مصر: كشف حساب نظام عبد الفتاح السيسي ومنظورات المستقبل


محمد حسام
2023 / 10 / 2 - 22:30     


إن المجتمع المصري يمر من مرحلة دقيقة للغاية. قبل عشر سنوات من الآن، اعتلى الديكتاتور عبد الفتاح السيسي السلطة بعد هزيمة ثورة 2011-13. ومنذ حينها جرت مياه كثيرة في النهر، أهوال بعد أهوال ومصائب بعد مصائب.

تركت العشر سنوات العجاف الماضية بصمتها على الوعي الجمعي المصري، وتدفع المجتمع للدخول في مسار ومرحلة جديدة من سيرورة الصراع الطبقي والاجتماعي. وعكس كل المتشائمين في اليسار و”الوسط السياسي المصري”، فإن تجربة العشرية الماضية مفيدة جدًا للجماهير المصرية، رغم قسوتها بالطبع.

يجب أن ننظر في العشرية الماضية وما أسفرت عنه، ليس للتشاؤم كما يفعل أصدقائنا في “اليسار” الذين لا يرون إلا أن كل شيء ينهار، وإنما لاستخلاص الدروس اللازمة ومحاولة استنباط السيرورة العامة للحركة في المستقبل المنظور. إن وظيفتنا: “لا أن نضحك ولا أن نبكي، بل أن نفهم”، أن نستعد للمستقبل المنظور، الذي سيكون مضطرب بالطبع، ولكنه سيوفر في نفس الوقت كثير من الفرص للثوريين لكي يُسمع صوتهم بين الجماهير.

هزيمة الثورة
لقد أدى اندلاع الثورة المصرية عام 2011 إلى هز المجتمع من أسسه. أصيبت الطبقة السائدة بصدمة. فجأة غمرت الملايين الشوارع في تصميم مهول على تغيير حياتهم للأفضل. كان هذا حدثًا غير مسبوقًا في مصر.


صحيح إن القوة الموضوعية وميزان القوى الطبقية كان في صالح الطبقة العاملة والجماهير، وكانت تستطيع حسم السلطة أكثر من مرة، ولكن غياب العامل الذاتي -الحزب الثوري القادر على قيادة الطبقة العاملة- أنتج فراغًا سياسيًا كبيرًا استطاعت أن تملأه جماعة الإخوان المسلمين، بالتوافق مع المجلس العسكري والإمبريالية الأمريكية.

لقد جلب الإخوان المسلمون لأنفسهم غضب الجماهير بسرعة، نتيجة مشروعهم الاقتصادي المناهض لمصالح الجماهير الكادحة ومشروعهم الإجتماعي الرجعي، وجلبوا لأنفسهم غضب بقية فصائل الطبقة السائدة في نفس الوقت، التي كانت تخشاهم من البداية اصلاً نتيجة رغبتهم في السيطرة والهيمنة على كل شيء بسرعة.

لقد أدت سياسات الإخوان المسلمين لاستقطاب الوضع بشدة وبسرعة، وحاولوا تصوير الصراع وكأنه صراع بين الإسلاميين المدافعين عن شرع الله من جهة، والعلمانيين المناهضين للشرع من جهة أخرى، وبينهم “العوام”. وفي ظل هذا الاستقطاب تزايد خطاب الإخوان المسلمون حدة وطائفية، وتزايد اعتمادهم على الجهاديين، الذين تزايد تواجدهم ونفوذهم بشكل ملحوظ. وهو ما أنتج إحساسًا كبيرًا بالخطر من قبل الجماهير، ساعد في مفاقمته وسائل الإعلام بإيعاز من الأجهزة الأمنية.

إن الطبقة السائدة الرأسمالية في مصر طبقة ضعيفة للغاية، ليس لها جذور مجتمعية، ولا تقاليد ترجع إليها لتحل المشاكل المجتمعية المستعصية، ولا حتى المشاكل بين الفصائل المختلفة داخلها. هي بنت الاستعمار والإقطاع، ولهذا كانت عاجزة في الماضي عن السير ولو خطوة في طريق إسقاط الملكية والاقطاعية والانتقال للعصر الرأسمالي، وهو ما أنجزته الدولة بدلاً عنها، بعد حركة الضباط الأحرار عام 1952 بقيادة جمال عبد الناصر.

الطبقة الرأسمالية في مصر مهلهلة، قليلة الخبرة الذاتية، محدودة الأفق، قصيرة النظر، ضعيفة التنظيم، لا يهمها إلا مراكمة الأرباح والثروات. عجزت تلك الطبقة في ظل الأزمة الثورية لعام 2011-13 عن احتواء الموقف بشكل كامل، ولهذا لجأت لقلبها الصلب: الدولة والجيش.

عند وغباء وعنف وغرور الإسلاميين تلاقي مع غياب القيادة الثورية وإنهاك الجماهير من الحركة وخوفها من الإرهاب وتلاقى مع رغبة أغلبية الطبقة السائدة في عودة استقرار الأوضاع وإزاحة تهديد هيمنة الإسلاميين، لينتج وضع وأزمة غير طبيعية لم يكن من الممكن أن يكون لها حلول بالوسائل الطبيعية.

هنا نزلت الجماهير بالتدريج من على خشبة مسرح التاريخ، وظهر عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع حينها، وكأنه يقدم حل سحري لذلك الوضع المتأزم: سوف يعيد الاستقرار المنشود والمتوهم، ويقضي على إرهاب الإسلاميين.

هكذا، مثلما يصف الكاتب والروائي بلال فضل على لسان نجيب محفوظ تلك اللحظة الاستثنائية: “وجدت الحارة فتوتها الجديد وانتشت به وعلقت عليه آمالها وأحلامها..”. لم يكن من الممكن أن يتوقف الأمر عن هذا الحد، وإنما كان يجب أن يمر أيضًا بسحق كامل للثورة ومكتسباتها وآثارها وتقاليدها، وهنا كان على الزمان أن يأخذ غفوة: “هربًا من الضجر فقد شاهد كل هذا من قبل..”.

صعود السيسي للسلطة ومنطق حكمه
الأولى آه،

والتانية آه،

والتالتة آه،

الأولى آه … والغدر وقت إن حكم صبح الأمان بقشيش،

والتانية آه … والندل لما احتكم يقدر ولا يعفيش،

والتالتة آه … والحر مهما اتحكم للندل مايوطيش.

-أحمد فؤاد نجم

ساد الجنون البلاد بعد استيلاء السيسي على السلطة: شيوخ السلطة يتحدثون عن المدد الإلهي؛ وإعلام العهر يتحدث عن النجاة من المؤامرة الكونية، والبدء في استعادة الريادة المصرية؛ تعلق من قِبل الجماهير بأي أمل وإن كان وهميًا رغبة في تجاوز الاضطراب؛ تم وضع السيسي في مصاف القوى الخارقة للطبيعة. وفي لمحة من أكثر اللمحات عبثية، لمحة تؤسس لما بعدها، ظهرت الدعاية الخرافية عن اختراع الجيش لجهاز يعالج الإيدز وفيرس سي بالكفتة، لمحة عبثية من حيث تقبل الجماهير لهذه الدعاية حينها.

