مصر: الديكتاتور يعيد تقديم أوراق اعتماده لرأس المال


محمد حسام
2023 / 2 / 24 - 10:59     

حديث مطول آخر للديكتاتور، لكن هذه المرة في الإمارات، عرض فيه وجهات نظر الديكتاتورية العسكرية الحاكمة عن الماضي والحاضر، وكاشفة للمستقبل.

بوداعة تليق بتابع مأزوم، يحاول السيسي إعادة تقديم أوراق اعتماده للرأسمالية في الخارج من جديد، يساعده في ذلك العصابة الحاكمة في الإمارات، خصوصًا بعد أن تزايدت الشكوك حول مدى قدرته على خدمة الطبقة السائدة، حتى من حلفائه في السعودية.


كعادة غرامه بالميكرفون بدأ الحديث كالقطار الذي لا يتوقف. مجددًا، خطاب أطول من اللازم بكلمات يعاد تكرارها، لا يُفهم نصفه، بأرقام وإحصائيات نصفها على الأقل عشوائي ولا أساس لها من الصحة يحاول بها أن يخدم سرديته عن التحدي الضخم كالجبال، يحاول به تبرير كل الإجراءات التي اتخذت في الماضي، وأنها لصالح الجميع، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان.

توازن دقيق وخطر يقوم عليه النظام
بعد هزيمة الثورة المصرية كانت الرأسمالية المصرية في حالة ممزقة، وجهات نظر مختلفة حول ما يجب أن يحدث وكيف تحل الأمور وما هو الطريق لاستعادة استقرار النظام، تخلخل تام في وحدة الطبقة السائدة، عدم استقرار متضمن في أسس الوضع الاقتصادي والسياسي، هروب مستثمري الداخل والخارج خوفًا من مد الصراع الطبقي الذي استمر ثلاث سنوات، وظل مُسْتَمِرًّا بوتيرة متباطئة لحدود أواخر عام 2014. هنا تقدم عبد الفتاح السيسي، بونابرت مصر، ليقدم نفسه للطبقة السائدة، مستندًا إلى المؤسسة العسكرية وحالة الاستقطاب الحاد التي كان المجتمع فيها في ظل حكم الإخوان المسلمين وبعدها، وحالة الإرهاق العامة.

حينها تعلقت الطبقة السائدة في مجملها بالديكتاتورية العسكرية البازغة للقضاء على الحركة الجماهيرية واستعادة استقرار نظامها، وتعلقت الطبقة العاملة والجماهير بالأمل الزائف للعودة إلى “الاستقرار”، التي كانت تأمل أن يعود عليها باستقرار أوضاعها المعيشية التي تدهورت بعد سنوات الحركة المفرطة، والتي لم تجلب النتائج التي كانت تتمناها وحمايتها من جنون الإسلاميين. حاولت حينها الديكتاتورية العسكرية إظهار نفسها حكم بين الطبقات وممثلة “الأمة المصرية”، وهذا هو أساس شهر العسل بين السلطة والجماهير الذي استمر عدة سنوات، وأساس خفوت الصراع الطبقي لفترة من الزمان، مع حملة قمع وحشية لم تشهد البلاد مثلها من قبل، أكبر وأعنف موجات الثورة المضادة في التاريخ المصري الحديث، لكن شهر العسل هذا انتهى بالفعل.

أصبحت الديكتاتورية العسكرية منذ حينها هي المعبر عن المصالح الجامعة للطبقة السائدة، وحظيت بدعم أغلبية الطبقة السائدة في الداخل والإقليمية في الخارج، واستغلت الدعم المقدم لها من الجماهير حينها في تحمل ضغط الغرب في البداية قبل أن تحظى بدعمه لاحقًا كما كان متوقعًا، وفي سحق الأجنحة الخطرة من الطبقة السائدة، طبعًا الخطرة على بقاء النظام وليس على الجماهير.

