الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة عمال المناجم المغاربة في شمالي فرنسا”

ماري سيغارا
2024 / 5 / 6 - 13:59     


من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة عمال المناجم المغاربة في شمالي فرنسا”، للكاتبة ماري سيغارا

Cegarra, Marie. « Quatrième partie. La lanterne magique ». La mémoire confisquée, Presses universitaires du Septentrion, 1999, https://doi.org/10.4000/books.septentrion.122023.

الضوء على الرأس

منذ عام 1956، أرسلت المناجم بعثة إلى وزارة العمل المغربية والسفارة الفرنسية في الرباط لتشجيع إدخال العمال المغاربة بشكل انتظامي أكثر إلى فرنسا.

عرضت المؤسسة تقديم جواز سفر مجاني للدخول القانوني إلى فرنسا، ومنح عقد عمل وتصريح إقامة، ونقل جوي مجاني، وإقامة جماعية وتدريب مهني.

أعلن المدير العام للمؤسسة، موريس مانجي، التالي: (69)

“في ذلك الوقت، حصل تحول فعلي. كنا نتجه فعلياً نحو الركود؛ وكانت هذه السياسة المتبعة فعلياً. فأول شيء فعلناه هو القول: “نحن لن نوظف المزيد من المواطنين، لأننا لن نضمن لهم تقاعداً كاملاً”. كانت هذه النقطة الأساسية لأن أغلب العمال المغاربة قد عملوا لمدة 18 شهراً عادوا بعدها إلى بلادهم. أكثر من ذلك، تمكنا من التخلص منهم عند إقفال المناجم بشكل أسهل بكثير من العمال الفرنسيين. ويجب الإعتراف بأنه حتى الآن، كان الركود في المناجم يمر دائماً بشكل جيد، فلم يسرح أي عامل مطلقاً. فقد تقاعدوا بشكل عادي أو بشكل مبكر، أو نقلوا إلى أماكن أخرى، في صناعات أخرى. قبل وقف التوظيف، كان هناك عدد قليل جداً من الفرنسيين الذين يعملون في المناجم لأنه حصلت عدة كوارث منجمية في المنطقة. بعدها انتشر السحار السيليسي [مرض رئوي]. وقد شهد الفرنسيون موت الكثير من عمال المناجم وهم في سن مبكرة جدا. وهذا خلق نوعاً من الرعب وبالتالي رفض الشباب الذهاب إلى المنجم، وقد شجعهم أهلهم على هذا الرفض. من كان مستعداً للتضحية بحياته من أجل المنجم لم يرسل أولاده.

هذه هي مشكلة العمال ذوي الياقات البيضاء بشكل عام، لم يعد أي أحد يقبل العمل المضني بعد الآن. لقد تأثرت المناجم بشكل كبير. وكان طبيعياً منذ الإعلان عن نهاية هذه الصناعة توجيه كل سياستنا باتجاه إغلاق المناجم. لذلك وجدت المناجم ملاذاً لها في العمالة الأجنبية واستدعت المغاربة.

أكثر من ذلك، لم تحقق حتى الأهداف الإنتاجية للمناجم… دوماً كان السبب نقصاً في العمال. فالمناجم بحاجة إلى عمال، وخاصة في الأعماق، عمال حقيقيين، الذين ولأسباب مختلفة جرى نقلهم وينبغي استبدالهم. تضمن حوض نور-با-دو-كاليه عدداً من مجموعات العمل، في دواي، ولانس وهينين-ليتار وفالانسيين.. وقد كانوا مستقلين نسبياً يهتمون بمسألة توظيفهم فقط. وكان من الضروري توظيف عمال من خارج البلد، ولهذا السبب أقمنا خدمة فريدة من نوعها”.

أوكلت هذه المهمة إلى فيليكس مورا.

جرى توظيفه من أجل تولي خدمة رعاية العمال الأجانب، وكان فيليكس مورا يتحدث العربية ويعرف المنطقة بعد أن زارها في مناسبات عديدة. وكانت مهمته العثور على شباب أقوياء من أجل العمل في المناجم. أدركت المناجم، بخبرتها في توظيف العمال الأجانب أن هذا النوع من التوظيف كان أكثر فعالية من توظيف [أشخاص غير معروفة قوتهم]. وهكذا، استكشف فيليكس مورا الأوضاع مباشرة في الميدان وتولى الأشخاص الذين يرافقونه كل عمليات الإختيار وتوزيع العمال المغاربة حسب إحتياجات كل وحدة.

“حصل ذلك عامي 1948-1949. وصل إلى مكتبي إشعار من قبل المقر العام للمغرب، أن مؤسسة الفحم الفرنسية تبحث عن يد عاملة مغربية. ولا يمكن هذا التوظيف أن يحصل من دون تدقيق. وقد أوكل التدقيق إلى موظفين مغربيين يتحققون من عدم وجود أي استغلال للقوى العاملة المذكورة. ثم تقدمت بطلب وجرى قبوله. وجدت نفسي في نور-با-دو-كاليه. ولكنني كنت ما زلت في الجيش. لقد كنت ضابطاً منتدباً من المقر العام للمغرب ومسؤولاً عن 3 مجموعات: إينين-ليتار-وانيي ولانس.

عام 1950 دخلت في ملاك المناجم. لم يكن لدي أي مشكلة في الانضمام إليها. وقد لاحظت يوماً بعد يوم أن المسؤولين كانوا دوماً يحترمون العمال الأجانب.

