محمد حسنين هيكل والربيع العربي-قراءة نقدية لطروحاته-


رابح لونيسي
2023 / 7 / 5 - 20:52     

يعد الإعلامي المصري محمد حسنين هيكل من أبرز الإعلاميين الذين عرفتهم منطقتنا، ولا يمكن كتابة التاريخ المعاصر لهذه المنطقة دون العودة إلى كتاباته ورؤاه. فهو يعد مصدرا لهذا التاريخ منذ أن ألف أول كتاب له بعنوان "إيران فوق بركان" في1951 يتحدث فيه حول إيران أثناء محمد مصدق وعملية تأميمه النفط الإيراني بكل إنعكاساته، وكان آخر كتاب له قبل وفاته يدور حول الرئيس حسني مبارك، وهو في ثلاث أجزاء يتحدث فيها حول هذا الرئيس عند توليه السلطة في 1981 ثم مختلف لقاءاته معه ومقالات وحوارات عن سياساته، أما الجزء الثالث والأخير من هذا الكتاب، فهو في الأساس عبارة عن حوارات مع صحف وفضائيات أثناء وقوع ما يسمى ب"الربيع العربي" في2011، مركزا على بلده مصر.
لم يستخدم محمد حسنين هيكل إطلاقا المصطلح الشائع آنذاك "الربيع العربي"، بل كان يسمي ما يحدث في مصر بأنها ثورة يجب على الكهول وأمثاله عدم التدخل لأنهم يختلفون عن هؤلاء الشباب الذين أنبهر بهم. فحتى لو تطرق إلى العنف الذي يحدث في ليبيا وسوريا واليمن، فإنه لم يوليه أهمية لأنه يعتبر مصر مختلفة عنهم. كما حمل القذافي مسؤولية ما وقع في ليبيا من عنف عندما يروي بأن في آخر لقاء معه قبل وقوع التمرد عليه جعلته يتوصل إلى نتيجة مفادها بأن القذافي قد أنتهى، وقام بدورة كاملة انتقل فيها من رجل ثوري في شبابه إلى عدو لشعبه في كهولته. ونعتقد انه مسار كل الثورات والقيادات التي تقودها التي تبدأ ثورية، وتنتهي إلى معاداة الشعب وتكرار نفس ما قامت بها الأنظمة التي أسقطتها. فقد تناول الباحث الأمريكي كرين برنتون Crane Brinton هذه الظاهرة المتمثلة في هذه الدورة بالتفصيل والتحليل في كتابه "دراسة تحليلية للثورات The Anatomy of Revolution" الذي خصصه لكل من الثورات الثلاث الكبرى الفرنسية1789 والأمريكية1776 والبلشفية1917.
فسر هيكل أسباب رفضه إستخدام مصطلح "الربيع العربي" في الصفحات الأخيرة من الجزء الثالث من كتابة عن مبارك المعنون "مصر إلى أين؟- مابعد مبارك وزمانه-" واصفا الربيع بأنه فصل سينتهي، وأنه يتشاءم من هذه التسمية الأوروبية لأنها تؤدي دائما إلى الفشل كما وقع لثورات1848 في أوروبا، وكذلك ربيع براغ1968 والثورات الملونة في أوروبا الشرقية وغيرها. كما حذر هيكل من محاولات إختطاف وسرقة ما يعتبرها ثورات من عدة قوى عالمية ومحلية، فذكرنا بما وقع لما يسمى بالثورة العربية الكبرى في 1916 التي بدأت ثورة لتختطف بعد ما سلم أمرها إلى الشريف حسين التي سلمها بدوره إلى رجل المخابرات البريطانية الملقب ب"لورنس العرب" صاحب كتاب "أعمدة الحكمة السبعة" الذي روى فيها هذه الخديعة وكل تلاعباته بقيادات هذه الثورة بأسلوب أدبي راق. فبناء على ذلك ينصح هيكل في 2012 بالعودة إلى كتاب مشابه في مخططه دون أسلوبه الأدبي، وهو كتاب عراب الربيع العربي في ليبيا الصهيوني برنارد هنري ليفي صديق الرئيس الفرنسي آنذاك ساركوزي، وعنوان الكتاب هو "الحرب دون أن نحبها- يوميات كاتب في قلب الربيع الليبي-La Guerre sans l’aimer" أين يبين فيه بأنه كان يحرك كل شيء أثناء تلك الأحداث كما كان يفعل لورنس في 1916.