واجهت الديكتاتورية العسكرية الحاكمة منذ البداية وضعًا اقتصاديًا مهترئًا للغاية، وهذا ما يصفه الديكتاتور بـ”المسارات والتحديات المتوازية”، ومع عزوف رجال أعمال الداخل والخارج عن الاستثمار، اضطرت الدولة أن تتدخل بأموالنا (عن طريق الاستدانة الموسعة وطباعة النقود والتقشف…إلخ) لتهيئة الظروف ليعود الرأسماليون لحصاد ما دفعنا جميعًا ثمنه غاليًا، معتمدة في ذلك أيضًا على دعم قوى إقليمية قوية ماليًا، مثل الإمارات والسعودية والكويت، ولولاهم فعلاً لم يكن ليقم للنظام الرأسمالي قائمة في مصر، كما قال عن حق الديكتاتور شخصيًا.


أولوية السلطة حينها كانت القضاء على البطالة ومحاولة دفع عجلة السوق للدوران، وهو ما استطاعت فعله بشكل كبير عن طريق “المشاريع القومية” التي تركزت بشكل على البنية التحتية، التي امتصت ملايين العمال، 5 ملايين عامل يعملون في تلك المشاريع بشكل مباشر حسب الأرقام الرسمية، هذا بخلاف تشغيل السلسلة الإنتاجية المرتبطة بهذا المجال كلها، حققت استقرارًا نسبيًا للاقتصاد، وأحيانًا نموًا ملحوظًا وإن كان غير مستقر وغير محسوس بالنسبة للجماهير.

لكن هذا هو الجزء الأول من القصة، أو بمعنى أصح الجزء الجيد منها، الجزء السيئ أن هذه المشاريع لم تحدث بناء على خطة اقتصادية واقعية وعقلانية إطلاقاً، أغلبها ناتج عن الإبداعات المثالية والأحلام الشخصية للديكتاتور ودائرته المقربة، كثير منها غير مدروس إطلاقًا وفشل بالفعل بعد إهدار مليارات الدولارات، وجزء مدفوع فقط بالطموح الشخصي للزعيم الخالد في تشييد أكبر وأطول كل شيء وأي شيء.

كما أن هذا التوسع المهول لتلك المشاريع، ذات العوائد المالية الضعيفة والطويلة الأمد بالنسبة للدولة، حدث بناء على توسع غير مسبوق في الاستدانة من الخارج وطباعة النقود في الداخل، وبعضها لا توجد له عوائد أصلاً، جعلت الاقتصاد المصري فريسة لجبل الديون الضخم وأقساطه، لدرجة أن مصر هي ثاني أكبر مقترض من صندوق النقد الدولي، اقتصاد ضعيف جدًا أمام التقلبات الخارجية، وتضخم مهول مزروع في أسس الاقتصاد، وهو ما جعل حدود ذلك التوسع ضيقة للغاية، وبدأت الآن كل تناقضات النظام تصعد للسطح.

هذا سار بالتوازي مع إنفاق مليارات الدولارات لإقامة مشاريع من الصفر، وإعادة إحياء أخرى ثم بيعها وتقديمها على طبق من فضة للمستثمرين، في خطة عملاقة وشاملة من أجل “تعميم الخسائر والتكاليف وخصخصة الأرباح والفوائد”.

كل هذا كان بناءً على خطة ساذجة للغاية في عقل الديكتاتور الذكي، على أمل أن يأتي رجال الأعمال والمستثمرين من كل حدب وصوب ليعم “الخير” و”الرخاء” و”التنمية”، أي ليتم تسليمهم ثمار اعتصار الجماهير، هذا إن جاؤوا أصلاً. نهج وحشي من حرب طبقية تُشن على الجماهير منذ سنوات من أجل بقاء النظام الرأسمالي.

