الاشتراكية ذات الخصائص الصينية واستحقاقات المستقبل


رضا لاغة
2023 / 11 / 22 - 18:47     

حتى وقت قريب ، كان انشغالنا بالتجربة الصينية وتحليل أقوال صنّاعها يعكس ما تنطوي عليه التجربة الصينية من تصنيع نموذج للحداثة قائم على فصل جوانبها الفكرية النظرية المعتادة التي تمنع احكام قبضة النموذج الغربي للمحاكاة على نحو ما طرأ في الساحة الفكرية العربية التي أخفقت أيما اخفاق في تصنيع نموذجها الخاص كبناء معرفي تشيّد عليه رؤيتها للعالم المعاصر. إن أعظم انجاز إلى الآن حققته الصين ، يكمن في الابتكار والقرار الحاسم بالربط المحكم بين تاريخها المجيد والانتقال السلس نحو الاشتراكية ذات الخصائص الصينية . فلا عجب إذن لمن أخفق أن يدرس هذا الإطار المرجعي ويحاول أن يفهم كيف يعمل ويجعل الحداثة العربية ممكنة ومنتجة لنفسها حداثة خاصة. لذلك فمن سيختار التجربة الصينية كنموذج للمحاكاة لمجتمع المستقبل العربي ويصوّرها باعتبارها شكل نهائي للفعل العقلاني المستقبلي لم يعي أنه يعيد نسخ نفس مبررات الفشل التي مني بها حين محاكاته للنموذج الغربي.
وجهتنا واضحة تماما ومسألة تجديد أسس العقل السياسي العربي يجب أن تبدأ بكسر الغطاء الفولاذي لبعض النخب والمهوس بالحداثة الغربية كما لو أنه لا قدر لنا لنستشرف مستقبلنا إلا بترشيد عقلانيتنا على مقاس العقلانية الغربية. لذلك فإن انكبابنا على التجربة الصينية غايته شحذ الحجة ضد الوعّاظ والمنهمكون بنسخ العقل الغربي في القضايا الكبرى والفارقة لحياتنا. فمثلما كانت قيم الصين التاريخية شرط محدد لنجاح نهضتها ، فإن قيمنا الأخلاقية والقيمية والجمالية هي بدورها سبب من فرص تحقيق قدرتنا على صنع معجزة عربية بوسائل ملائمة وغايات مخصوصة.
بعد أن وقفنا على جوهر التحوّل التاريخي للأمم والذي ينطلق من نموذج عقلاني مستقل بذاته ، وهو في واقع الأمر ما حدث مع التجربة الصينية ، أعتقد أننا بحاجة إلى متابعة قيمة تصورات تشي جي بينغ كمعطى فرض يقين بناء الفعل التجديدي للاشتراكية ذات الخصائص الصينية . صحيح أنه كمفهوم يستمد أصوله من الفلسفة الماركسية اللينينية ولا سيما فكر ماو ، ولكنها شكلت توجها جديدا يسمح بكسر وثن النسق الإيديولوجي ليعطي أهمية للممارسة النشطة التي تهتم بشكل خاص بتطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.
لا يمكن تفسير هذا التحول المصيري في الاصلاح السياسي ،الاجتماعي ،الاقتصادي ،الثقافي والبيئي الذي تحظى به الاشتراكية ذات الخصائص الصينية دون رصد سماتها البارزة .
متابعة وتطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية بثبات
خطاب ألقاه تشي في 5 جانفي 2013 على هامش الندوة التي انتظمت للأعضاء الجدد للجنة المركزية حول دراسة العقل السياسي للحزب وفق مخرجات المؤتمر 18 عشر.
يصعب تصوّر وجود سياسي للصين لا يبالي بالاشتراكية ويصعب أيضا تصور معنى الاشتراكية ذات الخصائص الصينية دون تطوير وفق محك الممارسة.إن جمود الفكر الاشتراكي يدخل الثقافة السياسية الصينية في أرض غير مكتشفة لا خصائص جغرافية لها لتفقد بذلك كل نفع ومعنى.