كان الأشخاص الذين وظفهم المكتب الوطني للهجرة جاهلين للغاية وكان دوري بشكل أساسي اجتماعياً. تخيل أنه كان علي الاهتمام بكل شيء، السكن، والطعام، ولأن هؤلاء الأشخاص أرادوا توفير أكبر قدر لم يكونوا يأكلون بشكل صحيح. وقد ساعدتهم على البقاء على اتصال مع عائلاتهم. وإذا حصلت حادثة وفاة، كنت أتكفل بإعادة الجثمان إلى بلاده. وإذا أصيب أحدهم، كنت أزوره في المستشفى. وبما خص بالإرث والزواج كل شيء كان يمر تحت يديّ. كنت ملزماً على النزول إلى أعماق المناجم مرتين أو ثلاث مرات بالأسبوع، حتى أراقب ظروف العمل والتأكد من أن رواتبهم كانت معقولة. لم يعرفوا أحداً غيري. وقد اهتميت بإرسال مدخراتهم عن طريق التفويض. وإذا أسيء استخدام هذه التفويضات، كنت أتدخل. في ذلك الوقت، كنت أهتم بـ 4000 مغربي، ولكن كان لدي ما يصل كذلك إلى 10 آلاف. كان مكتبي في بيلي-مونتيني وكنت أتجول بسيارتي بين المدن. كان رئيسي القائد داشون، المسؤول عن الخدمة الإجتماعية لليد العاملة المغربية”.

حتى عام 1963، كان يتم توظيف عمال المناجم المغاربة عن طريق البعثة، ومن ثم بعد توقيع الاتفاقية الفرنسية-المغربية، تولى فيليكس مورا مسؤولية هذه البعثة حتى سنة 1977.

“في الواقع، عندما استدعى حوض نور-با-دو-كاليه اليد العاملة المغربية من جديد، كنت أنا المسؤول عن الذهاب إلى هناك. لذلك، في الفترة الممتدة بين 1956 إلى 1977 وظفت 78000 مغربيا وأدرت 33 مجمعاً سكنياً للعازبين”.

ولإقامة مثل هذا النظام مع السلطات المغربية، فاوض وحصل على موافقة وزير العمل المغربي من أجل تسليم جوازات السفر، وموافقة السفير الفرنسي في الرباط لإصدار تأشيرات الدخول، وموافقة المكتب الوطني للهجرة للحصول على العقود. ومن ثم، تواصل مع محافظي المناطق لتحديد مناطق التوظيف [إجراء المقابلات]. وقد فعل نفس الأمر مع المسؤولين المحليين في القرى والبلدات.

وهكذا جال فيليكس مورا في الصحراء المغربية، وجمع عناوين المرشحين للهجرة، ومن ثم جال من باب إلى باب. وقد استقطب أعضاءً من عائلات عمال المناجم السابقين والذين كانوا على استعداد للسفر.

“في البداية، طلبت عناوين المغاربة الذين عملوا في نور. فجمعت ألفي اسم وتجولت (70) أطرق كل الأبواب”.

شيئاً فشيئاً، عندما بدأ فيليكس مورا جولته الكبرى، تجمع آلاف المغاربة في مكان التوظيف، وقد جاؤوا من السهول القاحلة أو الجبال البعيدة، وانتظروا أيام كاملة لمقابلته.

“في نهاية تشرين الأول/أكتوبر عام 1974، انتشر الخبر عبر جنوب المغرب من قرية إلى ثانية، ومن واحة إلى أخرى: “مورا قادم!”، فانتقل البدو بواسطة الجمال المسالمة عبر السهول الحصوية الهائلة…

في غوليمين ورزازات وتزنيت هتف الأطفال وعلّقوا، كانوا يعلمون ما الذي يتحدثون عنه: أنا كذلك سأذهب إلى المنجم مع ضوء على رأسي”. (71)

سوق العبيد؟

عمل فيليكس مورا لساعات مديدة إلى درجة أن يديه اصطبغت باللون الأزرق عند ملامسته الأجسام المدبوغة بصباغ الملابس، وأضاف:

“الجميع مر أمامي، منذ سنة 1956، جُلْتُ في وادي سوس وتعاطيت مع 66 ألف عامل”.

مر أمامه المرشحون عراة الصدور في أول عملية إنتقاء. وجرى اختيارهم وفق مظهرهم الجسدي. وكانت المعايير على الشكل التالي: أن يتراوح عمره بين 20 و30 سنة، وألا يقل وزنه عن 50 كيلو، التمتع بنظر سليم، ويكون الإختبار الصحي مرفقاً باستجواب سريع حول المهن السابقة التي عمل فيها المرشح، وذلك لفهم قدرته على العمل في المنجم بشكل أفضل.(72)

أعد موظفو مناجم الفحم اللوائح، وكان المسؤولون المغاربة موجودين كذلك هناك، ولو اقتصر دورهم على إعطاء هوية رسمية للبدو الذين لا يملكون واحدة، لذلك:

“كل يوم باتوا أكثر عدداً، إذا كان المسعى كان لتوظيف 300 أو 400 فقد كان يأتي 5000 أو 10000، وتسببت كل زيارة من هذا النوع بتضاعف الأعداد.