بدأت أكبر موجات الثورة المضادة في التاريخ المصري الحديث. استعادة مؤسسات القمع قوتها وهيبتها بشكل سريع جدًا، قُتل الآلاف، وفُتحت السجون لاستقبال العمال والشباب أفواجًا بعد أفواج. لقد كان الإعتقال على بعد خطوة واحدة من أي شخص في مصر حينها، ليس فقط المُسيسيين، يكفي أن تكون في المكان الخطأ في الوقت غير المناسب لتنتهي حياتك أو تُرمى في السجون لشهور وسنين. سُلب الحق في التظاهر والتنظيم والاجتماع والدفاع عن النفس والمعرفة، وحتى التفكير. لقد كانت فترة صعبة بحق. جرى سحق كل المنظمات العمالية والنقابية والثورية والشبابية، وأي منظمة أو حزب يُظهر ولو ميل طفيف عن الخط الذي رسمته الديكتاتورية العسكرية. تم إشاعة جو من إرهاب الدولة، الذي كان يحظى بنوع من التقبل المجتمعي في مواجهة إرهاب الإسلاميين حينها. شاعت السلبية والانهزامية والتشاؤمية في كل مكان.

هكذا أسس عبد الفتاح السيسي نظامه الديكتاتوري، الذي هو نظام بونابرتي بالتعريف الماركسي للمصطلح. هو نظام يقوم على أساس أزمة طاحنة، حينما تعجز أي من الطبقتين المتصارعتين على تأمين الانتصار لنفسها، عندما تصل الأزمة الثورية لطريق مسدود، يميل جهاز الدولة، ممثلاً في المؤسسة العسكرية بشكل أساسي، إلى رفع نفسه فوق الأمة وأزماتها، وتقديم نفسه على أنه رمانة الميزان، والحكم بين الجميع وممثل الأمة. يحاول أن يوازن نفسه دائمًا بين الطبقات وبين الأجنحة المختلفة داخلها.


وبجانب الصراع الطبقي بين الطبقة العاملة والبرجوازية، كان هناك صراعات طاحنة بين فصائل من نفس الطبقة السائدة: الإخوان المسلمين ورجال أعمال بقايا دولة مبارك ورجال الأعمال الجدد ورجال الأعمال الليبراليين والجنرالات، لذلك كان هناك حاجة لوجود “رجل قوي” يحتكم له الجميع، وهو ما وفره حينها عبد الفتاح السيسي.

يشرح تروتسكي طبيعة الأنظمة الديكتاتورية الفجة، مثل النظام المصري:

لقد كانت الديكتاتورية العارية في التاريخ بشكل عام نتاجًا وعرضًا لأزمة اجتماعية حادة بشكل خاص، ولم تكن على الإطلاق لنظام مستقر. لا يمكن أن تكون الأزمة الشديدة حالة دائمة للمجتمع. إن الدولة الشمولية قادرة على قمع التناقضات الإجتماعية خلال فترة معينة، لكنها غير قادرة على إدامة نفسها.

لكن في النهاية يجب أن يمثل جهاز الدولة، المكون من القوة العسكرية بشكل أساسي، إحدى الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع، الطبقة العاملة أو الطبقة الرأسمالية، وإن كان بشكل مشوه. ونظام عبد الفتاح السيسي يمثل مصالح النظام الرأسمالي بالطبع.

تلعب السمات الشخصية “للقائد” دورًا محوريًا في الأنظمة الاستبدادية القائمة على حكم الفرد، هنا تتجلى أهمية دور الفرد في التاريخ لكن بشكلها السلبي. السيسي شخص شديد الجهل والغباء، وشديد الغرور، يرى في نفسه أنه يعلم والآخرون لا يعلمون، هو يدرك والآخرون لا يدركون. حيث قال بمنتهى الصلف والغرابة ذات مرة في بدايات حكمه:

ربنا خلقني طبيب أوصف الحالة، هو خلقني كده، أبقى عارف الحقيقة وأشوفها، ودي نعمة من ربنا أدهالي، اسمعوها مني، لأن حتى هما دلوقتي كل الدنيا، بيقولك لأ اسمعوه، مين الدنيا؟ خبراء المخابرات والسياسيين والإعلاميين وكبار الفلاسفة لو حبيتوا.

وهو ما ظهر أيضًا في مهزلة مسلسل “الإختيار” والمحادثات العبثية بينه وبين أمه عن مدى ذكائه وفطنته منذ صغره.

لسان حاله يقول لنا: لقد جربتم الثورة ولم تحصدوا منها إلا مزيد من المشاكل، ولولا ذكائي وشجاعتي لمِتم أيها المصريون من الإرهاب، لولاي أنا لأصبحتم لاجئين. فلتتحملوا الفقر والقمع والإذلال من أجل بناء وطننا الذي ابتلي بعدم فهمكم للأمور وعدم رضائكم عن الواقع المتردي. ليس من حقكم أن تحاسبوني لعدم إدراككم لأهميتي وأهمية أفعالي وعبقرية أفكاري. الله والتاريخ فقط هم من يحق لهم أن يحاسبوني.

يضاف إلى هذا قدر من الدروشة يزداد يومًا بعد يوم. هذا المخبول الجاهل يظن في نفسه أنه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ هذا البلد، أن “ربنا سبحانه وتعالى أراد أن أكون هنا (أي في السلطة)، مش أنا خالص”، الله وليس الشعب. وأن بينه وبين الله خط موصول، حيث يقول له ويرد عليه، وأن:”ربنا جه قالي طيب، أنا حخلي معاك أكتر من الفلوس، أنا هخلي معاك البركة، وريني هتعمل ايه لبلدك ولناسك”، و”أنا ضهري ربنا، واللي يقدر على ربنا يتفضل”.

يشبه نفسه بقصص الأنبياء وأساطير الأولين، فلقد أتاه الله الفهم والحكمة كما آتي سليمان، وكما يقول دائمًا: “ففهمناها سليمان”. وفي لحظة عتاب للشعب يقول لهم:

طب أنا عندي أزمة، أنا عندي مشكلة، حتتخلوا عنها (أي مصر)؟ أنا بكلم المصريين، حتتخلوا عنها؟ حتسيبوها يعني؟ حتقولوا زي ما قالوا لسيدنا موسي: “اذهب أنت وربك فقاتلا”، ولا ايه؟

بجانب هذا، فإن السيسي هو ابن المؤسسة العسكرية، يحمل أكثر تصورات قادتها سذاجة وشمولية عن الحياة والمجتمع. حيث الدولة أهم من المواطنين جميعًا، وفي سبيل ذلك الكيان الهلامي يجب أن: “لا تنام ولا تستريح ولا تاكل”. والجيش هو أهم وأنقى وأشرف وأفضل ما في الدولة بالطبع.

لا يرى السيسي المجتمع إلا معسكر كبير، يجب أن يسير بنفس التراتبية والتقاليد. لقد تم بالفعل عسكرة كل شيء في المجتمع، من الوظائف الحكومية التي تتطلب أخذ دورات في الأكاديمية العسكرية وموافقة الجيش في التعيين، لخطباء المساجد، وكاتبي مواثيق الزواج، للمؤسسات الإعلامية والصحافية التي أصبحت مملوكة لشركات المخابرات، وشركة لإنتاج السينما والدراما، مرورًا بعسكرة كل المؤسسات في الجهاز التنفيذي التي أصبح يديرها ضباط جيش، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومحاضرات الشؤون المعنوية للقوات المسلحة للطلبة والموظفين والمجندين والضباط وعائلاتهم، ووصولاً لشبه عسكرة الاقتصاد. هذا الأخير فقط هو الذي أصبح يزعج الرأسماليين بشكل متزايد، وسوف نأتي على ذكر ذلك بالتفصيل لاحقًا.