بيد أن ذاكرة الماضي والثقة في المستقبل كانتا إلى يومنا هذا الركيزتين التي قامت عليهما الاشتراكية ذات الخصائص الصينية. يقول تشي:" تظهر الاشتراكية ذات الخصائص الصينية الوحدة الجدلية بين النظرية العلمية للاشتراكية وتاريخ التنمية الاجتماعية في الصين. إنها اشتراكية علمية ترسّخت في الصين وتعكس إرادة الشعب الصيني وهي في الآن نفسه تفي بمتطلبات تنمية الصين المعاصرة"1 . فكان الهدف صنع المستقبل على قاعدة هذه المبادرة المبدعة للتاريخ والتي تتسم بالإصرار على ادراك التغيرات المستجدة والمستمرة في الوضع العالمي وما يتطلبه ذلك من حاجة لتطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية وأساليب إدارة الحزب. يقول تشي:" يجب أن يكون لدينا العزم على قيادة الطريق عبر الجبال والأنهار ، وإظهار روح المبادرة والشجاعة اللازمتين وأن نتحلى بالجرأة والقدرة على تحليل مشاكل الحياة والاستجابة لها بشكل حتمي وحاسم"2
إن هذه الثقة في الحديث عن المستقبل هي التي أضافت بريقا جديدا لمفهوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، فالكل مدعوّ الى أن يلتزم بالوعي بأهمية النمو الاقتصادي ومن ثم بتخطيط التغير الاجتماعي وتوجيهه والتحكم فيه. يقول تشي:" يجب علينا أن نعمل باستمرار على تعميق الاصلاح والانفتاح ومواصلة تحقيق الاكتشافات والإبداعات والتقدم وتعزيز الابتكار في النظرية والممارسة والمؤسسات بلا كلل"3
إن الأساس النظري الذي يجب الاعتماد عليه في صنع بدائل وخيارات واقعية لمستقبل الصين يمكن ايجازه في مهمة مواصلة تطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية . ذلك هو لبّ الموضوع. والمعنى العميق لهذا التطوير مرتبط تمام الارتباط بدليل وحيد هو الذي نهتدي به أثناء فعل التقدم:" من أجل تحديد هذا المبدأ الذي تتبناه دولة ما ، من الضروري معرفة ما إذا كان هذا المبدأ قادرا على التعامل مع السّجلّ التاريخي للدولة "4
إن فكرة التقدم لن تحدث وربما تكون مثيرة للضحك عندما تطبّق كهدف بعيدا عن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية. يقول تشي:" يثبت التاريخ والواقع أن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية هي وحدها الكفيلة بتطوير الصين. هذه هي نتيجة التاريخ واختيار الشعب"5
ولكن إذا كانت الثقة في الاشتراكية ذات الخصائص الصينية ، هي الأساس الوحيد الذي تقوم عليه الثقة في التقدم ، فلا عجب أن تكون هذه الثقة لها مرتكزات تاريخية . في هذا الصدد يبين تشي أنه ليس من العسير أن نوضح الدور البارز الذي لعبه الرفيق دانغ تساوبينغ من أجل تحسين سبل التعاطي مع الأسئلة الصحيحة التي واجهت الصين." إنه مبتكر مفهوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لأنه أجاب ولأول مرة بشكل عملي ومنهجي على سلسلة من الأسئلة الأساسية من قبيل كيف نبني الاشتراكية في الصين المتخلفة اقتصاديا وثقافيا آنذاك؟ وكيف نرسّخ الاشتراكية ونطوّرها؟"6 وهذا ينطبق بالقدر نفسه على العقل السياسي للمؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الذي أخذ على محمل الجد شعار مواصلة تطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.