يضيف فيليكس مورا:

“لم يكن هناك نقص في الناس. حيث كنت أريد 300، كان يحضر 700 إلى 800 وحتى 1000. لاحظوا هذه الأرقام الدقيقة. عام 1964، تقدم 52247 اخترنا منهم 8424. عام 1976 تقدم 62000 فاخترنا 1751، وعام 1977، 677 من أصل 24000. لقد نفذت 9 مهام، وقد تقدم 451510 مرشحاً”. (73)

هناك الكثير ممن استدعوا ولكن القليل منهم ظهر اسمه في اللوائح النهائية، لأنه من الضروري ألا يتعرض لمرض معدٍ ولبتر أو تشوه، وخاصة ألا يكون ملاحقاً من الشرطة المغربية. تفحص مورا الأسنان والعمود الفقري، ثم ختم المرشح بختم حبري من لونين مختلفين لتمييزه عن سواه.

“إذا ختم مورا على صدرك باللون الأخضر، هذا يعني الموافقة على اختيارك، والختم الأحمر يعني أنك رفضت”.

هذا الفرز أقصى ثلثي المرشحين. وكانت المجموعة المختارة تتجه، بواسطة وسائلها الخاصة، إلى المستشفى، للخضوع هذه المرة لفحص طبي معمق وفق اتفاقية 1963.

من أُعلن عن توافقه مع المعايير كان يمر عبر بعثة المكتب الوطني للهجرة في الدار البيضاء للتوقيع على عقد العمل الخاص بهم قبل المغادرة إلى فرنسا.

“في كل زيارة يستبعد أكثر من نصف المتقدمين. في البداية كنا 3000 شخص، وفي مراكش، لم يبق سوى 2000، وفي الدار البيضاء جمع كل من جاء من أكادير وورزازات، واستبعد الآخرون”.

بلاد الوفرة

وصل الحماس للعمل في المناجم إلى أعلى مدى وسعى الجميع إلى اختيارهم.

كانت تعتبر فرنسا بلاد الوفرة، غذتها أخبار الذين رحلوا وطلبات الهجرة الكثيرة. كان الإختيار قاسياً، للتحايل على النظام، سعى البعض إلى استغلال بعض الثغرات. فقصة أ. كاشفة في هذا الإطار، وستؤمن لنا فهماً أفضل لبعض المشاكل التي طرحت على المناجم خلال إعادة التحول.

“ولد والدي في قرية صغيرة قريبة من مراكش، وعمل فعلياً في منجم للفوسفات. حلم بالأسطورة الفرنسية واتخذ قرار الرحيل. وعلى العكس من رأي والده وبعد إبلاغه بزيارة مورا، قدم طلباً. مع ذلك، كان بحاجة إلى إذن. سمح له عمه بأخذ هوية ابن عمه وبهوية مزورة وتفويض مزور، غادر للعمل في المناجم عام 1964”.

إن مشكلة الهوية المزورة تستحق المزيد من الدراسة لأنها تشير، من ناحية، إلى تنظيم الأسرة، ومن جهة أخرى، إلى الغموض الإداري للأحوال الشخصية. وكان لعدم معرفة تاريخ الميلاد أثر على تكوين ملفات التقاعد، حيث غيرّه بعض العمال قسراً أو طوعاً.

إن الإدارة العامة للمجتمع المغربي تتركز في المراكز الإدارية الرئيسية في المدن الكبرى. عند ولادة الطفل، لا تحصل عمليات التسجيل بشكل نظامي، إنما ينتظر الأهل فرصة الذهاب إلى المدينة لفعل ذلك، أو ينتظرون مرور المندوب بشكل دوري. ولذلك لا يحصل الإعلان عن بعض الأطفال أو يعلن عنهم في وقت متأخر، وهذا ما يفسر أعمارهم الوهمية. عند الإنتهاء من الخطوات يحصل التسجيل كالتالي:

الإبن: ابن فلان + الاسم الأول + المكان

البنت: بنت فلان+ الاسم الأول

ونتيجة لذلك، بالنسبة لأولئك الذين يعرفون الأماكن والسلالات العائلية كان ذلك كافياً لتحديد اسم القرية والوحدة الإدارية. من ناحية ثانية، بالنسبة لأولئك الذين هم من خارج هذه الثقافة، كان مستحيلاً إنطلاقاً من الأسماء الأولى وحدها التمييز بين شخصين من نفس العمر أو من نفس العائلة. أخيراً، من المفيد الإشارة إلى أن بعض العائلات الممتدة التي تربط بين الأقارب والحلفاء والمتحدرين من عدة أجيال، تكون السلطة بيد الأب أو العم الذي يتخذ القرار النهائي.

الأغاني والقصائد الأمازيغية

عمل مورا المستمر في مجال التوظيف جعل من اسمه معروفاً. سمعته كانت كبيرة جداً، لدرجة أنه كان بإمكانه توظيف المزيد. خلال السبعينيات، تردد اسمه في مناطق أخرى، خاصة تلك الموجودة على الساحل، التي جذبت الشباب المغامرين الذين يتوقون الحصول على جواز السفر المقدم مجاناً.

وهكذا تشكلت ثقافة شعبية بكاملها حول الهجرة ورحيل الرجال. كان لفيليكس مورا تأثير كبير على سكان جنوب المغرب لدرجة أنه سُجِّل في الذاكرة الجماعية. بعض الأغاني والقصائد الأمازيغية تروي وصوله:

“في زمن مضى اشترى الرجال العمال

يا مورا العبد، أخذتهم إلى باطن الأرض

اختار التيس وترك النعجة

يا بنات! ضعن حجاب الحداد

مورا أذلنا ورحل.