لم يتحدث هيكل إطلاقا بأن وراء ما كان يقع آنذاك في مصر بأنها مؤامرة خارجية رغم تحذيره من محاولات إختطاف ما يعتبرها ثورة كما أشرنا من قبل، خاصة في سوريا وليبيا وغيرها. فعندما يسأل عن ما كان يطلق عليه "الفوضى الخلاقة"، فإنه لم يرى ذلك مؤامرة، بل مجرد مصطلح أستخدمته وزيرة خارجية أمريكا كونداليسا رايس موظفة نظرية علمية تخص نشأة الكون بغض النظر عن صحتها من عدمها، فينبه بصفته كمسلم بإنه لا يؤمن بهذه النظرية التفسيرية لنشأة الكون. تقول هذه النظرية بأن إنفجار ضخم قد وقع، وأدى إلى تفاعلات أنتجت هذا النظام الكوني، وإذا نقلنا ذلك إلى المجال السياسي، فإن الفوضى الخلاقة ضرورية لمدة، ثم سينبثق عنها بعد فترة نظاما سياسيا جديدا بعد عدة تفاعلات. ويرى هيكل أنه لو نطبق ذلك على ليبيا أو سوريا اليوم، فهي فوضى ستؤدي حتما إلى إرهاق المتصارعين، فيضطرون إلى إنتاج نظاما أكثر إستقرارا. وبودي أن أشير أني قد وجدت نفس الرؤية لدى المفكر السوري هاشم صالح تلميذ محمد أرٍكون ومترجم كتبه إلى العربية الذي يدعو إلى التنوير مثل أوروبا. فقد رحب هاشم صالح بعنف وإرهاب الإسلاميين المعادي لهم في كتابه "الإنسداد التاريخي"، وأعتبرها ظاهرة إيجابية، ستؤدي - في نظره- إلى إنهاء ما يعتبره أفكار القرون الوسطى والخروج مما يعتبره إنسدادا تاريخيا تعيشه منطقتنا، وسينتج عن ذلك إنتشار أفكار التنوير، وسيدخل -حسبه- هذا العنف والإرهاب منطقتنا عصر الحداثة مثل أوروبا رغم مقتل الآلاف من البشر.
غاب في تفسيرات حسنين هيكل لما وقع من عنف مسألة العصبيات الطائفية والجهوية والقبلية واللسانية وغيرها التي تعشش في ذهنية شعوب منطقتنا، وأنه كلما ضعفت الدولة، ستظهر كل هذه العصبيات، وتدخلنا في فوضى عارمة تحطم كل شيء. فقد غاب ذلك عنه رغم أنه يردد كثيرا في كتاباته عن ضرورة توفير الظروف الإجتماعية والإقتصادية التي تسمح بدخول الحداثة وإنتشار أفكار المواطنة والديمقراطية وغيرها، وهي تقريبا نفس ما ندعو له دائما في كتاباتنا بما نسميه توفير أرضية إجتماعية وإقتصادية صلبة كي تنجح الديمقراطية عندنا، و لن يتم ذلك إلا بثورة صناعية تغير قوى الإنتاج بصفتها بنية تحتية التي ستغير بدروها الثقافة والذهنيات وشكل الدولة وغيرها بصفتها بنية فوقية (أنظر مثلا مقالتنا "شروط الثورة الديمقراطية بين ماركس وبن خلدون" في الحوار المتمدن عدد5888 بتاريخ 30/05/2018).
نلاحظ تكرار هيكل في كل كتاباته عن مبارك دعوته في 2009 أي قبل 25 جانفي2011 إلى إنشاء مجلس الأمناء من أجل الدستور يطالب فيه بإختيار شخصيات كبيرة وإنتخاب ممثلين عن كل الشرائح الإجتماعية والمهنية، خاصة رجال القضاء وأساتذة الجامعات التي ستقوم بصياغة دستور جديد لمصر يخرجها من أزماتها،أي بتعبير آخر مجلس تأسيسي يضع دستورا يجد الجميع أنفسهم فيه دون أي إقصاء لأي عنصر كان، خاصة الأقباط الذين يجب أن يشعروا بمواطنيتهم الكاملة مركزا على القول بأن في دولة المواطنة لا وجود لأغلبية وأقلية، فالجميع متساوون أمام القانون، ولهم نفس الحقوق والواجبات ومنها الحق في المناصب التي يجب أن تتم على أساس الكفاءة فقط لا غير، وكتب بكل صراحة بأن أي محاولة لإقامة دستور لا يجد بعض المواطنين أنفسهم فيه معناه محاولة من واضعي هذا الدستور لدفع هؤلاء المواطنين الذين نزعت منهم بعض حقوقهم المواطنية إلى الإنفصال عن الدولة التي أصبحت ليست دولتهم مادام لا يجدون أنفسهم فيها.