ومع ذلك إذا كانت الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في شكلها الراهن تبدو ذات صلة بمنشأ تاريخي محدد فإن هذا لا يجب أن يحجب عنا أنها خضعت لسيرورة تاريخية باعتبارها تخضع إلى قضية التحسين والتطوير كمشروع جمعي. يقول تشي:" إن البناء الاشتراكي الذي يقوده حزبنا وينفّذه الشعب ينقسم الى فترتين تاريخيتين: مرحلة ما قبل تطبيق سياسة الاصلاح والانفتاح والفترة التي تلتها. ترتبط هاتان الفترتان ببعضهما البعض وتختلفان بشكل واضح عن بعضهما البعض. فكلاهما يسجّل بطبيعته الممارسة المتجددة باستمرار للفكر الاشتراكي. لقد ولدت الاشتراكية ذات الخصائص الصينية خلال الفترة التي أعقبت تنفيذ الاصلاح والانفتاح . ولكن أيضا فقد خضعت للتقدم ضمن أسس النظام الاشتراكي الذي أنشأته الصين الجديدة والذي تم تنفيذه على مدار عشرين سنة"7
الفكر الماركسي وجمود مفهوم الاشتراكية
تتمحور التحليلات الأولية لمخرجات المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي حول مطلب تطوير الاشتراكية. ضمن هذا الشرط يتم ارساء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية التي تجسد وعي سياسي أهم سماته الممارسة التي تكشف مهام تاريخية متمايزة عن جمود النص النظري للطرح الماركسي. يقول تشي:" الماركسية ليست ثابتة أو جامدة ومن المؤكد أنها تتطور مع مرور الوقت وتطور الممارسة"8
إن أحد الوجوه الرئيسية لقيادة الحزب هو رفع مستوى وعيهم عن طريق تزايد ثقتهم بأنفسهم بأن الاشتراكية تتقدم بشكل دائم في الاستكشاف.لذا " علينا أن نتشبث بالماركسية والاشتراكية مع مراعاة تطورهما" 9
وفي أثناء صناعة هذا الفهم الاشتراكي الذي يحمل الخصائص الصينية يؤكد تشي على ضرورة استعادة فكر ماو .لا بد لقيادة الحزب أن تستوعب ما جرى مع جيل التأسيس وكيف ناضل ماو لرسم كينونة هذا التوجه الاشتراكي. لذلك يجب أن نبحث في ثنايا تفاصيل فكر ماو . وهذا هو مدخل خطاب تشي في 26 ديسمبر 2013
مواصلة وتطبيق روح فكر ماو
في هذه الورقة البحثية 10 يحاول تشي أن يشرح كيفية فهم فكر ماو الذي يتحيز ضمن سياق نظري متجذّر وراسخ في الفلسفة الماركسية.
ترك ماو أثرا قويا في التاريخ السياسي لجمهورية الصين الشعبية وفرض بعد موته نفوذا فكريا ومعنويا متفردا في أصالته. ويحاول تشي ارتكازا على أحد المقولات الرئيسية في المنهج الجدلي المادي التاريخي تفسير منهجية البحث عن معضلة الحقيقة. في هذا المسعى يؤكد تشي "أن البحث عن الحقيقة من خلال الوقائع ،هو زاوية النظر الأساسية للماركسية والمطلب الأساسي للشيوعيين الصينيين في معرفة العالم وتحويله . وهو أيضا المنهج الايديولوجي وأسلوب العمل القيادي لبلدنا"11
اعتمادا على هذا المنهج الوصفي التحليلي يشرع تشي في تبيان محورية فكر ماو . يقول:" نقصد بروح فكر ماو الموقف والنظرية والمنهجية الماثلة فيه. وهي تشمل ثلاثة جوانب: البحث عن الحقيقة ، الخط الجماهيري والاستقلال...يجب علينا أن نواصل روح هذا الفكر ونطبّقه بشكل صحيح من أجل تعزيز حزبنا بشكل أفضل ومواصلة دفع القضية العظيمة للاشتراكية ذات الخصائص الصينية"12