يا من في الخارج، فليضاعف الله آلامكم

من كان في فرنسا مات

وترك أطفاله

فرنسا هي السحر

من يصل [إليها] يستدعي الآخرين”

في المقابل هناك أغاني أخرى تمدح خيار الهجرة:

“سأحدثك عن أشياء مختلفة تماماً

لقد رحلوا كلهم، ولم يبقَ أحد للتحدث معه

ذهبوا إلى سانت إتيان أو باريس

ولكن من هاجر لإنقاذ أهله ليس مخطئاً

كلهم رجال طيبون وأبناء عائلات طيبة

هناك، عندما يلتقون، يحبون بعضهم كالأخوة

ليس لدينا ما نقوله عنهم

لقد ذهبت إلى سوس، وهاها، وسافرت عند مختلف العشائر

حتى المقابر بنيت للعمال في فرنسا والمساجد

كم هو عدد المنازل التي دفعنا ثمنها بحوالة من باريس

كم من فقراء باتوا أغنياء خلال العمل في المهاجر

الآن باتت الحكومتان صديقتين

وقد أعطانا الله حكومة تحمينا

لم يعد السفر صعباً براً أو بحراً

من يريد السفر لم يعد من عقبات أمامه”. (74)

مات فيليكس مورا ولكنه ما زال موضوع استياء، فقد أثارت طريقة اختياره للعمال الكثير من الشجب ورد مورا وقتها:

“ما الذي كان يمكن فعله؟ توظيف أي شخص بحيث يُرفض عندما يصل إلى فرنسا؟ كيف كان سيشعر هؤلاء الأشخاص غير المؤهلين؟ لكانوا شعروا الخيبة والمذلة عندما قضي على آمالهم [بالسفر]”. (75)

من جهة أخرى، كتب موريس مانجي عنه الملاحظة التالية في كانون الأول/ديسمبر عام 1964:

“فيليكس مورا رئيس ممتاز لبعثة التوظيف في المغرب. جرى بداية تكليفه بالبحث من قبل نائب مدير مجموعة هينين-ليتار، وقد تواصل مع السلطات المغربية في محافظة أكادير وحصل منها على تراخيص، بحيث اتصل بمهارة مع الوزارات المغربية والسلطات الفرنسية بالرباط. وبفضله نظمت مهمة التوظيف، واقتصرت البداية على مجموعة هينين-ليتار ومن ثم توسعت بسرعة لتشمل الحوض بأكمله. بقيت البعثة غير رسمية حتى بداية العام 1964، عندما أقيم المكتب الوطني للهجرة في الدار البيضاء، بعد اتفاق بين الحكومتين الفرنسية والمغربية.

يدين الحوض لمورا تأسيس منظمة رائعة للتوظيف حققها بواسطة وسائل جداً محدودة. وقد قام بمهمة دقيقة للغاية تقريباً بمفرده، دون أن يؤذي أي أحد، وفي بعض السنوات وظف 5000 عامل مغربي.

وإنطلاقاً من هذه الإحصائيات أبرمت الاتفاقية بين الحكومة الفرنسية والحكومة المغربية الموقعة في حزيران/يونيو 1963.

إنه موقف جماعي تجاه المهمة التي أنجزها فيليكس مورا والتي دونتها خلال رحلتين لي إلى المغرب في آذار/مارس 1963 ونيسان/أبريل 1964”.

الوصول إلى فرنسا

في الدار البيضاء، أُعلِم المرشحون للهجرة بظروف العمل والسكن من خلال عرض فيديو مسجل بلغتهم. وفي نهاية التدريب، نقلوا بالطائرة ووصلوا إلى مطار ليل-ليسكين. واستقبلهم ملحق مغربي ومن ثم ينقلون بواسطة الباصات إلى مركز الإستقبال في نويل-سو-لانس. لاحقاً يغادر جزء منهم إلى لورين بعد عدة أيام.

خلال جلسة إعلامية أولية، يوفر المسؤولون عن استقبالهم كل المعلومات المهنية والاجتماعية باللغة العربية. ويتلقون مبلغاً من المال لشراء مشترياتهم الشخصية الأولى. وتوزع عليهم ملابس العمل الزرقاء وكذلك التجهيزات الكاملة للعمل في المنجم. مساءً، يوزعون على مراكز حيث ستكون إقامتهم. وعندما يصلون إلى هناك، سيجدون معدات الطبخ والأسرة للنوم. يوزع عليهم الطعام خلال النهار، ما عدا المساء وأيام العطل حيث يكون عليهم الطبخ بأنفسهم. خلال الإقامة، تستكمل كل الإجراءات الإدارية، من بينها فتح حساب مصرفي، وترتيبات تحويل المال للعائلة في المغرب، وملف المنح العائلية للمعنيين. ويتلقون تدريباً مسبقاً يتكون من تعليمهم الإجراءات الأساسية المتعلقة بالعمل وقواعد الأمان. وفي النهاية، يستفيدون كذلك من فترة تدريبهم من دروس باللغة تسمح لهم اكتساب أساسيات اللغة الفرنسية.

في نهاية التدريب، يوزع العمال على مواقع العمل الـ 32 الممتدة بين لانس إلى فالنسيين. ويوزع العمال على مراكز الإقامة كل مجموعة مؤلفة من 4 إلى 6 أشخاص يسكنون في شقة صغيرة (مكونة من مطبخ وغرفتي نوم أو 3 غرف). ويوجد في كل مركز إقامة صالة استرخاء مشتركة مع تلفزيون).

