ما بين اتفاقية -صفقة الحزمة- وعدم تنفيذها وتآكل الأجور


جهاد عقل
2023 / 1 / 6 - 11:44     



عندما وقعت النقابة العامة للعمال (الهستدروت)، اتفاقية "صفقة الحزمة" مع الحكومة واتحاد أصحاب العمل، حذرنا من قيام الطرفين الأخيرين أي الحكومة وأصحاب العمل، بعدم تنفيذ تلك الاتفاقية، خاصة وأنها لا تفي بمتطلبات رفع الأجر بما يغطي موجة الغلاء الفاحش، وبشكل خاص لأصحاب الأجور المتدنية وفي مقدمتهم الحاصلين على أجر شهري، حتى أجر الحد الأدنى، والذين تقدر مؤسسة التأمين الوطني بأن نسبتهم من الأجيرين 37%. واتضح لاحقاً أن الترويج لرفع أجر الحد الأدنى الى مبلغ 6000 شاقل على مدار خمس سنوات أي من 1 نيسان 2022 وحتى 1 كانون أول 2025، بقي كالسراب بل تبخر سريعاً، ومثله ما شملته الصفقة بكل ما يتعلق بالعمال، حدث ذلك بعد أن فشلت حكومة "التغيير" في تعديل قانون أجر الحد الأدنى وغيره من البنود المتعلقة باتفاقية "الصفقة" تلك.





خرق فضح للاتفاقية لحكومة التغيير

لا نود التطرق لموضوع عدم تحرك النقابة العامة نفسها أمام خرق هذا الاتفاق من قبل الحكومة وأتباعها أي ارباب العمل، لأننا نحمل الحكومة كامل المسؤولية عن خرق الاتفاق، ولا نتماهى مع الموقف الصامت للنقابة العامة أمام هذا الخرق. لكن أردنا هنا استعراض موضوع أجر الحد الأدنى خاصة، وتأثير ما يسمى بـ"معدل الأجر العام" عليه وبكم سيرتفع هذا الأجر جراء الاعلان الأخير لدائرة الإحصاء المركزية لـ "معدل الأجر العام" الذي جرى تجميد الإعلان عنه منذ جائحة كورونا، الأمر الذي أدى الى خسارة للأجيرين عامة وللحاصلين على أجر الحد الأدنى خاصة.



لتوضيح صورة هذا الموضوع، نصت اتفاقية "الصفقة" التي جرى التوقيع عليها بتاريخ 3 تشرين ثاني 2021 على رفع أجر الحد الأنى الى مبلغ 6000 شاقل في الشهر تدفع كالتالي:

في 1 نيسان 2022- 100 شاقل ويصبح أجر الحد الأنى5400 شاقلا

في 1 نيسان 2023- 100 شاقل ويصبح اجر الحد الأنى 5500 شاقلا

في 1 نيسان 2024- 200 شاقل ويصبح أجر الحد الأدنى 5700 شاقلا

في 1 نيسان 2025- 100 شاقل ويصبح أجر الحد الأدنى 5800 شاقلا

في 1 كانون أول 2025- 200 شاقل ويصبح أجر الحد الأدنى 6000 شاقل

لكن هذا الاتفاق لم ينفذ كما ذكرنا أعلاه، بينما وحش الغلاء الفاحش استفحل وأجر العاملين في مختلف درجات الأجر تآكل، وفقد نسبة كبيرة من قيمته الشرائية.



//دائرة الإحصاء المركزية تعلن عن معدل الأجر العام



منذ جائحة كورونا اتخذت الحكومة قراراً بتجميد الإعلان عن معدل الأجر العام، والذي يجري وفقه تعديل العديد من الأمور المتعلقة بمخصصات التأمين الوطني والأجور وغيرها، وبعد انتهاء مدة التجميد هذه أصدرت الدائرة مع بداية العام الحالي ما يسمى ب "معدل الأجر العام" واتضح انه يبلغ اليوم 11809 شاقل، وأن عدد الأجيرين في البلاد وصل الى 3,899 مليون عامل في مختلف المهن وأن 65,5% منهم يحصلون على أجر أقل من معدل الأجر العام، أي ما بين 9706 شاقل وحتى 5804 شاقل، هذا عدا أن 37% من الأجيرين يحصلون على أجر شهري حتى أجر الحد الأدنى الذي يبلغ اليوم 5300 شاقل.

هذه المعطيات وخاصة معدل الأجر العام أدت الى رفع أجور أصحاب المراكز العليا من وزراء وقضاة وأعضاء كنيست بمبالغ كبيرة، لكن مردود معدل الأجر العام على أجور الموظفين في القطاع العام لا يتعدى الشواقل المعدودة، أما بالنسبة لأجر الحد الأدنى ووفق ما ينص عليه القانون تكون قيمته بنسبة 47,55 من معدل الأجر العام، لأنه سيرتفع بحوالي 300 شاقل وهناك من يتوقع ارتفاعه بحوالي 400 شاقل في ظل الغلاء القائم.