نتاجا لذلك يرى تشي أن مفهوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية يعبّر عن بناء ايديولوجي يوجّه المجتمع نحو إدراك الحقيقة التي ليست بمعزل عن الوقائع . والتي هي " الأشياء والظواهر ذاتها كما هي موجودة موضوعيا . وما الحقيقة سوى ذلك الرابط الداخلي الذي يؤلف بين هذه الوقائع والظواهر أي القوانين التي تحكمها"13 . فعلى عكس النظرة الميتافيزيقية ، تقوم النظرية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية على دراسة تطور الواقع من باطنه ومن حيث صلته بباقي الظواهر . بمعنى أنها ترجع عملية الفهم الى ادراك تطور الوقائع في حركتها الباطنية . يقول تشي:" لكي ندرك الحقيقة الكامنة في الوقائع يتوجب علينا أن نذهب الى العمق لنرى كل شيء كما هو ومعرفة الأساسي بخلاف العرضي ، يجب اكتشاف المنطق الداخلي بين الأشياء من خلال تتابعها الظاهري و الفعل في مجال الممارسة عبر التحكم في القوانين الموضوعية ومنطقها الداخلي" 14
إن هذا التنصيص على المعنى المادي والوقائعي لمنهج تطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية يعيدنا من جديد إلى ما كتبه ماركس حول تعارضه المباشر مع الفلسفة الألمانية الهيغلية التي تنطلق من السماء نزولا الى الأرض والحال أنها تصعد من الأرض إلى السماء. أي أن نظرية المعرفة ضمن الطرح الماركسي لا تنطلق مما يتخيله ويتصوره البشر وإنما من خلال دراسة الوقائع وظروف حياتهم الواقعية . وبصرف النظر عن الجدل الواسع وانعكاسات أصداء هذا الصراع الايديولوجي ، فإن غايتنا هي أن نوضح الشكل الجديد الذي يتخذه مفهوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية كخلفية نظرية وعملية تفسّر لنا ما تشهده الصين من تطور حققت من خلاله ملامح دولة عظمى بطراز خاص لعله نشأ ، إن جاز التعبير على ضدية فاعلية النموذج الليبرالي الغربي.
من الواضح أن الإطار المرجعي الذي يحاول تشي التعامل معه يتمثّل بلا شك في الماركسية ، إذ هو لا يتوان في القول بأن" المبادئ الأساسية للماركسية هي حقائق عالمية ذات قيمة إيديولوجية أبدية"15 .ولكن على الجانب الآخر يجب توضيح العلاقة الداخلية بين الشروط النظرية المرجعية والراهن السياسي الذي تتشكل على أساسه ملامح طريق تطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية. يقول تشي:" من أجل التمسك بالبحث عن الحقيقة وقائعيا يجب أن نفهم بوضوح الوضع الوطني بشكل صحيح. إن الصين ظلت وتستظل لفترة طويلة في المرحلة الأولية للاشتراكية. وانطلاقا من هذا المعطى ندفع بعجلة الاصلاح والتطوير ونضع سياساتنا التي يجب أن تعكس بشكل كامل المتطلبات الضرورية لهذا الوضع الأساسي"16 . فمهما حظي مفهوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية من جهد يبذل لأجل تطويره وسرعة في التحوّل فلن تستطيع أي جهة الزعم بأنه بلغ أوج مراحله . وعليه " يتوجب دائما أن نعزز باستمرار الابتكار النظري على أساس الممارسة"17
إن ما يضمن خلق الشروط الملائمة لكسب الرهان الاشتراكي يبدأ بالوعي بأن الماركسية ليست فكرا ثابتا أو جامدا، بل من المؤكد أنها تتطور مع مرور الوقت بتطور الممارسة والعلم.