من أجل مساعدتهم على حل كل مشاكلهم الإجتماعية أو المهنية، يمكن مساعدة العمال المغاربة من قبل المراقبين الاجتماعيين المتحدثين باللغة العربية وكذلك إختصاصيين اجتماعيين مزدوجي اللغة يحصل اختيارهم بناء على اتفاق مسبق مع القنصلية المغربية، وذلك لمتابعة أحوالهم النفسية والعلاقات الإنسانية فيما بينهم، والعلاقة المباشرة مع الهرمية الإدارية والعمال أنفسهم. (76) في مراكز الإقامة، يكون مديرها مسؤولاً عن الخدمات المؤمنة (السكن، التدفئة، الفرش والغسيل).

وقد سهل هذا التنظيم تشغيل وإدماج المغاربة في مناجم الفحم، وضمن لمن تبقى منهم إمكانيات تحقيق الأهداف الأساسية التي حددوها لأنفسهم عند هجرتهم.

في مكان تكليفهم، يواصلون تعلمهم في موقع التدريب، ضمن مجموعات صغيرة، تحت إشراف مدرب مغربي. لكن تدريبهم الحقيقي سيتعلمونه خلال العمل مع زملائهم الأكثر خبرة لأن الهدف هو اكتساب الوسائل اللازمة لحل المشاكل المتعلقة بمهمة محددة وليس الحصول على تدريب مهني أكثر طموحاً.

“عندما أتينا إلى فرنسا، لم نكن نعرف ما هو المنجم. وقد تدربنا في المدرسة خلال 8 أيام، ولاحقاً قالوا لنا: “ستذهبون إلى المنجم”. اليوم الأول، كان الأمر مستحيلاً، ثم بقيت الأمور على حالها لأننا تعلمنا القليل في المدرسة. لقد شاهدنا الصور ورأينا الأحجام والأدوات والدعائم. في اليوم الأول، علموني كيفية الحفر، وبعد ذلك إعتدت على ذلك”.

الأعمال في المناجم

“كان الفرنسيون معدودين، في الكثير من الأوقات شغلوا مناصب إدارية.

ظروف استغلال المنجم لم تكن سهلة. وعلى الرغم من استمرار جهود التركيز والتحديث منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن الحقيقة أن الظروف الجيولوجية بقيت عائقاً أمام استخراج الفحم. غالباً ما اقتصر النفق على عرض مترين إلى متر واحد فضلاً عن مشاكل تدعيم معقدة. إن تنوع المنحدرات التي علينا مواجهتها تتطلب استعمال أساليب عمل مختلفة، خاصة في المواقع الشديدة الإنحدار. وأخيراً، كلما كان الإستخراج أعمق، كلما ازدادت الحرارة. وزادت مشقة العمل وقل نشاط العمال. من الضروري زيادة وسائل التهوئة دوماً. بالإضافة إلى ذلك، إن تسرب الغازات كان شديد الأهمية.

بالتالي كانت ظروف العمل غير صحية وصعبة. يعتبر الغبار مضراً جداً عند تنشقه بالقرب من أماكن الحفر وتفريغ الحجارة. كذلك، يمكن أن يشكل في ظل ظروف معينة، خطراً متفجراً يصيب البشر بأضرار (عند انتشار الغبار). ويمكن تحييد هذا الغبار عن طريق الرش بالمياه. وأخيراً، يستمر العمل طوال الليل بعد تبديل العمال.

وعندما يصلون إلى التقطيع، يقوم المشرف بتوزيعهم على منطقة التقطيع. على سبيل المثال إذا كان طول المنطقة مئة وعشرين متراً، يوزعهم المشرف على مجموعات مكونة من 5 إلى 6 أشخاص، في كل أنحاء المنطقة المحددة. ويعملون ضمن فرق، فريق نهاري وفريق ما بعد الظهر، عليهم كذلك إنزال المعدات، سواء الأخشاب المستعملة للتدعيم والأعمال ذات الصلة. وتكون ثقيلة جداً، خاصة خلال فصل الشتاء عندما تهطل الأمطار.

التدعيم

تعتبر عملية التدعيم عملية معقدة تستدعي تركيب المواد اللازمة (الدعائم، الخشب، والسياج) لدعم عملية الحفر. ويكون العمل مختلفاً بين الحفرة التقليدية وتلك الممكننة. في الأولى، يعتمد العامل على قوته الجسدية: فهو يرفع الدعائم، ويضبطها ويثبتها. ما يعطي القوة اللازمة لتثبيت السقف. في الثانية، فهو يتحكم في مجموعات الدعم الهيدروليكي. وفي الحالتين، الإنتباه مطلوب. (77)

تتطلب هذه المهمة قوة جسدية متكررة. ولا يتطلب إنجازها أساليب فكرية معينة أو معرفة باللغة. الاستيعاب يقوم على حفظ بسيط للتقنية المطلوبة. يدفع أجر العامل وفقاً لعدد القطع الخشبية المركبة أو المتفجرة أو بحسب المسافة التي يقطعها خلال نوبة العمل في موقع أحدث.

النجار، هو العامل الذي يعاني من أكبر قدر من المصاعب. لديه مسار طويل أمامه. حسناً، إذا أراد كسب 20 ألف فرنك، يجب عليه أخذ 12 إلى 13 إطار، كل واحد طوله 2،40 متر، وكل إطار مثبت بواسطة 4 دعامات. حسناً، ليكسب هذا المبلغ عليه تثبيت على الأقل 140 إلى 150 دعامة.