//تآكل القيمة الشرائية والمزيد من العمال الفقراء

في ظل استمرار ارتفاع أسعار سلة الحاجيات الأساسية، ورفع اسعار الكهرباء والمياه وضريبة الأرنونا، ورفع الفائدة البنكية التي سيكون لها تأثير كبير على العائلات الحاصلة على قروض الإسكان وعلى من يرزحون تحت طائلة السحب الزائد في البنوك، يجد جمهور العاملين وعائلاتهم أنفسهم أمام وضع تفقد فيه أجورهم قيمتها الشرائية، وتتدهور الكثير من تلك العائلات الى دائرة الفقر، مما سيرفع وتيرة الضائقة المعيشية لديهم. فما بالنا بمعاناة العمال العرب وعائلاتهم، عندما نجد ووفق آخر تقرير لمؤسسة التأمين الوطني أن حوالي 50% من الأجيرين – العمال العرب - يحصلون على أجر حتى أجر الحد الأدنى، فكيف لهم أن يواجهوا موجة الغلاء الفاحش هذه؟

واضح أن الحكومة الحالية بمركباتها وبالرغم من تصريحات قادتها في حملتهم الانتخابية فلن يجمدوا رفع أسعار الكهرباء والأرنونا وغيرها، نحن لا نتوقع بأن هناك رصيد لهذه التصريحات، وفي أحسن الأحوال قد يقدمون على اتخاذ خطوات شكلية، مثل تجميد رفع الأسعار هنا وهناك لعدة أشهر ومن ثم يعيدون رفعها بعد فترة، ومن هذه الخطوات ما اعلن عن القيام بمنح "سلة مشتريات أساسية"، على نمط سيدهم الروحي – الرأسمالي، أي الولايات المتحدة، لكن ما ثبت أن هذا الحل يعني تكريس ظاهرة الفقر، لأننا نعتقد أن الحل الصحيح قائم أولاً في القيام بخطوات فعلية للجم ارتفاع الأسعار وثانياً في رفع الأجور ومنها أجر الحد الأدنى بنسب تتلاءم ومواجهة الغلاء والتضخم. فمثلاً القيام بإفرار رفع أجر الحد الأدنى ليصبح بنسبة 70% من معدل الأجر العام أي بقيمة أكثر من 7000 شاقل، يؤدي الى إخراج عدد كبير من العمال وعائلاتهم من دائرة الفقر والفاقة.



لا يمكن لليمين الفاشي أن يكون يسارا اجتماعيا



كما ذكرنا، لا نتوقع الكثير من الحكومة الحالية بخصوص موضوع لجم الغلاء الفاحش، وقد تقوم بخطوات "أكاموليه" لتخدير آلام المعاناة لدى الجمهور الواسع من جراء ارتفاع الأسعار المتواصل، لأننا نعتقد بأن سياستها ستتواصل كما كانت في السابق، وفق ايديولوجية رئيسها بنيامين نتنياهو الداعم للرأسمالية. ولا ننسى، ونقول ذلك فقط للتذكير، المظاهرات الاحتجاجية في العام 2011، لما سمي "المظاهرات الاجتماعية" ضد الغلاء ومن أجل توفير السكن وغيرها من المطالب الاجتماعية، وتشكيل "اللجنة للتغيير الاجتماعي والاقتصادي" برئاسة البروفيسور مانويل طرخطنبرغ، والتي لم يبق من توصياتها سوى اسمها، وبذلك أجهض موجة الاحتجاج ضد سياسة حكومته. كما لفت نظرنا موقف وزير المالية الجديد اليميني بل الفاشي، في تصريح له، بأنه يجب تشريع قانون يمنع العمال من الإضراب، لذلك لا نبني الكثير على تصريحات قادة هذه الحكومة، فمن يتبنى سياسة يمينية في ماهيتها عنصرية - احتلالية، وذات توجهات فاشية، لا يمكن أن نتوقع بأن تكون سياساته في المجال الاقتصادي – الاجتماعي داعمة للطبقة العاملة.

فالتصريح القائل بأن الاحتجاجات هي "غير سياسية" ما هو الا تصريح فارغ المضمون، فأصحاب الفكر اليميني في مركبات هذه الحكومة، لا يمكن أن يكونوا أصحاب فكر "يساري" بالمفهوم الاجتماعي، وهذا ثابت تاريخيا وحالياً. لذلك لا بد من وضع النقاط على الحروف من خلال تضافر جميع القوى المناهضة لهذه الحكومة وسياستها، وفي عمودها الفقري القوة العمالية – الطبقية من أجل اسقاطها، وحماية حقوق الطبقة العاملة والدفاع عنها وصد هذا الغلاء الفاحش ورفع الأجور بقيمة حقيقة تتلاءم وتكلفة الحياة الحالية، ولا ننسى أن سياسة الاحتلال وسرقة وطن شعب، من خلال نهب الأراضي وتوسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ورفض تنفيذ القرارات الدولية ومنها رفض السلام، له أيضاً جانب اقتصادي – اجتماعي يدفع ثمنه المواطن العادي.