يقول محمد حسنين هيكل عن ما حدث في مصر بأن لا المجلس العسكري ولا الشباب والقوى السياسية فهمت ما يسميها ب"المرحلة الإنتقالية" التي يجب أن تؤسس لنظام جديد يحقق التغيير، فالجميع كان يعتقد أن المرحلة الإنتقالية هو نقل سلطة إلى سلطة أخرى. فتسارع الجميع للحصول على تلك السلطة بكل ما وقع من ضغط وفوضى، خاصة على المجلس العسكري الذي وضع الإنتخابات النيابية ثم الرئاسية قبل وضع دستور جديد لكل المصريين عبر ما يسميه مجالس الأمناء للدستور. فالمجلس العسكري - في نظره- كان يريد الهروب إلى الأمام بسبب الضغوط الممارسة عليه، فأراد التخلص من تركة مبارك. وبشان هذا الأخير، يرى هيكل بأنه من الخطأ محاكمتة حول النهب، بل المحاكمة يجب أن تكون حول سياسات بأكملها كي لا تتكرر الأخطاء مستقبلا. فهو يشير بإلحاح حول إقامته في شرم الشيخ، ويحذر من إمكانية ثورة مضادة بعد ما أستقر فيه بكل الموالين له الذين كانوا يتلقون أوامره منه بعد ما بقوا في مناصبهم.
فلنتصور أن المجلس العسكري سمع لمحمد حسنين هيكل، وأقيم مجلس الأمناء للدستور كما يسميه، وتم وضع دستور تنبثق عنه عملية البناء، فهل كان سينجح ذلك في مصر؟، فلعل هيكل سيغير رأيه لو عاش لسنوات أخرى، ورأى بأم عينيه تراجع تونس عن ذلك وعودتها إلى الدكتاتورية رغم مرورها بمرحلة إنتقالية وبمجلس تأسيسي وضع دستورا جديدا للبلاد. ويمكن تفسير ما وقع فيما بعد في تونس بملل الشعب ويأسه من الوضع وتذمره من كل هؤلاء السياسيين الذين كانوا في المعارضة بعد ما أكتشفوا أنهم لا يختلفون عن من قبلهم إن لم يفوقهم رداءة وجشعا، وهو ما سمح لقيس السعيد بالإستيلاء على السلطة بعد الوصول إليها بإنتخابات رئاسية. نعتقد أن نفس الأمر سيقع في مصر حتى ولو وضع دستورا جديدا قبل الرئاسيات كما طالب حسنين هيكل (أنظر مقالتنا " تشريعيات تونس الأخيرة- نهاية الثقة الشعبية في العمليات الإنتخابية السائدة-" في الحوارالمتمدن عدد7467 بتاريخ19/12/2022).
ان المشكلة أعقد مما يتصورها محمد حسنين هيكل الذي غابت عن ذهنه أن المصالح الخاصة والدفاع عنها هي التي تحرك كل من يأخذ السلطة أو يصل إليها بأي طريقة كانت حتى ولو بإنتخابات شعبية، وأن الدولة هي مجرد أجهزة ومؤسسات في خدمة الطبقات المسيطرة عليها. فهو نفس ما وقع في تونس أين تحولت هذه الأجهزة إلى أدوات يستخدمها السياسيون الجدد الذين وصلوا إلى السلطة بفعل ما يسمى ب"ثورة الياسمين" لسلب الثروات على حساب عموم الشعب بطرق قانونية وشرعية، إضافة إلى إستمرار الأزمات الإقتصادية ما لم يتم فك الإرتباط بمراكز الرأسمالية العالمية التي أوصلت تونس اليوم إلى فوهة بركان.
