رسائل إلى الله!.. الرسالة (1)


داود السلمان
2023 / 12 / 20 - 20:08     

الرسالة هذه هي الأولى التي أبعث بها إليك – سيدي – ولا أدري هل ستصل إليك، أم لم: لا..؟؛ لا يهُم ذلك، إنما الذي يهم؛ هو أنني سأرسل لك رسائل كثيرة، فيما بعد، قد ستصل إلى مائتي رسالة، أو تزيد قليلًا، أذكر بها قضايا، يخشى غيري أن يبوح بها.
رسالتي تحمل في طياتها شكوىً وتظلم، وتحمل أيضًا في طياتها أسئلة عريضة طويلة وكثيرة، وربما مُعقدة. والأسئلة هذه بحاجة إلى أجوبة، أتمنى أن تكون الأجوبة تشفي الغليل، وتزيل كل شبهة شكٍ، مكنونة في النفس، ولا تدع أي مجال لشك الشكاكين، وتحذلق المتحذلقين، وتفحم كل مَن يتفلسف أو يدعي التفلسف، أو ينصب نفسه سيدًا على العظماء، وكبيرًا على العلماء.
سيدي.. ثمة مَن يشك بوجودك وبمقدرتك، والسبب، كما يدّعون أنك لم تظهر لهم عيانا، كما طلب منك موسى النبي ذلك، ولم تعطهم دليلا واضحا؛ تقطع به ألسنتهم، فلا يعودوا بعدها أبدًا، في احاديثهم عن عدم وجودك، وهذا مما لا يليق بعظمتك ومقدرتك الكلية، أليس أنت كليّ القدرة؟ وتعلم خائنة الأعيّن وما تخفي الصدور. وحتى نحن أيضًا، نكفّ في الدفاع عنك، ونحاجيهم بمخلوقاتك التي ملأت السماء والأرض؛ المخلوقات هذه التي عجز البشر من الوصول إلى كنهها، لعظمتها، وهي دليلا واضحا على وجودك، وعلى مقدرتك التي هي بلا حدود.
واستميحك عذرًا سيدي، بأن انقل لك قصة طريفة من نوعها، عن الفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل، المفكر الذي ملأ الخافقين بعلومه الفلسفية والعلمية والمنطقية والرياضية. القصة بها نوع من الحكمة، والطرافة أيضًا، يتشبث بها الكثير من أتباع هذا الفيلسوف، الذي خدعهم بمنطقه، ويحاجون بها خصومهم من اللاهوتيين.
القصة باختصار؛ إن رسل كان في يوم من الأيام، بينما هو يسير في طريه، اعترضته امرأة متوسطة العمر، بعد أن عرفته، من شكله وطوله الفارع، وهندامه المتميز. فطلبت إليه أن تسدي له بنصيحة مجانية. فقالت له ما هو موقفك، أيها الشيخ (تجاوز عمره السبعين ومات عن تسعة وتسعين عامًا) لو متَ وقابلت الله هناك، وجها لوجه، وقد تجلى لك بقدرته؟. وراح يحاسبك على عدم أيمانك به. فأجابها الرجل بثقة عالية بالنفس؛ أنني ساعتها سأجيبه على الفور، وبكل بساطة: لأنك يا سيدي لم تعط البراهين الكافية على وجودك. ولو أعطيت براهين تفصم الظهر لما شككت بوجودك طرفة عين، ولا أمثالي من الفلاسفة.
فاستغربت المرأة من جوابه الذي فاجئها به، ولم تتوقعه أبدًا، وأصابها بمقتل. فراحت تجر أذيال الهزيمة، وتدمدم بينها وبين نفسها، بكلمات لم يفهما راسل.
يا رب.. وبعد سنوات أنك توفيت هذا الرجل، وأصبح ترابا، إلّا عن رمس يُستدلّ به عليه. هل فعلت به كما وعدتَ أنت؟ أم أعفيت عنه برحمتك التي وصفتها بأنها تسع السماوات والأرض؟!.