وإذا عدنا الى مضمون هذا الخطاب وحاولنا أن نختصره في جملة واحدة ، لا يمكننا أن نجد أفضل من الصيغة التالية: "إن مواصلة تطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وتعميق الإصلاح من خلال نهج عالمي، والمواجهة الفعالة لجميع أنواع الصعوبات والمخاطر؛ تتطلب منّا نظريا استجابة عقلانية وسريعة"18
ولأن تطبيقات العقلانية تظل لا قيمة لها بمعزل عن التحولات التاريخية كانتقال تقدمي نحو تجسيد الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في أبهى صورها ومراتبها ، يؤكد تشي على أهمية البعد الجماهيري . ففي ظل غياب الفعل الجماهيري لا تملك قيادة أي حزب سوى فرص ضئيلة لكسب معركة الاشتراكية . إن الخطر الذي يجب أن تأمنه قيادة الحزب هو عزلتها عن الجماهير . فإذا كانت العبارة الشهيرة لمارغريت تاتشر وهي تتحدث عن عقيدة الرأسمالية:" لا يوجد شيء اسمه المجتمع" كتعليق على طبيعتها المتغيرة فإن الفارق المهم مع الاشتراكية ، فإن القادة يؤدون دور المصلحة العامة للأفراد . إنهم يناضلون ضمن مرجعية سياسة حياة تسعى لتحقيق الرفاه في صفوف الجماهير. يقول تشي:" الخط الجماهيري هو الخط الحيوي وخط العمل الأساسي لحزبنا، وهو تراث ثمين يضمن حيوية شباب الحزب وقدرته النضالية"19
ولو أردنا أن نمسك بخيط مركزي يدور حوله مشروع تشي الفكري فإن العنوان سيكون : الحزب في خدمة الجماهير ، ذلك هو كنه الاشتراكية ذات الخصائص الصينية كمحاولة لفك الالتباس في علاقتها بالفكر المتعالي والمتجاوز للجماهير. إن ترسيم معنى الاشتراكية ومحتواها كعلاقة ثورية متشابكة مع الجماهير ليس مجرد نقاش لإشكال نظري حول ما بات يعرف بالمثقف العضوي مع غرامشي وإنما هو فوق ذلك يتفق مع بروز نمط مغاير في فهم تطور التاريخ ومدى قدرة القوى الثورية الفاعلة فيه على تقديم بدائل حياتية تحدث تغييرا في مجرى أحداثه. يقول تشي "إن الخط الجماهيري يمثل بطبيعته أحد المبادئ الماركسية الأساسية التي بموجبها تكون الجماهير الشعبية هي صانعة للتاريخ، ولن نتمكن من إتقان القانون الأساسي لتقدم التاريخ إلا من خلال التمسك بهذا المبدأ. بالعمل وفق قانون التاريخ سننتصر على كل العقبات ونحقق الانتصارات في كل المجالات"20
وبغض النظر عن دراسة الاشتراكية بصفة معزولة عن الجماهير ، وهو ما يفضي دون شك إلى تشويه وتحريف دلالتها ، فإن طرح تشي ينطوي على بعد عملي . اي أن التأكيد على البعد الجماهيري هو شجب للبيروقراطية الحزبية التي تعوّل على المنطق الصوري وتركن للنظري بإنكار الممارسة. وبالتالي استحالة فهم وتطبيق الاشتراكية دون اللجوء الى منطق الديالكتيك الذي يفرض الفعل والحركة والتي لا يمكن بدورها أن تتحقق بمعزل عن الجماهير.
ولكن لماذا نحشر مفهوم الجدل أو الديالكتيك في عرضنا لشروط تحقق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية؟
تعتبر الفلسفة الماركسية أن تحليل كل ظاهرة لا يتم إلا بإرجاعها إلى مكوناتها المتناقضة. وحركة تاريخ المجتمعات المنقسمة الى طبقات توجّه وفقا للممارسة الثورية إلى توافق الهدف مع الواقع . هنا بالذات تبدأ عملية اكتساب القاعدة الجماهيرية. لذلك فإن رفض إقامة حواجز مع الشعب والعمل على توسيع الصلة به ، هي أولى اهتمامات تشي الرئيسية :"
من أجل اتباع الخط الجماهيري ، يجب علينا أن نؤمن إيمانا راسخا بأن الشعب هو القوة الأساسية التي تحدد مستقبلنا ومصيرنا.ويظل الدفاع عن الدور الأساسي للشعب وإبراز مبادرة الشعب بشكل كامل ، الأساس غير القابل للتفريط لضمان حقنا في وضع لا يقهر 21.