يتمتع السيسي بسلطة مطلقة، حيث يجب أن يمر كل شيء بموافقته، لا قانون ولا عقل ولا منطق ولا اتفاق، فعلى الجميع أن يسمع ويطيع، فهو الآمر الناهي العارف بكل شيء. وحوله توجد دائرة مقربة ضيقة تقتصر على أربع أو خمسة أشخاص، يحيط كل واحد منهم نفسه بمجموعة من الخدام المخلصين. من ذراعه اليمنى، عباس كامل في المخابرات، وابنه محمود السيسي بجانبه؛ لخدامه الأمين، كامل الوزير، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة سابقًا ووزير النقل الحالي، المسؤول عن ملف الإنشاءات الكبير في مصر؛ لبعض الجنرالات السابقين المتحلقين حوله، مثل اللواء ممدوح شاهين؛ لوزير دفاع مثل الحمل الوديع، محدود الطموحات الشخصية، لا يعلم أغلبية المصريين اسمه. هذا بعدما جرى الإطاحة بكل من يمكنه أن يمثل منافس له من داخل دولاب الدولة.

ويتم إعداد كوادر جديدة تساعد من في يد أيدهم الأمر، أكثر قذارة وحمقًا من رؤسائهم. من ضابط المخابرات، أحمد شعبان، ملك الإعلام؛ للضابط محمود البكري، الرجل القوي داخل وزارة الداخلية، وغيرهم. وضع مشابه لما قاله الشاعر نجيب سرور: “عصابة واسمها دولة”.

لكن هذا الاخطبوط الذي يظهر كعملاق مفترس، يبطش ويقمع ويسرق بلا حساب ولا عقاب، هو في الحقيقة عملاق بأقدام من طين. نقطة قوة الأنظمة البونابارتية إنها تركز كل السلطات في يد القائد، وهذا يوفر قدر من الفاعلية في بداية الحكم لتجاوز الاضطراب، ولكنها في نفس الوقت هي نقطة ضعف، حيث يتركز كل غضب الجماهير نحو “القائد” مع اشتداد الأزمات اللاحقة، وهو ما يقلص هامش المناورة لدى النظام.

صحيح إن السيسي استطاع أن يمر بسلام طوال العشر سنوات الماضية، ولكن بدأ يظهر الآن العكس. تهتز الأرض تحت أقدامه بشكل واضح. وبمجرد أن تتعافى الجماهير وتبدأ في الرد سوف تركز كل هجومها عليه، ويمكن بسهولة إسقاطه في حركة جماهيرية ثورية أو شبه ثورية. الأكيد إن القادم لن يمر بهدوء كما الماضي، وإنه يسير بخطى ثابتة نحو هلاكه.

باختصار، نظام عبد الفتاح السيسي هو تعبير عن أزمة طبقية واجتماعية عميقة ومتجذرة، ويمهد الطريق لأزمة طبقية واجتماعية أكثر عمقًا وتعقيدًا.

أعمق وأعقد أزمة اقتصادية في تاريخ مصر الحديث
قد فاض الكيل أيا سادة والجوع يبشر بزيادة،

والهم لحافٌ ووسادة يقلقنا إلى وجهِ الفجرِ.

….

فيضيع الحبُ المكنونُ ويشيع الحقدُ المجنونُ،

و يذاع السرُ المدفونُ بفضيحة سكان القصر.

….

فالناس تئن من العيشِ فى ثوبِ الفقرِ من الخَيشِ،

والسيّد يمشى بالجيش مزهوًا فى ثوبِ الفخرِ.

….

قد قالوا سلامًا ورخاءَ، فالخير إلى الناسِ تراءى

فازدادوا غلاءً فثراءَ فكرهنا أقواسَ النصرِ.

-أحمد فؤاد نجم

بعد الأحلام الوردية والوعود بمستقبل مزهر مشرق رائع، وإن مصر “هتبقي قد الدنيا”، والاحتفال بـ”الانتصار على الإرهاب”، و”يد تبني ويد تحارب الإرهاب”، كان على الجماهير أن تفيق على الكابوس الذي لم ينتهي حتى الآن.

صعد السيسي للسلطة في وضع اقتصادي متردي، ثورة رغم انهزامها لكنها كانت ما تزال ترعب البرجوازية، وهو ما أنتج ما يُسمى “هروب المستثمرين”؛ ضعف الثقة في السوق المصري من قبل القوى المالية القوية في الخليج؛ تزايد البطالة؛ شبه جمود كامل في الاقتصاد المصري، ونظام رأسمالي عالمي لم يكن في أفضل حالاته.

في مواجهة ذلك الوضع، لجأ السيسي لكسب ثقة وولاء الطبقة السائدة، داخليًا وخارجيًا، وبشكل خاص العصابات المتحكمة في الخليج. وهو ما نجح فيه حينها بالفعل، حيث تلقت مصر منح خليجية حوالي 100 مليار دولار، مع تسهيل حصولها على قروض من مؤسسات مالية دولية، كان أولها قرض كبير بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي في عام 2016. وهو ما كان بداية توسع مفرط ومهول في الاقتراض الخارجي، طالما حذر منه حتى أكثر الاقتصاديين البرجوازيين انتباهًا. الحقيقة إن لولا الدعم السخي من القوى الإقليمية الغنية بشكل خاص للسيسي لكان سقط بسرعة الصاروخ.

استخدم السيسي هذه الموارد المالية الضخمة لمحاولة إحياء النظام الرأسمالي في مصر بمنتهى الغباء والسذاجة. تم إطلاق حملة من المشاريع “القومية” التي تركزت بشكل أساسي في مجال الإنشاءات، لتقليص معدل البطالة، حيث تستهلك تلك المجالات عمالة كثيفة، ومحاولة دفع عجلة السوق للدوران، عن طريق تشغيل سلسلة الإنتاج المرتبطة بقطاع الإنشاءات بشكل أساسي.


وهو ما تحقق بالفعل لفترة، حيث شهد الاقتصاد المصري نوعًا من الاستقرار. ولكنه استقرار قصير وهش وغير محسوس جاء على حساب تحميل الأزمة على أكتاف العمال والمُفقرين أكثر فأكثر، من حيث التقشف والاقتطاعات وزيادة الضرائب بشكل كبير، وهو ما أثر حتى على الشرائح الوسطى ورجال الأعمال الصغار، ليس فقط العمال والمُفقرين، وأدى لتدني مستويات المعيشة وتقليص القدرة الشرائية للجماهير، وأصاب السوق بقدر كبير من الركود في النهاية.

لم تكن غير المؤسسة العسكرية يستطيع أن يعتمد عليها السيسي لتنفيذ خطته، وهذا لسببين: عدم رغبة الرأسماليين في الاستثمار في مشاريع مرتفعة التكلفة قليلة أو منعدمة العوائد من جانب، وعدم ثقة السيسي في رجال الأعمال من الجهة المقابلة، حيث ينظر لهم على أنهم جشعين، وإن عليهم أن يطيعوه نظير حمايته لهم. تم إدخال الجيش في كل المجالات الاقتصادية، وهو ما أطلق عليه كثير من الاقتصاديين البرجوازيين “عسكرة الاقتصاد”. أصبح الجيش هو المقاول الأول، والزارع الأول، والصانع الأول، والمستورد الأول في البلد، وهو ما أنتج تشنجات وتشوهات مهولة في السوق بدوره.

كان من المقرر أن يتدخل الجيش، بأموال الجماهير بالطبع، لتعبيد الطريق للرأسماليين عن طريق خصخصة تلك المؤسسات فيما بعد. هذه الخطوة لاقت مقاومة لفترة من الزمن من قِبل البيروقراطية العسكرية التي راكمت مصالح وثروات مهولة من هيمنتها على النشاط الاقتصادي للمجتمع بشكل كبير طوال العشر سنوات الماضية، ولكنها الآن أصبحت حتمية من وجهة نظر رأسمالية.

