهدة في العالم اجمع ادراك التنافر بين الاقطاب الرأسمالية المختلفة ، واكتشاف ثغرات هذا النظام ، بهدف تغييره بنظام عالمي اشتراكي جديد .