فقد عادت الدكتاتوريات من جديد اليوم بسبب فقدان الثقة في كل السياسيين والأحزاب، ومنهم شباب الربيع العربي الذي أظهر نفسه بأنهم حتى هم مجرد متعطشين للسلطة والنهب والسلب بشكل أكبر من سابقيهم. فأعطى شرعية للدكتاتوريين الجدد بعد إستقالة الشعب من السياسة وكرهه للأحزاب التي تستغل العمل السياسي للنهب والسلب تحت غطاءات تضحك بها على ذقون الشعب. وقد أزدات اليوم هذه الدكتاتوريات ضراوة بعد لجوء بعضها إلى مجموعة البريكس ليس خدمة إقتصادها كما يعتقد البعض، بل كي تتخلص من الضغوطات الأمريكية التي تستخدم الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان للضغط على هذه الأنظمة ليس خدمة لهذه القيم، بل لخدمة مصالحها حتى هي أيضا.
نعتقد بأن حل هذه المشكلات كلها هو في إبداع نظام سياسي بديل يجد الجميع أنفسهم فيه، ولا يجعل أجهزة الدولة أداة للإستغلال والنهب والسلب. وقد أرتأينا كي نحل هذه المشكلة العويصة إلى طرح نظام سياسي بديل في كتابنا "النظام البديل للإستبداد- تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-" أين جسدنا عمليا، وليس بالشعارات الفارغة، بل بمؤسسات وآليات وميكانيزمات عملية يقام على أساسها دولة تكون في خدمة الجميع، وليس خدمة طبقة أو فئة أو قبيلة أو أيديولوجية وغيرها.
لا يمكن لنا في هذه المقالة البسيطة التطرق إلى كل أسس هذا النظام الجديد على الأصعدة السياسية والإجتماعية والإقتصادية إلا أن من أبرز ما طرحناه هو معالجة مسألة التمثيل في المجالس الشعبية، خاصة الهيئة التشريعية، ويعد إعادة النظر في ذلك أحد أسس هذا النظام البديل، حيث يصبح التمثيل في البرلمان على أساس الشرائح الإجتماعية والمهنية بدل التمثيل المبني على أساس دوائر إنتخابية على أساس جغرافي يمكن أن تكون الكثير من الفئات الإجتماعية والمهنية غير ممثلة في البرلمان، ويمكن مثلا أن تسيطر عليه فئات فقط دون أخرى التي لا تجد من يدافع عن مصالحها، ويطرح إنشغالاتها. ولهذا يجب على كل شرائح وفئات المجتمع المهنية بما فيهم البطالين ورجال المال وغيرهم أن ينتخبو ممثلين لهم في البرلمان، وذلك بإعتماد كل شريحة إجتماعية ومهنية كدائرة إنتخابية.
لكن هذا غير كاف إلا إذا أمتلك كل ممثلي شريحة أو فئة إجتماعية أو مهنية حق الفيتو في كل مشروع قانون أو قرار يخصها، ويمكن أن تتفاوض مع السلطة التنفيذية في حالة ضرورة الحفاظ على توازنات، أما إذا تعلق القانون أو القرار بمصالح عدة شرائح وفئات إجتماعية، فيتم التفاوض حوله بتنازلات فيما بينهم لحفظ مصالح الجميع. وبهذا الشكل يتم نقل الصراعات الإجتماعية التي تشل الحركة الإقتصادية بفعل الإضرابات إلى مبنى البرلمان، لكن هذا لا يكفي لتحقيق مصالح كل شريحة إلا إذا بقيت مصالح ممثليها في البرلمان مرتبطة إرتباطا وثيقا بمصالح شريحتهم الإجتماعية والمهنية، مما يجعل كل ممثل أو نائب برلماني الذي يعمل من أجل مصلحته الإجتماعية، سيحقق بوعي أو دون وعي منه مصلحة الشريحة الإجتماعية التي يمثلها، ولا يتم ذلك إلا بإلغاء كل الإمتيازات لهؤلاء الممثلين والنواب بحكم تواجدهم بالبرلمان بإستثناء الحصانة التي تكفل له حرية النقد والتعبير والممارسة، ولكن لمواجهة خطر شراء هؤلاء النواب الممثلين للشرائح الإجتماعية من أصحاب المال أو من السلطة التنفيذية يجب تفعيل ميكانيزمات عملية لمبدأ “من أين لك هذا؟”، ويطبق على الجميع.