سيكوباتي


محمود حمدون
2022 / 12 / 15 - 03:16     


" مفيش ميت بيدفع أجرة "
تلملم الشمس بقايا أشعتها الذهبية الدافئة, بدا أنها تتثاءب وترغب في الرحيل مبكرًا كعادتها في أيام الخريف. حينها كنت أنتظر سيارة أجرة على ناصية أحد شوارع" المهندسين", للذهاب إلى ميدان" الجيزة", ومنه عودة إلى بيتي بعد عمل يوم شاق, ما أكثرها أيام الشقاء, حتى آمنت أن حياتي تفقد بهجتها حينما تخلو من الشقاء, تجدب منها القسوة.
غير بعيد عني تقف امرأة خمسينية, من تلك النسوة اللاتي تفترشن الأرصفة, الهائمات على وجوههن بلا مأوى, شأنهن شأن أطياف كثيرة من الناس, لكن من فرط هامشيتهم لا نراهم, أو فقدنا قدرتنا على الإحساس بوجودهم, ربما نخشى مصيرهم, فنتوهّم اختفائهم من حولنا.
قفزتُ إلى العربة, جلستُ على كرسي خلف السائق, نقدته أجرته بسرعة كعبء أحرص دومًا على الخلاص منه. ثم رحت أرمق بفتور السيارات الفارهة, واجهات المحلات التجارية البرّاقة. لم تعد تثيرني كما الماضي, تمر أمام عيني كشريط سينمائي حفظته عن ظهر قلب, لكني لا أملك مفرًا من مشاهدته كل يوم.
انتبهت على بوادر مشاحنة تندلع ببطء بين السائق وأحد الركاب, أمر يحدث كثيرًا, اعتدته أيضًا, درّبت نفسي منذ فترة بعيدة على ألّا أتدخل فيما لا يعنيني, لذلك تجاهلت الخناقة, اختليت بنفسي, أستعيد شريط أحداث يومي, ما سأفعله غدًا.


غير أن الشجار احتدم بشدة, بدا أن التلاسن يحتدم بين السائق وسيدة تجلس جواري مباشرة, حين أدرت رأسي إليها, وجدتها نفس المرأة التي رأيتها على رصيف الشارع, رثة الملابس, تقبض بيدها على كيس أسود من البلاستك. عيناها غائرتان, يحمل وجهها كثيرًا من التجاعيد حتى أن ملامحها الأصلية توارت تحت ركام الشقاء الطويل.
كانت حادة في ألفاظها, تخلط في حديثها بين العامية الشائعة بعض كلمات فصيحة لا تخطئها أذني, كان ردّها أسرع من قدرة السائق على مجاراتها, فاكتفى هذا الأخير بأن بَرْطَم ببعض الألفاظ, ثم أشاح بوجه بعيدًا عنها, ضغط نفير المركبة بشدة ولفترة طويلة كأنما يفرغ شحنة غضبه في إيذاء المارة من حوله.
"سيكوباتي", كلمة واحدة ألقتها المرأة في وجه السائق, لتنهي حالة الجدل بينهما بضربة قاضية حسب تصورها, ثم نظرت إليه بحدة كأنما تستفز رجولته, غير أنه تغافل عنها, تشاغل بالطريق, التسابق مع سيارة أجرة على نفس الخط, للاستحواذ على أكبر عدد من الركاب.
التفتُ إليها, قلت:" سيكوباتي"؟ , مازحتها: أنت مثقفة ؟
فأجابتني: "أيوة",عادي. ما المشكلة؟ تقصد "عشان شكلي وهيئتي"؟
- عفوًا لا أقصد التقليل من شأنك, لكن.. أتعرفين معنى كلمة" سيكوباتي"؟
-باشمئزاز: "لو مش عارفاها, مش ها قولها"
أمام ردّة فعلها, تصنَّعت المرح, برغبة في التعرف عليها عن قرب, قلت لها: اسمحي لي أن أدفع لك الأجرة.
فردّت بسرعة: لا لا, اعطني قيمة الأجرة إن كنت تنوي دفعها فعلًا. ثم نظرت في عيني عميقًا, أكملت بصوت عال سمعه الجميع: "أصلي مش بدفع أجرة", عمري ما دفعت.
باستغراب, سألتها: لمَ؟, " هو فيه حد بيركب ببلاش"؟
فأجابتني وهي تعبث بيمينها بقاع الكيس الأسود: أصل أنا ميتة, ميتة من زمان جدًا, ثم فركت أصابعها ببعضهم البعض, صاحت: "انت سمعت قبل كده عن ميت بيدفع أجرة" ؟