كان هذا بجانب اعتماد الاقتصاد المصري على الأموال الساخنة ومضاربات الأوراق المالية في فترة ما قبل الجائحة والحرب الروسية – الأوكرانية، التي عززت لفترة كبيرة من الإحساس الوهمي بالاستقرار الاقتصادي. وهو ما انفضح في النهاية بخروج تلك الأموال مع بدء الفدرالي الأمريكي رفع سعر الفائدة لمحاولة تجاوز الأزمة الأمريكية على حساب بقية العالم.

تم إتباع هذا المسار بناء على خطة هلامية في عقل الديكتاتور الجاهل ودائرته القريبة، الذي يحتقر حتى أبجديات المنطق، وأعلن في ذلة لسان حاول أن يتراجع عنها فيما بعد:

في تقديري، احنا في مصر، دراسات الجدوى لو أنا مشيت بيها، وخليتها العامل الحاسم في حل المسائل في مصر، أنا أتصور إن احنا كنا حنقق فقط 20-25% مما حققناه.

خطة جهبذ زمانه مفادها: إننا سوق كبير ومركز ثقل في المنطقة، لو هيئنا التربة للرأسماليين، فسوف يتسابقون علينا من كل حدب وصوب، وحينها سوف نجني ثمار خطتنا الاقتصادية العبقرية. هكذا بمنتهى البساطة، الأمر يعتمد على إرادة الحكام!

بجانب سذاجة وغباء الخطة، شاب ذلك المسار الاقتصادي قدر كبير من عدم الكفاءة، اعترف ببعض جوانبه حتى السيسي نفسه؛ وبضعها لا يهدف إلا لبناء أمجاد شخصية للديكتاتور؛ والفساد، حيث ضاعت مليارات الدولارات في سراديب وجيوب القطط السمان، الموجودون داخل دولاب الدولة وخارجه.

صحيح إن الديكتاتورية العسكرية تعمل على تأمين المصالح الجامعة للنظام الرأسمالي، ولكن في ظل الاستقلال النسبي للدولة عن البرجوازية فهي تنتج في نفس الوقت لنفسها مصالح، وشبكة كبيرة من المنتفعين والفاسدين. أمثلة لا تعد ولا تحصى عن شبكة مرعبة من الفساد: تاجر المخدرات والمهرب المعروف إبراهيم العرجاني الذي أصبح ملك سيناء ورائد إعادة إعمار غزة، بجانب امتلاكه لعدة شركات أخرى، الذي تحوم كثير من القصص حول علاقته بضابط المخابرات محمود السيسي؛ نسيب الرئيس الصاعد بسرعة الصاروخ، رجل الأعمال صافي وهبة؛ شركات الضباط الحاليين والسابقين المنتشرة في كل مكان وقطاع، التي يجرى شراء ولاء الضباط الكبار والأقوياء بها، بجانب تخصيص الأراضي والمكافآت؛ مشاريع تنفذ بأضعاف التكلفة بجودة رديئة؛ صفقات وسمسرة وعمولات في كل شيء.

فضائح فساد لا تنتهي، كان آخرها الطائرة الخاصة التي احتجزت في زامبيا، والاتهامات التي طالت رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي بتلقي رشوة من النظام المصري لتسهيل أعمال شركات مصرية تعمل كواجهة لرجال المخابرات، ومساعدة النظام المصري في غسل سمعته السياسية وتأمين استمرار تدفق المعونة الأمريكية لمصر.

تم إثراء شرائح كاملة بين ليلة وضحاها ثراءً فاحشًا، بصورة أقرب لتجار الحروب والكوارث. أصبح سؤال: “كيف ترعرع في وادينا الطيب كل هؤلاء السفلة” هو لسان حال الجماهير المصرية في مواجهة الأثرياء الجدد ومظاهر حياتهم المترفة وثرواتهم المتعاظمة.

نتائج هذا المسار واضحة لا تخطئها عين، كما قال ماركس: “إن تراكم الثروة في قطب هو تراكم للفقر والبؤس في القطب الأخر”. لقد تحولت حياة الجماهير لجحيم حقيقي. انهارت مستويات المعيشة لمستويات لم يكن يتوقعها أكثر الاقتصاديين تشاؤمًا. ارتفاعات مهولة في أسعار كل المنتجات. فوضى كبيرة في السوق. سقوط حر للعملة، لتبلغ رسميًا 31 جنيهًا للدولار الواحد، بعد أن كانت 7 جنيهات للدولار الواحد عام 2010، أي إنهيار بأكثر من ثلاث أضعاف في 13 عامًا، ومن المتوقع مزيد من الانهيار في الفترة القادمة. ازدهار السوق السوداء. تضخم جامح بلغ 40.7% يوليو الماضي حسب الأرقام الرسمية، و71.9% للمواد الغذائية، الذي زرع أسسه طباعة البنك المركزي للنقود بلا حساب بشكل أساسي، بجانب الأزمة العالمية؛ تنامي الجوع والبؤس والفقر، الذي حُجبت الأرقام الرسمية عنه منذ عام 2019، يكفي أن نقول إن البنك الدولي قدر في مايو 2019 إن نحو 60% من المصريين إما فقراء أو معرضين للفقر، هذا بدون تأثيرات الأزمة الاقتصادية من تدني مهول لمستويات المعيشة في العامين الماضيين. ازدادت كل زبالة المجتمع الرأسمالي فجاجة: التشرد والتسول والدعارة والمخدرات والجريمة.


ارتفع الدَين الداخلي إلى 6 تريليون جنيه، وتضاعفت الديون الخارجية أربعة أضعاف في الثمان سنوات الماضية، إلى أن وصل الدَين الخارجي إلى 165.4 مليار دولار، حتى أصبحت مصر من بين البلدان المعرضة لاحتمال التخلف عن سداد ديونها الخارجية، وفقًا لوكالة موديز وبلومبرج. بلغ إجمالي الدَيون 97% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، بزيادة هائلة مقدارها 16.8% مقارنةً بالعام الماضي.

الشيء الأخطر هو توريط النظام المصرفي المصري في ذلك المسار، حيث أن 40% من أصول البنوك تم شراء أذون خزانة من البنك المركزي بها، أي أن مدخرات المصريين أصبحت الآن في مهب الريح، وتعتمد بشكل كامل على قدرة النظام على الخروج من أزمة ديونه. بالتالي أي ضربة قوية للاقتصاد المصري الضعيف ستؤدي لاندلاع أزمة مالية خطيرة ستأكل الأخضر واليابس، ومن الممكن أن تؤدي لإنهيار النظام المصرفي المصري بأكمله.

هناك ظاهرة اقتصادية تُسمى “شركات الزومبي”، وهي الشركات التي تظل قائمة فقط على أساس التمويل الميسر والاقتراض الرخيص، الذي إن ارتفعت الفوائد على القروض أو أصبحت شروط التمويل أصعب ازدادت بالتبعية فرص انهيار تلك الشركات. لقد حول النظام الاقتصاد المصري بأكمله إلى اقتصاد “زومبي”. وضع يصفه الماركسي تيد غرانت بـ”اقتصاد الفودو”، حيث الاقتصاد يصبح كما المدمنين لابد أن يستمر حقنه بالتمويل الميسر والاقتراض الرخيص وإلا سيصاب بتشنجات مدمرة قد تؤدي إلى انهياره.