وهذه الخطة كانت تحظى بقبول الطبقة السائدة في الداخل والمنطقة والعالم، وساندتها كل القوى المالية في العالم، صندوق النقد والبنك الدولي وممالك الخليج وكل القوى الرأسمالية في الشرق والغرب، وما كل هذا النباح والهجوم من الطبقة السائدة، خصوصًا في الخارج، على الديكتاتورية العسكرية إلا لأنهم يرون أن دور الدولة في التدخل في الاقتصاد انتهى بعد عبور سنوات “الأزمة”، وأنه حان الآن موعد أن تحصد ثمار دعمها للديكتاتور، وحان الآن موعد بدء تسليم الاقتصاد المصري فريسة للذئاب. لكن دخول الجيش في الاقتصاد بقوة في السنوات الماضية أنتج شبكة من المصالح في الرتب العليا ليس من السهل تجاوزها، وصحيح أن هذا جاء على حساب صغار رجال الأعمال الذين لا يستطيعون منافسة الدولة، لكن ما يهم الديكتاتورية العسكرية هو المصالح الجامعة للطبقة السائدة ككل من أجل بقاء النظام الرأسمالي وليس مصلحة كل رأسمالي منفرد. على أي حال هذا صراع بين أطراف من نفس الطبقة السائدة على حصة كل منهم في النهب.

هؤلاء الكلاب النهمة الجائعة، من الداخل والخارج، هم الذين يروجون الآن لخدعة أن “دخول الجيش في الاقتصاد هو سبب الأزمة الحالية”، وكأن الجيش تدخل في الاقتصاد في هفوة من الزمان وليس بالشراكة مع مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية وكبار رجال الأعمال، خصوصًا المقربين من الدولة، وأن “الحل في الاقتصاد الحر”، وأن “الدولة منظم جيد ومدير فاشل”، والحقيقة أنه لولا تدخل الدولة والجيش في الاقتصاد على حساب الجماهير لانهار النظام الرأسمالي.

وكالعادة، الأغلبية الساحقة ممّا يسمى “المعارضة المصرية”، إن لم يكن كلها، من الإسلاميين والليبراليين والاشتراكيون الديمقراطيون وحتى بعض العصب والمجموعات التي تدعي تبنيها للماركسية والاشتراكية يرددون تلك الدعاية الرأسمالية، لكن بالنسبة لنا الأزمة ليست في تدخل الدولة والجيش في الاقتصاد في حد ذاته، ولكن في أن ذلك التدخل جاء، كما كان متوقعًا، على حساب العمال والفقراء لصالح الحفاظ على النظام الرأسمالي.

بالمناسبة، السيسي مقتنع تمامًا بدعاوي الرأسمالية، والسلطة تريد فعلاً أن تتخارج من السوق والاقتصاد، نقطة الخلاف الوحيدة هي أنها تريد أن تفعل ذلك لكن بطريقتها الخاصة وبالنسبة التي تحددها هي وفي الوقت الذي تراه هي مناسبًا، وترى في رجال الأعمال أنهم جشعون زيادة عن اللزوم ولا يرون عواقب أفعالهم، التي هي وحدها من تدفع ثمنها بصفتها هي من تقف في وجه المدفع أمام الجماهير، وأن الشره المدمر للربح يمكن أن يفجر الأوضاع ويقضي على الاستقرار الاجتماعي الهش الذي تعمل على حراسته، هذا في ظل تناقص شعبية الديكتاتور بشكل كبير، وبدء سماع أنين أوجاع وغضب الجماهير، الذي يمكن أن يتحول لغضب هجومي في أي لحظة.

وهذا ما ظهر في التردد في البدء في خطة الخصخصة الأكبر في تاريخ البلاد لسنوات، أو البدء فيها على استحياء في بعض القطاعات، ليس كما يأمل الرأسماليين. لكن الأزمة الحالية جعلت النظام ضعيفًا للغاية أمام ضغوط رأس المال الخارجي، وتبدأ الآن الديكتاتورية العسكرية في بيع البلاد بالقطعة لحل أزمتها. لكن كما قلنا من قبل هذا فقط يجعل الاقتصاد المصري أكثر ضعفًا ويجرد الديكتاتورية العسكرية من أدواتها لمواجهة أي أزمة مقبلة، قد تكون وشيكة.