يتناول اذن تشي اشكالية العمل الحزبي والسياسي في إطار المصلحة العامة. فهو ليس حقلا مستقلا نتصرف فيه وفق إرادتنا الحرة بعيدا عن إرادة الجماهير. وبالفعل يقف المتتبع لمسار التاريخ على حقيقة الدور الذي تلعبه الجماهير التي تشارك بفاعلية في صوغ الأحداث. وفق هذا المنظور يلح تشي على ضرورة متابعة الهدف الأساسي المتمثل في خدمة الشعب جسدا وروحا. يقول:" إن خدمة الشعب جسدا وروحا هي نقطة البداية والهدف النهائي لمجمع مهانا الحزبية "22 لذلك يعتبر أن من الالتزامات الثقيلة والكبرى للحزب تكمن في علاقته بالجماهير. " والخطر الأكبر الذي يتربص بالحزب ، بعد تولّيه السلطة ، هو عزل نفسه عن الجماهير. وقد أوضح ماو هذه الحقيقة منذ زمن بعيد من خلال صورة مجازية رائعة مفادها :" نحن مثل البذور والشعب مثل التربة ، فبمجرد وصولنا إلى مكان ما ، يجب علينا أن نتّحد مع الشعب وأن نتجذّر ونزدهر بينه" 23.
ولأن الشعب هو المصدر الرئيسي لأي نجاح حزبي ونظرته هي المقياس الحقيقي لنجاح السياسات وفشلها ، فقد صار " الأمر متروكا للشعب للحكم على قدرة الحزب وأدائه .وهو الذي يملك الكلمة العليا لتقييم الحزب" 24
الاستقلال
إذا كانت أخلاقيات العمل الحزبي الجماهيري حثّت على ضرورة الانفتاح على إرادة الشعب وخدمته جسدا وروحا ، فمن غير المحتمل أن ينشط الحزب ويحدد أهدافه بمعزل عن الاستقلالية كثمرة لجهد ابداعي ونضالي للحزب الشيوعي الصيني. لذلك يؤكد تشي :" أن الاستقلال هو نتيجة ضرورية استخلصها الحزب من ممارسة الثورة وانهماكه في البناء والإصلاح الذين قاما بهما استنادا إلى قوته وقوة الشعب وانطلاقا من واقع الصين"25
إن فقدان الاستقلال هو سمة الوضع المبدئي النضالي الذي يكسب الحزب وظيفته التحريرية. فمهما كانت الصعوبات والعوائق " يعد الاستقلال أحد التقاليد الخالدة للأمة الصينية وهو مبدأ تأسيسي للحزب الشيوعي الصيني وجمهورية الصين الشعبية"26
الهامش:
1 ـ La gouvernance de la chine ,tome1 .p25
2 ـ نفس المرجع ، ص25
3 ـ نفس المرجع ،ص 26
4 ـ نفس المرجع ،ص 26
5 ـ نفس المرجع نص 26
6 ـ نفس المرجع ، ص 26
7 ـ نفس المرجع ،ص 27
8 ـ نفس المرجع ،ص 27
9 ـ نفس المرجع نص 27
10 ـ خطاب القاه تشي بمناسبة احياء عيد ماو المائة والعشرون
11 ــ La gouvernance de la Chine ,tome1.p 29
12 ـ نفس المرجع ،ص 29
13 ـ نفس المرجع ،ص 29
14 ـ نفس المرجع ، ص 30
15 ـ نفس المرجع ،ص 31
16 ـ نفس المرجع ،ص 31
17 ـ نفس المرجع ،ص 31
18 ـ نفس المرجع ، ص 31
19 ـ نفس المرجع ، ص 31
20 ـ نفس المرجع ، ص 31
21 ـ نفس المرجع ،ص 32
22 ـ نفس المرجع ،ص 32
23 ـ نفس المرجع ، ص 33
24 ـ نفس المرجع ، ص 33
25 ـ نفس المرجع ،ص 33
26 ـ نفس المرجع ،ص 33