الآن، النظام في ورطة حقيقية. أمامه خيارين: إما أن يعمل على إيجاد وسيلة لتمديد خطته في الإقتراض، أن يجد مصدر آخر للفودو، على أمل -غيبي- بتحسن الأمور في المستقبل، لكن لسوء حظه نحن في سياق أزمة رأسمالية عالمية عنيفة ومعقدة هي الأخرى، وبالطبع لن يجد بئر تمويل يُفتح له كما حدث في بدايات حكمه، وبالتالي هذا يمهد الطريق لأزمة أعمق وأعمق ستنفجر في وقت أقصر؛ وإما أن يعمل على تفجير كل تناقضات المرحلة الماضية للجماهير دفعة واحدة، وبالتالي يهدد بانفجار الغضب الاجتماعي. قد يحاول أن يوازن بين الخيارين، لكن نجاحه في ذلك مشكوكًا فيه للغاية في السنوات المضطربة القادمة. إنه في حالة: ملعونًا إذا فعلت، ملعونًا إذا لم تفعل.

بدأت الطبقة السائدة تشعر بالخطر
بدأت الأزمة الآن تعبر عن نفسها، ليس فقط في بؤس ومرارة وغضب الجماهير المكتوم، ولكن أيضًا في بدء وجود انزعاج في الطبقة السائدة.

بعد أن سَلمَ الرأسماليين السيسي مقاليد الحكم كاملة، وارتضوا به حكمًا وسلطانًا، ليقوم بدلاً عنهم بكل المهام القذرة: سحق الثورة، واعتصار الجماهير وتحميلهم ثمن أزمة النظام الرأسمالي، وقمع أي تحركات ممكنة من قِبلهم. ها هي نفس الطبقة الدنيئة الآن تبدأ في التذمر من تغول الطغمة العسكرية عليها.

كانوا يظنون أنه يمكن ترويض الطغمة العسكرية ورميها بعد استخدامها ببساطة. ولكنهم اكتشفوا أن ذلك الوحش الذي عملوا على تغذيته ازدادت شهيته لدرجة باتت بها تهدد مصالحهم واستقرار نظامهم. لقد أحرقوا أصابعهم بأيديهم ببساطة.

تتزايد باستمرار نبرات عدم الرضا من جانب رجال الأعمال تجاه السلطة الحاكمة، وعن مزاحمة الجيش لأعمالهم. يحملون السلطة وحدها الآن مسؤولية الأزمة الاقتصادية كاملة. وهو ما يظهر في أحاديث رجال الأعمال الأقوياء، مثل نجيب ساويرس، وفي جلسات رجال المال والأعمال الخاصة.

بالطبع يدافع هؤلاء عن مصالحهم الطبقية، التي هي على الضد من مصالح أغلبية الجماهير، ولكنهم يزينون كلامهم أحيانًا كثيرة بالحديث عن عدم الكفاءة والسوق الحرة جالبة التوازن للسوق وضرورة خروج الجيش من الاقتصاد لكي تدور عجلته لصالح “المجتمع”.

وهو ما يُرد عليه دائمًا من قبل النظام بكورال هيستيري عن الوحدة الوطنية وأهمية عمود الخيمة “الجيش”، والخطر المحدق بالبلاد والعباد، وعن أنانية رجال الأعمال وجشعهم. يشعر السيسي بالغدر تجاه تلك الدعاوى، لا يصدق أن هؤلاء الذين حماهم ذات مرة من غضب الجماهير وثورتها يمكن أن يهاجموه وينقلبوا عليه، لا يصدق أن “البطل خلاص ولا ايه؟”.

لا يجب أن يأخذ العمال والثوريين صف أي طرف في هذا الصراع الدائم حول حصة كل جناح من أجنحة الطبقة السائدة في كعكة الأرباح والثروات. إنه صراع مفيد فقط بقدر ما يضعف السلطة والطبقة السائدة ككل.

كما بدأ الضغط من قِبل حلفاء الأمس، ويظهر هذا بشكل جلي في الأزمة بين النظام وعصابات الخليج. بعد أن كانت هي الداعم المالي والسياسي الأول والأهم للديكتاتور، أصبح الآن الحديث العلني يدور على أنه لا يوجد بعد الآن “شيكات على بياض”، وبالطبع حديث الغرف المغلقة يتجاوز ذلك. لقد انتظر هؤلاء الذئاب طويلاً مردود إنفاقهم، والنظام المصري على الطرف الآخر يخرج من أزمة ليقع في أزمة أكبر، ويتزايد خوفه من السير بشكل أسرع في تحقيق مطالب أسياده.

لكن عدم التوافق بين الديكتاتورية العسكرية الحاكمة في مصر وأسيادها في الخليج حاليًا لا يجب أن يقودنا لأي تحليل أو استنتاج من قبيل إن هناك رغبة خارجية لإسقاط عبد الفتاح السيسي. إن قوى الطبقة السائدة الخارجية أجبن من قوى الطبقة السائدة الداخلية، ويعلمون إن مصالحهم هي أول ما سيتم التضحية به بعد سقوط عبد الفتاح السيسي لكسب رضاء الجماهير، وتجربة إلغاء عقود الخصخصة ومهاجمة المستثمرين الأجانب بعد ثورة 2011 ما زالت عالقة في الأذهان. وفي سياق الاضطراب الحالي سوف يتعاملون بحذر وبمنطق “الشيطان الذي نعرفه خير من الشيطان الذي لا نعرفه”. قد يضغطون على السيسي أكثر لكي يلبي مطالبهم أسرع، ولكنهم لن يعملوا بأي شكل من الأشكال لإسقاطه، خصوصًا مع عدم وجود بديل يأمنون له حتى الآن.

الشيء اللافت للنظر هو بداية وجود تحركات سياسية جدية لليبراليين في مصر، مع إعلان تشكيل التيار الليبرالي الحر المعارض. تكون هذا التيار من عدة أحزاب وشخصيات ليبرالية معروفة وتدافع بشكل واضح عن السوق الحرة، وتدفع من أجل “ديمقراطية برلمانية”، في مواجهة الديكتاتورية العسكرية.


هؤلاء هم أكثر ممثلين رأس المال قوة سياسيًا، يتبنون خطابًا أكثر صدامية تجاه الديكتاتورية العسكرية الحاكمة من بقية الطبقة السائدة. وهو ما بدأت الديكتاتورية العسكرية الحاكمة تشعر بالخطر منه، وانتهزت ذريعة وجود خلافات شخصية لحبس المنسق العام للتيار، هشام قاسم، 6 أشهر حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية.

طبعًا ما ينادون من أجله ليست الديمقراطية العمالية، ليست الديمقراطية من أجل الجميع، وإنما فقط ديمقراطية تمثيلية برجوازية تضمن لهم عدم جور البيروقراطية العسكرية على مصالحهم.

من الواضح إن ليست الطبقة العاملة فقط هي من تتعلم من التجربة، ولكن أيضًا الرأسماليين، أو على الأقل أكثر الفئات ذكاءً منهم، الذين تعلموا من تجربة العشرية الماضية ما تعلمته البرجوازية الغربية منذ أكثر من مئة عام، وساعد في تطبيقه النمو الاقتصادي هناك: إن الديمقراطية البرجوازية هي الوضع الأمثل لحل المشاكل بين مختلف فصائل الطبقة السائدة.