خاتمة
كما رأينا، يسير الديكتاتور على خيط رفيع معلق في الهواء، أي خطوة خاطئة يمكن أن تؤدي إلى أن يقع على رقبته في أي لحظة. ويظن أنه يستطيع أن يقيم نظامه على ذلك التوازن الدقيق للقوى والمصالح الطبقية المتناقضة طويلاً، لكنه واهم.

أتفق تمامًا مع الديكتاتور في قوله: “اللي ماسك دولة ماسك النار بأيده”، وهذه النار ستحرقه حتمًا. وحقيقي أنه من يتولى السلطة في الدولة الرأسمالية يلعب بالنار، خصوصًا في ظل المرحلة الحالية من الأزمة الرأسمالية الطاحنة، وفي هذا رد على كل الليبراليين والإصلاحيين “الأذكياء” للغاية بالطبع الذي يرون في أنفسهم أنهم أكثر علمًا وذكاءً وقدرة على إدارة النظام الرأسمالي من الديكتاتور الحالي، فلتجربوا وترونا عجائب قدراتكم.

تعيش الديكتاتورية العسكرية الحاكمة أصعب أيامها، ويحصد الآن الديكتاتور الذي دعى الناس في يوم من الأيام “متسمعوش كلام حد غيري” و”أنا عارف مشاكل مصر زي ما أنا شايفكم كده قصادي” ما زرع، وتحمله الجماهير الآن مسؤولية ما يحدث وحيدًا، هذا بعد سنوات من مطاردة الأمل المزعوم الذي لم يجلب للجماهير إلا هجمات اجتماعية متتالية، والتي تدرك جيدًا أننا لم نصل إلى نهايتها بعد، وكل دعايته حول الأزمة العالمية التي تآمرت وجنت على الاقتصاد المصري لا تلقى آذان صاغية، خصوصًا مع عدم وجود أفق لنهاية هذا الجنون المتمثل في تدهور مستويات المعيشة.

في ظل هذه الظروف قد يبدو أن الجماهير تتحمل وطأة الأزمة كما لم تفعل من قبل، وهذا صحيح إلى حد كبير، لكن هذا هو الحليم الذي سوف يغضب في يوم من الأيام ويجب أن يحاول -عبثًا- جميع من ظلموه أن يتقوا شره، الغضب والكراهية والمرارة يتراكمون أكثر، الحقيقة أننا الآن في نهاية مرحلة تعافي الجماهير من الهزيمة، مع بداية موجة من التحركات العمالية والمهنية، مرحلة طال انتظارها، لقد بدأت الحركة الجماهيرية في التململ.

السؤال الذي يجب على الثوريين أن يسألوه لأنفسهم ليس: متى تنتفض الجماهير، لأن لا أحد يملك إجابة لهذا السؤال أبدًا، ولأن انتفاض الجماهير شيء حتمي سيحدث تحت وقع الأزمة والصدمات الاجتماعية المتتالية عندما تصبح الجماهير مستعدة، كل عوامل عدم الاستقرار الاجتماعي والثورة متضمنة في الوضع الحالي، السؤال المهم: هل نحن مستعدون لانتفاضة الجماهير؟ الإجابة بمنتهى الوضوح، لا لسنا مستعدين، لا يوجد حتى الآن في مصر حزب ثوري قادر على توفير بديل للطبقة العاملة والجماهير عندما تنتفض، وهذا هو نقطة الضعف الرئيسية في الثورة الماضية وما يجب أن نعمل على توفيره في الثورة القادمة. هذا ما يجب أن نركز عليه كل جهودنا، في انتظار يوم الحق الذي لن يحمي فيه الديكتاتورية العسكرية من الجماهير أي مقدار من القوة العسكرية والقمع ودعاية “منع الفوضى”.

الحرية للمعتقلين السياسيين!

تسقط الديكتاتورية العسكرية الحاكمة!

تسقط حكومات رأس المال!

من أجل بناء منظمة ماركسية ثورية!

لا حل سوى انتصار الثورة الاشتراكية بقيادة حكومة عمالية!