إنهم عمال اعتادوا على القيام بالعمل الصعب، وهم عمال متعاقدون، لم يذهبوا أبداً إلى المدرسة. وهم يعتقدون إنه بواسطة آلة حفر يمكن فعل كل شيء. إذاً، بالنسبة له، يقتصر الأمر على تكسير الحجارة، وهذا كل شيء.

إنهم يعملون على القطعة، وكما تعلمون يرسل المغاربة كل مالهم إلى البلاد، لذا ما يهمهم هو “أيام العمل”. لذلك، إذا لم ينته العمل المطلوب، فإنهم يكملونه ويأكلون بعد ذلك. في حين، في أوقات سابقة، كنا نتوقف في الوقت المحدد، ونأخذ كل وقتنا للتدخين… من ثم، كما تعلمون، الإطار يبلغ طوله 2،50 متراً، ويجب تثبيته في السقف، وبما أن المرتفعات لدينا فيها منحدرات، كنا مجبرين على العمل صعوداً. ولحسن الحظ، إن المغاربة كانوا على استعداد للقيام بهذا العمل، لأننا لم يعد بإمكاننا القيام بالعمل الذي يقومون به. يفعلون ذلك لبضع سنوات، ومن ثم يرحلون.

الإنهيار

هي عملية تقوم على التسبب بالانهيارات الأرضية. بعد التدعيم، كما رأينا، بواسطة الأطر والدعائم، يتطلب الأمر إزالة الدعائم الخلفية مع تقدم العمل، للقيام بذلك، يقوم الناسف، المجهز بمطرقة أو معول، بضرب الدعائم وإزالتها، واحدة تلو الأخرى، ما يتسبب بانهيارات قطع التماس. دعونا نتذكر أن الضربات تحمل مخاطر وقوع حوادث خطيرة نظراً لاحتمال حدوث انهيارات أرضية لا يمكن السيطرة عليها.

الفصل

إنها عملية تسمح بفصل الخام عن الرواسب عن طريق التكسير إلى كتل يمكن نقلها.

في السابق، كان عمال الفصل يقومون بهذا العمل عن طريق آلة حفر، ولكن بعد التحديث، على سبيل المثال، استبدل العامل بآلة تتولى هذا العمل، وهي نوع من صندوق، ينزلق على الأرض خلال سحج الفحم. يتحرك ذهاباً وإياباً من بداية النفق إلى آخره، فيمتلىء بالفحم في الطريق ثم يفرغ حمولته في العربات.

ولكن في المناطق الطرفية كانت الآلة لا تستطيع الوصول. هناك كان يحصل تقطيع الفحم يدوياً باستعمال آلة حفر الصخور أو بواسطة المعول. وفيها تصل درجة الصعوبة وعدم الراحة إلى أقصى درجة. وتكون الأمكنة ضيقة بحيث لا يمكن إتمام حركة الضرب بأوسع مدى ويجبر الجسم على اتخاذ وضعيات متعبة. إضافة إلى ذلك، تسبب آلة الحفر الإهتزاز والتلوث السمعي، دون أن ننسى التعرض الكبير للغبار المضر.

السيّاج

يكرر السيّاج عمله بربط السياج القديم بذلك الجديد، لتجنب سقوط الحجارة. عمل بسيط ومكرر ولا يتطلب مهارة بدنية محددة، إنما يتطلب من العامل القيام بمهمته، وهو بوضعية الركوع، وسط غبار التقطيع.(78)

وفي كثير من الأوقات يخفض السياج لتعليقه عند مستوى الخصر، ومشكلاً بذلك نوعاً من الحماية. بمجرد تثبيت السياج، يقوم العامل بهدم الفحم. وما إن يعبر مسافة 2،20 متراً، يخفض العامل السياج. ويعلق آخر سلكاً من الحديد في الإطار الذي يبلغ طوله 2،50 متراً. عند كل 20 سنتمتراً يثبت مسماراً، هذه العملية تسمى “التعليق”. إذا لم تنتهِ هذه العملية، لا يمكن تشغيل آلة الحفر.

المعلّق والمفكك

يقع موقع المعلق والمفكك عند سفح القفص. تمر أمامه العربات المليئة بالفحم، ومن جهة العربات العائدة من السطح. وتقوم مهمته على وضع التعليقة أو فكها. وهو عمل رتيب وبسيط.

الضابط

إن موجه العربات يشبه إلى حد كبير من يعمل في تبديل السكك الحديدية. فهو يوزع العربات على السكة في المواقع المختلفة من الحفرة. وهو بموقع الإشراف والمسؤولية ويتطلب إنتباهاً كبيراً. يجب عليه معرفة القراءة والتحدث باللغة الفرنسية لأن التواصل ضروري. ويتطلب [عمله] إجراء اتصال هاتفي بشكل مستمر مع سطح الموقع ومديري المواقع المختلفة. وهي وظيفة متقدمة، لم يعمل فيها أي شخص من المغاربة لأنهم لم يعرفوا التحدث أو الكتابة أو القراءة باللغة الفرنسية.

المسؤول عن مراقبة الغاز

يسمح مقياس الغاز بمراقبة كمية الميتان في موقع العمل. ووفق النتائج، ينذر الأمن أو يبلغ الفريق بضرورة إخلاء الموقع. وفي نهاية نوبة عمله، عليه كتابة تقرير عن حالة المواقع، الأمر الذي يتطلب معرفة باللغة المكتوبة والمحكية، والتي، من جديد تستثني عمال المناجم المغاربة، الذين سيكونون قادرين، في أقصى الحالات، على مرافقة مراقبي الغاز.