كما إن بدأ تبلور هذا الاتجاه بشكل واضح المعالم هو علامة على بدء إدراك جزء من الطبقة السائدة لخطورة استمرار بقاء الديكتاتورية العسكرية. إنهم يدركون إن النظام الحالي أصبح فاقد لأي قاعدة دعم حقيقية في المجتمع، وإن استمرار تثبيت النظام بالقمع العاري فقط يُهدد بإشعال الغضب الجماهيري في أي لحظة، غضب ليس فقط سوف يُسقط الديكتاتورية العسكرية، وإنما من الممكن أن يمتد ليشكل تهديد جدي للنظام الرأسمالي كله. إنهم يحاولون أن يجدوا صيغة أكثر لطفًا و”احترامًا” لحكم البرجوازية بدلاً من وجه الديكتاتورية العسكرية القبيح الذي يهدد الآن بـ”انفجار” الأوضاع.

لكن لا يجب أن تخدعنا الكلمات البراقة لممثلين رأس المال هؤلاء، فخلف شعارات “الديمقراطية” يقع الدفاع عن المصالح الرأسمالية في أكثر صورها نقاءً ووضوحًا، التي يحاولون إبرازها في كل مناسبة بالطرق الأكثر ذكاءً وخبثًا.

بعد أن كانوا أول من استدعى المؤسسة العسكرية للتدخل عام 2013، وبعدما لم تنصاع المؤسسة العسكرية لخطتهم، وبعد أن دخلت الديكتاتورية العسكرية في نفق مسدود، ها هم الآن يحاولون أن ينفضوا أيديهم من عارها، ويرفعون راية “النضال الديمقراطي” و”الحكم الرشيد” و”التداول السلمي للسلطة”. إنهم يدقون أجراس الخطر: لا يجب ولا يمكن أن يستمر الوضع بذلك السوء طويلاً. لكن لضعفهم وعزلتهم وعدم ثقتهم في الجماهير، ولرغبتهم التضحية بالسيسي مع الحفاظ على النظام كما هو، يقترحون كل أنواع الاقتراحات الرجعية والعبثية، مثل الإتيان بالفريق محمود حجازي ليتولى السلطة لفترة انتقالية!!

هؤلاء يرون، بحق، إن النظام في أزمة شرعية حقيقية في أعين الجماهير، ولم يعد هناك أي طرف في الطبقة السائدة قادر على حيازة “الإجماع المجتمعي” كما الماضي، خصوصًا مع انحدار السمعة السياسية والاجتماعية للمؤسسة العسكرية في أعين الجماهير، التي كانت في وقت من الأوقات خارج حدود النقد والنقاش، وهذا من أهم دروس العشرية الماضية التي تعلمتها الجماهير بالدم والدموع.

إن وجود انشقاقات في الطبقة السائدة هي دليل على بداية تخمر الأزمة الاجتماعية، ومقدمة لمزيد من الأزمات، وعلامة على سيرورة اختمار الأزمة الثورية القادمة. عندما يكون هناك الكثير من الأموال لامتصاصها وسرقتها يتآخى اللصوص ويسود الوئام بينهم، لكن مع اشتداد الأزمة يبدأون في مهاجمة بعضهم البعض وتحميل بعضهم البعض المسؤولية عن الأزمة، وإضعاف بعضهم البعض.

تعافي الجماهير البطيء
نشهد منذ ما قبل الجائحة مباشرة بداية لتعافي الجماهير من الهزيمة الثقيلة للثورة وصدمة الثورة المضادة العنيفة. بالطبع لم يختف الخوف بشكل كامل بعد، لكن تأثيره يخف بوتيرة ثابتة. أصبح الحديث في السياسة وسب الديكتاتور حدث يومي في كل مكان، بعدما كان الخوف يمنع حتى الحديث عن الأحوال العامة في المواصلات والمقاهي.

تتخلص الطبقة العاملة من خوفها، وتجد بالدفع الذاتي طريقها للتغلب على القبضة الأمنية، وتنهض للدفاع عن مستويات معيشتها. إضرابات عمالية في عدة مواقع، من أبرزها إضراب عمال يونيفرسال، وعمال مصنع نايل لينين جروب. وغيرها من النضالات التي تظهر بوضوح بداية عملية التعافي واستعادة النشاط العمالي والجماهيري.


صحيح إن هذه النضالات ما تزال متفرقة، وهذا ناتج عن عدم وجود تنظيمات نقابية قوية وكبيرة في القطاع الخاص بشكل أساسي، واستمرار هيمنة السلطة على “اتحاد نقابات مصر” الرسمي الذي يمثل عمال القطاع العام. ولكنها نضالات مهمة الدلالة على كسر حاجز الخوف وهيبة السطوة العسكرية.

وامتداد ذلك النهوض ليشمل النقابات المهنية هو الآخر علامة مهمة، بعد أن فاز تيار الاستقلال في انتخابات نقابة الصحفيين، وبروز التيار في عدة نقابات مهنية أخرى: المهندسين والمعلمين، بنسب متفاوتة بالطبع. ودفع أعضاء نقابة المحامين مجلس النقابة لإعلان جدول احتجاجات على فرض ضرائب جديدة، وهو ما تم تنفيذه بالفعل، وألغيت الضريبة الجديدة عن المحامين.

إن بدأ تحرك القطاعات المهنية، التي كانت تُعتبر تاريخيًا قطاعات متميزة داخل الطبقة العاملة، يعني بدأ الشرائح المتوسطة في الحركة، وهذا من أهم علامات تخمر الأزمة الطبقية.

إن الغضب يتصاعد، وتحاول الجماهير العاملة أن تنهض وتنتظم، لكن حالة الفراغ السياسي تبطأ تلك السيرورة. إن القادة النقابيين في “اتحاد نقابات مصر” اليوم خاضعين بشكل كامل لهيمنة الديكتاتورية العسكرية، لكن قد يتغير الوضع في المستقبل القريب، وتتعرض البيروقراطية النقابية لضغط العمال ويتم إجبارها على سلك طريق أكثر نضالية، أو تتجاوزها القواعد العمالية بمنتهى البساطة. ومع تصاعد النضالات سيميل عمال القطاع الخاص لربط لجانهم النقابية ببعضها البعض، وبدأت تظهر بعض الملامح الأولية لذلك بالفعل.

وعلى الطرف الآخر، نشهد إنحطاط غير مسبوق لكل “الرموز” الإصلاحية في البلاد. في الوقت الذي بدأت الجماهير العاملة في الاستيقاظ كتب هؤلاء الإصلاحيين البؤساء شهادة وفاتهم بالالتحاق بالسلطة وتذيلها. لقد احترقت كل تلك الشخصيات والأحزاب المعروفة وفقدت مصدقيتها تمامًا في أعين الجماهير.

للأسف، الجماهير متروكة للتعلم من تجربتها العفوية بلا أي نوع من أنواع القيادة الثورية والسياسية، وهو ما يجعل عملية التعلم واستخلاص الدروس اللازمة والصحيحة والسير في طريق الثورة أبطأ، لكن سيرورة التعلم حقيقة واقعة.

بديل ثوري أم بديل مدني ديمقراطي؟
تكتسب الدعوات من أجل الانتقال لـ”دولة مدنية ديمقراطية” زخم متنامي بين الجماهير والشباب، في مواجهة الحكم العسكري القمعي الحالي. هذا مفهوم بالطبع، وعلامة على تنامي الكراهية تجاه الديكتاتورية العسكرية بين طبقات وشرائح واسعة من الجماهير. أصبح هناك رغبة عميقة وحقيقية في تغيير الوضع الحالي. لكن، خلف أغلبية الأبواق السياسية التي تتبنى تلك الدعاوى تقبع مصالح وأهداف ليست نفس مصالح وأهداف الجماهير.

في الوقت الذي تقصد فيه الجماهير والشباب بـ”الدولة المدنية الديمقراطية” إنهم يريدون التخلص من القمع والديكتاتورية والفساد والفقر والمعاناة، بأقل الخسائر الممكنة، ونحن مع الجماهير والشباب بشكل كامل في ذلك؛ فإن ما يقصده الليبراليون بـ”البديل المدني الديمقراطي”، هو إيجاد طريق آمن للتعبير عن الغضب المتصاعد من قبل الجماهير، بتوجيه غضبها تجاه الديكتاتورية العسكرية حصرًا، دون أن يمتد ذلك الغضب للمصالح الطبقية والاجتماعية التي تعبر عنها الديكتاتورية العسكرية.

ينضم لتلك الدعاوى الاشتراكيين الديمقراطيين والناصريين وبعض من يسمون أنفسهم ماركسيين. يتعامل الإصلاحيون كحذاء أيسر للطبقة السائدة. يريدون أن يظهروا أنفسهم للطبقة السائدة بصفتهم “محترمون” للغاية ويلعبون وفقًا للقواعد، وأنهم يقدمون البديل عن انفجار الجماهير، وإنهم إن تولوا السلطة فسوف ينسون حماقة الماضي “الراديكالي” الخاص بهم ويتعاملون بـ”مسؤولية” ولن يذهبوا بعيدًا أكثر من اللازم.

لا يجب أن تخدعنا الخطابات “الراديكالية” المعارضة، فسوف نسمع الكثير منها في السنوات القادمة، وإنما العبرة بالمصالح الطبقية والأهداف السياسية التي تعبر عنها الأحزاب والشخصيات المختلفة.


من المفارقات إن هذا يحدث في الوقت الذي بدأت الجماهير تستيقظ وتنهض وتبحث فيه عن بديل للنظام الحالي، مثلما تُظهر مقدار المصداقية الملحوظ الذي يحظى به أحمد الطنطاوي بين الجماهير، والشباب بشكل خاص، ومقدار الحراك السياسي الذي نشأ عن ذلك لأول مرة منذ سنوات، هذا بدون برنامج ثوري حقيقي، وإنما فقط لخطابه الصدامي والراديكالي المعارض للديكتاتور بشكل مباشر وجريء، فقط لاستشعار الجماهير بصدق نيته خوض معركة حقيقية ضد السيسي، بغض النظر عن قدرته الفعلية عن ذلك، وكونه شخص غير ملوث بخيانات الماضي.

في هذا الوقت المطلوب ليس إيجاد طريق آمن يضحي بالديكتاتورية العسكرية من أجل الحفاظ على نفس النظام، وليس الاكتفاء بمعارضة الديكتاتور، وإنما المطلوب برنامج ثوري حقيقي يعبر عن المصالح الطبقية للعمال والمُفقرين، المطلوب إيجاد قيادة ثورية حقيقية للجماهير لإسقاط النظام الرأسمالي.

من المؤكد إن إسقاط عبد الفتاح السيسي وديكتاتوريته العسكرية عن طريق ثورة جماهيرية سوف يرفع سيف البطش الفج من على أعناق الجماهير، على الأقل لفترة من الزمن، وسوف يفتح الطريق لمرحلة جديدة من الصراع الطبقي. سوف يوفر هذا للطبقة العاملة والثوريين مساحات للحركة والنضال والتنظيم، وهذا مطلوب بالطبع. لكن ما يمكن أن يضمن إن إسقاط الديكتاتورية العسكرية يكون الخطوة الأولى نحو النضال من أجل إسقاط الرأسمالية هو وجود بديل ثوري، واستمرار غياب ذلك البديل الثوري سيؤدي لاحتواء الغضب الجماهيري مهما كان قويًا في النهاية من أجل الحفاظ على النظام سليمًا مع التضحية برأسه، مثلما حدث مع حسني مبارك.

ومن أجل ذلك، يجب أن يحافظ الماركسيين على مسافة بينهم وبين الدعاوى حول “الديمقراطية البرجوازية”، وأن لا يتصرفوا كحاملي لوائها، هذا بالذات في الوقت الذي يسير الاتجاه العام للمجتمع نحو شكل أو صيغة ما من الديمقراطية البرجوازية، وأن نعطي المطالب الديمقراطية للعمال والجماهير محتوى طبقيًا.

لا يمكن أن تُقدم الطبقة السائدة على تقديم أي تنازل ديمقراطي أو اجتماعي إلا تحت ضغط النضال العمالي والجماهيري، ولن تحل ما تُسمي “الدولة المدنية الديمقراطية” أي شيء في حد ذاتها. وفي سياق الأزمة الاقتصادية الحالية سوف تكون تلك “الديموقراطية” مضطربة للغاية، لأن الديمقراطية البرجوازية لا تستطيع الحياة والعمل بشكل طبيعي إلا في ظل حد أدنى من الاستقرار والنمو الاقتصادي، وبالتالي دائمًا ما ستحاول وتعمل الطبقة السائدة على استرداد كل التنازلات التي تُجبر على تقديمها، وهو ما يعتمد على ميزان القوى الطبقية في اللحظة المعينة.

لقد سقطت الدكتاتورية العسكرية في البرازيل وتشيلي واندونسيا وغيرهم من البلدان، نحن لسنا استثناء التاريخ، وتم إقامة أنظمة ديمقراطية برجوازية لم تفعل سوى إنها مثلت ستار يحجب استمرار نفس المصالح الطبقية، وبالتالي استمرار فقر وبؤس الجماهير ومعاناتها. ومع الأزمة الرأسمالية العالمية الحالية، دخلت الديمقراطية البرجوازية بشكل عام في أزمة في كل مكان في العالم، حتى في البلدان المتقدمة، وبدأت تنفضح بوصفها ديكتاتورية لرأس المال ولكن بقناع “ديمقراطي” يجعل الأمور أقل إضطرابًا من الأنظمة الديكتاتورية والبونبارتية والفاشية.

بعد سقوط السيسي وديكتاتوريته، وسوف يحدث هذا طال الزمن أو قُصر، سوف تواجه الطبقة السائدة مشاكل جدية في التحكم في الأمور، سوف تسود فترة من “الديمقراطية البرجوازية” المضطربة في الغالب، ومد للحركة العمالية والجماهيرية. سوف يسود جو من النشوة والتفاؤل المفرط، ولكن التجربة سوف تعلم الجماهير العاملة إن الحل الوحيد والجذري هو إسقاط الرأسمالية. وكل من سوف يتورط في صفقة “الانتقال الآمن” و”الوحدة الوطنية” المقبلة التي ستُدفع إليها الطبقة السائدة من أجل الحفاظ على نظامها سوف يسقط في اختبار الأحداث ويُرمى في مزبلة التاريخ.

وبعد ذوبان نشوة إسقاط الديكتاتورية سوف تأتي فترة من الإحباط من نتائج الديمقراطية البرجوازية التي سيثبت فشلها الاقتصادي سريعًا، خصوصًا في سياق أزمة الرأسمالية المصرية والعالمية غير المسبوقة. إن حافظنا، نحن الماركسيون، على رايتنا نظيفة ولم نتلوث بالتعاون الطبقي، واتبعنا نصيحة لينين “اشرح بصبر”، وشرحنا للطبقة العاملة إن الحل الوحيد للقضاء على القمع والديكتاتورية والبؤس والفقر والمعاناة مرة واحدة وإلى الأبد هو بإقامة ديمقراطية عمالية وبمصادرة البنوك والمفاتيح الرئيسية للاقتصاد وتنفيذ خطة إنتاج اشتراكية بشكل ديمقراطي، حتى وإن تعرضنا للعزلة فترة من الزمن، وتقدمنا يد بيد مع العمال وهم يتعلمون من مدرسة الأحداث، فسوف يكون المستقبل لنا بالطبع.