نقل المواد

تتمثل مهمة ناقل المواد في تحميل وتفريغ المواد من العربة التي يقودها بنفسه. وتتألف من سلسلة عربات تسير سكك حديدية. يأخذ العامل المواد من العربة، ومن ثم يثبتها عن طريق شد السلسلة، ويتصل بواسطة الهاتف الداخلي، بسائق القطار الموجود في الطرف الآخر من الموقع بأنه انتهى. ينفذ هذا العمل المتعب في الممرات.

كل هذه العمليات تسمح باستخراج الفحم ومن الضروري إنتاج أكبر قدر ممكن. يتحدث العديد من موظفي المناجم عن شجاعة عمال المناجم المغاربة، ويشددون على وجود منافسة شديدة للحصول على العمل الأكثر صعوبة.

“يفضل عمال المناجم المغاربة العمل بالقطعة. فالعامل المغربي لا يملك سوى قوته الجسدية، ويريد اكتساب أكبر قدر من المال ويتجنب الأعمال البسيطة التي لا تؤمن ربحاً إقتصادياً.”

ولكنهم يلاحظون عدم تآلف بين الجنسيات (79) بسبب اختلاف المفاهيم حول طبيعة العمل. بالنسبة للبعض يؤدي العمل الصعب إلى تحقيق الأرباح، بالنسبة للآخرين، العمل الصعب وسخ وخطر. تغطي هذه الكلمات، في الحقيقة نظامين ثقافيين أساسيين مختلفين. يمتلك الفرنسي تاريخاً في مجال العمل في المناجم وقد ابتعد تدريجياً عن العمل المتعب الذي كان يقوم به والده في كثير من الأوقات. وبات الآن يحتل مناصب متقدمة على نحو متزايد تبعده عن الإنتاج الفعلي.

يرمي العامل المغربي إلى كسب أكبر قدر ممكن من المال لأن لديه عدة أشخاص يرعاهم. وقد أتاح المنجم هذه الفرصة، ويلبي العملُ على القطعة المأجورُ رغباته المالية.

لهذا السبب، يفضل المغاربة في كثير من الأوقات العمل بمفردهم بالسرعة التي تناسبهم. وغالباً ما تنشب الخلافات. في مثل هذا النظام، يفضل العامل عدم إضاعة الوقت في البحث عن معداته إنما سيأخذ معدات جاره، والتي سيطلبها بدوره. وإذا كان التضامن موجوداً، خاصة وأن الفريق يمكن له أن يجمع أفراداً من نفس العائلة أو من نفس البلدة، لكن ذلك بقي عرضياً.

إضافة إلى ذلك، إن عمال المناجم المغاربة كانوا مرتبطين بشدة بتراثهم الاجتماعي والثقافي وظلوا مرتبطين بشدة بمفاهيمهم الدينية. تتعارض هذه السلوكيات التقليدية مع الفضول النقدي لزملائهم وحتى للسخرية منهم. كذلك، إن عدم معرفتهم للغة الفرنسية لم تشجع على إمكانية إقامة علاقات مع الآخرين. وكنتيجة لذلك، بقي التواصل ضعيفاً جداً. كان موقف المغاربة عموماً متحفظاً وكانوا كثيري العمل، وبالتالي كانوا موضع تقدير من جانب موظفي الإدارة.

السلامة

ترتبط السلامة بمجريات العمل تحت الأرض، من تقطيع الفحم والمكننة، ووجود الغاز القابل للإشتعال بالمسؤولية الجماعية والفردية على حد سواء.

يمكن أن يأتي الخطر من نقص التهوية في الممرات التي تقع في بعض الأحيان على عمق 1000 متر، ومن الحوادث، والحرائق. وكانت مكافحة الغبار خاصة موضوع الحملات التي لفتت انتباه الموظفين إلى ضرورة تخفيض مستويات الغبار في الأعمال تحت الأرض. وقد علقت في كل زوايا المنجم الملصقات واللوحات التوضيحية التي تظهر المعدات المستعملة للحد من الغبار وكما عُرِضت أفلام عن حياة مرضى السيليسيوس مظهرة التدابير التي يجب إتخاذها.

وتعلق الأمر بالإنتاج بشكل مباشر أكثر لأن العمل يتطلب إلتزاماً صارماً بتعليمات السلامة. ويحصل درء وقوع الحوادث من خلال جلسات التحسين المتعلقة بتوضيح الأمكنة الصحيحة لتحميل العربات، وحمل المعدات الثقيلة، وإجراءات التشغيل المنوي تطبيقها في مواقع الحفر والتقطيع. ومن الضروري كذلك اتخاذ الاحتياطيات اللازمة لتدعيم أسطح الممرات. لذلك كان على العمال تفحص السياق بحكمة. ولكن عادة ما حصل أنهم طالما كانوا يقبضون على عدد الأمتار المنجزة فكان ذلك مشجعاً للعمال على تفضيل العائد على حساب السلامة المطلقة.

“يأتي العامل المغربي، العامل على آلة الحفر، لن يتخذ الكثير من تدابير السلامة لحماية نفسه، الشيء الوحيد الذي يراه هو ما كتب له على بطاقة عمله”.

ولذلك تعرض عامل المنجم المغربي لمخاطر في المنجم. ومن المعترف به، بالإجماع، أن عامل المنجم المغربي هو حفار مقاوم. يتحمل الكثير من المخاطر للتقدم. ولكن عائقه الأساسي كان عدم معرفته باللغة.

وهكذا كان يقع الكثير من الحوادث يومياً الناتجة عن سقوط الأدوات والحجارة، وكسر الأصابع، والالتواءات الناتجة عن الدوس على مواد مختلفة مرمية على الأرض.

مع ذلك، كانت الانهيارات الأرضية وانفجارات الغاز أكثر الحوادث المميتة. يمكن أن تعزى الإنهيارات الأرضية إلى عدم كفاية التدعيم. في أولوش، يوم 21 حزيران/يونيو 1962، في الحفرة رقم 13، تسبب إنهيار أرضي بمقتل 4 عمال مغاربة. وباتت إنفجارات الغاز نادرة على نحو متزايد، لكن لا يمكن توقعها. وأسفرت كارثة لييفين عام 1974 عن مقتل 42 وجرح 5. كذلك كانت الأمراض المهنية التي تظهر في وقت لاحق، مثل السحار السيليسي. وحول هذا الموضوع الذي مازال شائكاً، تتباين الآراء سواء كانت من جانب المسؤولين في المناجم أو من جانب العمال المغاربة. بالنسبة للأوائل، إن نظام المناوبة الذي اتبع حتى عام 1980 لم يسمح بتحقيق الكثير من الأقدمية في المناجم، كما أدت المكننة إلى تخفيض مستويات الغاز بشكل كبير، ولم تكن الإصابات بالسيليس كثيرة.

بالنسبة للأخيرين، تعمل المناجم على إبطاء عملية التعرف على هذا المرض المهني ونطلب اتخاذ إجراءات متواصلة لتبرير وجود مرضهم. حتى اليوم ما زال القلق مستمراً حيال الموضوع، وما زال الكثير من الأسئلة من دون إجابات.

الرواتب

تختلف الرواتب بين العمال تحت الأرض والعمال فوقها. يرتبط هذا الفرق، الذي تحدده الأنظمة، بظروف العمل والوظائف. يتوزع عمال فوق الأرض بين المغاسل ومصانع فحم التدفئة وفحم الكوك. ويعملون في مهام مختلفة كالنقل والتجهيزات والخدمات الكهروميكانيكية. لكن غالبية العمال المغاربة، عملوا في الأعماق، في التقطيع. وكانوا يحصلون على راتب تقليدي الذي تضاف إليه المكافآت والتعويضات، والتي تختلف من فرد إلى آخر. هذه المزايا، المتأصلة في المهنة (السكن، التدفئة والرعاية الصحية) تلغي الكثير من النفقات. مع ذلك، أعيد توظيف العمال المغاربة الذين عملوا لفترة طويلة بعقود محددة المدة، حتى حصلوا على وضعية عامل المنجم، وبنفس التعرفة. ولذلك إن اكتساب الأقدمية قد جرى إحباطه مراراً من خلال إجراءات التوظيف. في البداية لم يكن من الممكن تجديد العقود أكثر من 3 مرات، ما يعطي أقدمية تبلغ 4 سنوات ونصف السنة. من ثم، أتاحت العقود الدائمة ووضعية عامل المنجم، بزيادة وعي العمال المغاربة لأهمية الأقدمية. ولكن بالنسبة لأغلبهم، سيبقى هذا المبلغ قليلاً ولن يسمح لهم بالاستفادة من بعض التدابير المقدمة عندما ستغلق المناجم.

الهوامش:

69. Voir à ce sujet Les Marocains dans les Houillères Du Nord-Pas-de-Calais, mémoire de DEA, Moulali Toufik, université des sciences et techniques de Lille, dirigé par PJ Thumerelle, UFR de Géographie et aménagement spatial, novembre 1987. pp.33,34.

70. قرع الأبواب.

71. Le monde du 3-4 novembre 1974.

72. كان من الضروري تحديد دوافعهم.

73. Entrevue avec Alain Coursier in Horizon 59, 16 déc 1988, sous le titre « Félix Mora, une vie au carrefour de dizaines de milliers d’aventures humaines. »

74. Azeroual B, Les Facteurs socio-culturels de l’inadaptation au travail des travailleurs marocains immigrés, thèse psychologie, Lille III, 1985. p 6.

75. Horizon 59, opus cité.

76. كان يشرف علينا رجال وظفتهم مناجم الفحم من الصُفُر وسواهم، كمشرفين على مراكز الإيواء في المناجم. كان إنعدام الثقة اعتيادياً. La CGT et l’immigration : G Pruvost, J Bellanger, JC Poitou, centenaire de la CGT, 2 nov. 1995, Bourse du travail de Paris, p 106.

77. في الحفرة الحديثة، يحصل الدعم بطريقة هيدروليكية، وتكون الدعامات موزعة كل متر تقريباً. بعد التدعيم يدخل عمل آلة الحفر التي تعمل وفق عدة معايير من الشد والتخفيف، التحرك إلى الأمام والخلف.

78. بشكل عام، يعمل في هذه المهنة عمال ضعيفو البنية، ويرفض المغاربة العمل في هذا النوع من المهن.

79. لا يتفاعل المجتمعان الجزائري والمغربي مع بعضهما البعض. تجدر الإشارة إلى أن عمال المناجم الجزائريين أكبر سناً من المغاربة ويعرفون التحدث بالفرنسية على نحو أفضل. عندما وصل المغاربة، كانوا قد تدربوا بصرامة شديدة مع المبتدئين.