من أجل الاستعداد للمستقبل الآتٍ
لقد وصلت الديكتاتورية العسكرية لطريق مسدود، انفجرت الأزمات تلو الأزمات، وأصبحت اليوم معلقة في الهواء، لا تعتمد إلا على القوة العارية، واستمرار خمول وإرهاق الجماهير من الأزمة الاقتصادية هو الذي يطيل في عمرها. وهو ما يمكن أن يتغير في أي لحظة.

إن أزمة النظام يستطيع أن يراها أكثر ممثلين رأس المال ذكاءً وبعدًا للنظر، وأكثر ما يرعبهم هو الكراهية المتزايدة تجاه الجيش، لأن هذا يفقد الطبقة السائدة رمانة ميزانها وورقتها الرابحة التي لطالما استخدمتها لعقود.

تتوافق منظورات الماركسيين أحيانًا كثيرة مع منظورات منظرين رأس المال الأكثر جدية، وإن كانت من وجهة نظر طبقية مضادة ومتشائمة تجاه المستقبل، وهذا التشاؤم علامة على عمق الأزمة. يقول الدكتور والسياسي البرجوازي اللامع حسام بدراوي بلغة ذكية:

النهاردة بقي، اقولك الصعوبة، مفيش إخوان…مفيش إخوان احنا شافينهم، لكن فيه إخوان تحت السطح، فمش بديل. القوات المسلحة العظيمة القادرة التي أرفع لها القبعة وضعت نفسها أمام تحدي التنمية، فالناس لما تفشل التنمية حيلقوا اللوم على مين؟ على المؤسسة العسكرية. “Unfair”. معدش قدامك حاجة. المؤسسة العسكرية المحترمة المفروض إن هي تتراجع عن الاستثمار والمنافسة وتظل حامية الدولة، وحامية الدستور، وحامية الشعب، يلجأ إليها عند اللزوم علشان متحصلش الفوضى. احنا في الفترة الانتقالية -كانت المفروض جزئية-، لكن احنا وصلنا لمرحلة إن ليس أمامك بديل، غير بقاء الأمر كما هو عليه، للأسف.

وأطلق بعدها تحذير جدي للديكتاتور:

من في إيده الخيوط كلها دلوقتي؟ الرئيس. أنا أحمله المسؤولية أنه ينقل البلاد إلى شكل مؤسسي يضمن تداول السلطة وضمان التغيير. حسني مبارك كان في إيده كل الخيوط، ووقع. وأنور السادات كان في إيده كل الخيوط، وقُتل. وجمال عبد الناصر كان في إيده كل الخيوط، وانهزم هزيمة شنيعة في 67.

إن هذا إنظار جدي بقرب غرق السفينة، لكن المخبول القابع في القصر الجمهوري، بونابرت مصر عبد الفتاح السيسي، كان وما زال وسوف يظل يعيش في ضلالات العظمة وأوهام المجد، التي يغذيها الانتهازيين والمنتفعين والمجرمين من حوله.

سيُهزم الوغد مختالاً بنصرته … فليس أسهل من إهلاك مختالٍ.

-تميم البرغوثي

إن الوضع الحالي يحمل مقدمات شروط الثورة الثلاثة التي عدها لينين: الطبقة السائدة لا تستطيع أن تحكم بنفس الطريقة القديمة، الجماهير ترفض أن تُحكم بالطريقة القديمة، أزمة اقتصادية عنيفة تدفع الشرائح الوسطى لأخذ طريق أكثر راديكالية. يجب أن نكون دقيقين: إننا نشهد بدايات تحقق الشروط الثلاثة الآن.

لا يجب أن نذهب أكثر من ذلك في التوقعات، لسنا سذجًا ولا متشائمين بالطبع. ليس كل وضع ثوري يؤدي للثورة، كما قال ماركس: “الفقر لا يصنع ثورة، بل وعي الفقير هو الذي يصنع الثورة”. وعي الجماهير محكوم بتجاربها السابقة بشكل كبير، تلك التجارب السابقة لا تشجعها -حتى الآن على الأقل- للتحرك في طريق الثورة، خصوصًا في ظل غياب حزب ثوري، أو حتى حزب جماهيري إصلاحي ذو مصداقية في أعين الجماهير، يسرع سيرورة الثورة. قد تتسارع الأحداث بين يوم وليلة ويفاجئنا المستقبل القريب، فالثورة لها ديناميكيتها الخاصة في النهاية. لكن ما نستطيع أن نؤكده الآن: إن الاتجاه العام للحركة يسير في اتجاه ثوري.

في ذلك السياق، تُصقل الجماهير في مدرسة الأحداث العظيمة، يقول لينين: “الحياة تعلم”، والحياة تعلم الجماهير المصرية التي تحملت الفقر والذل والقمع والظلم والمعاناة المريرة طوال العشر سنوات الماضية دروس قاسية، وتدفعهم للنهوض لإسقاط الدكتاتورية العسكرية. سوف نشهد مزيد من النضالات الاقتصادية والاجتماعية، التي سوف تعبر عن نفسها في الجبهة السياسية في أقرب فرصة، في التوقيت والمكان المناسبين عندما تكون الطبقة العاملة والجماهير مستعدة.

سيكون المستقبل القريب مليء بالأحداث المهمة. سوف تتعمق الأزمة الاقتصادية أكثر، سوف تزيد الحياة صعوبة وبؤسًا، ومن المرجح أن نشهد هجمة قمعية بعد الانتخابات الرئاسية، النظام يدرك إن لا داعمين ولا حلفاء له وهو ما يمكن أن يدفعه لأقصى درجات الجنون. سوف تزيد عزلة الديكتاتورية العسكرية في السنوات القادمة، وحتى إن استطاع السيسي أن يمرر الانتخابات الرئاسية القادمة فستكون تلك البداية وليست النهاية، سيكون عليه أن يواجه وضعًا مختلفًا تمامًا عن العشر سنوات الماضية. لكن كما يقال لابد لليل من أخر، إن أكثر لحظات ليل القمع سوادًا هي التي سوف تسبق شروق شمس الحرية.

على الماركسيين أن يكونوا جاهزين بأكبر قدر ممكن لتلك اللحظة، ونقطة البداية هي دراسة النظرية الماركسية، “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية”. في سياق النهوض الثوري القادم في مصر تستطيع مجموعة صغير معدة جيدًا من الكوادر الماركسية، بتكتيكات وشعارات صحيحة، أن تحظى بتأثير كبير في وقت قصيرًا نسبيًا.

كل هذا يعتمد على السنوات القليلة القادمة التي لا يجب أن نضيع أي لحظة فيها أو ندخر أي مجهود خلالها. هذا ما نعمل من أجله في تيار النداء الاشتراكي في مصر، والتيار الماركسي الأممي في مختلف البلدان حول العالم، وندعو كل الثوريين والثوريات للانضمام إلينا في إنجاز مهمة بناء منظمة ماركسية حقيقية قوية، من أجل بناء القيادة الثورية التي تستحقها الطبقة العاملة المصرية.

في النهاية رسالة لكل الرفاق والرفيقات: لا تستعجلوا ساعة اندلاع الثورة، وإنما تجهزوا لها، فهي قادمة لا محالة. في يومٍ يرونه بعيدًا ونراه قريبًا.

الحرية للمعتقلين السياسيين!

تسقط الديكتاتورية العسكرية الحاكمة!

من أجل بناء منظمة ماركسية!

يسقط النظام الرأسمالي!

من أجل حكومة عمالية!