شلومو ساند وتقويض الكيان الصهيوني


محمد عمارة تقي الدين
2022 / 9 / 17 - 17:11     

دكتور محمد عمارة تقي الدين
"إسرائيل هي أكثر المجتمعات عنصرية في هذا العالم.. الشعب اليهودي هو مصطلح جرى اختراعه في القرن التاسع عشر.. يهود اليوم ليس لهم أدنى علاقة بالعبرانيين القدامى".

تلك هي بعض من مقولات البروفوسير الإسرائيلي شلومو ساند أحد أبرز المؤرخين الإسرائيليين الجدد في الوقت الراهن، تلك المقولات التي تأسست على دراسات تاريخية علمية جادة تمكن عبرها من نسف كثير من الأساطير الصهيونية التي جرى تعميقها في الوعي العالمي في محاولة لتسويغ المشروع الصهيوني وادعاء أحقية كاذبة للصهاينة في فلسطين.

ولد شلومو ساند (Shlomo Sand) في النمسا عام 1946م لعائلة يهودية نجت من الهولوكوست، ثم هاجر إلى الكيان الصهيوني، وهو الآن يعمل أستاذاً في كلية الدراسات الشرقية بجامعة لندن، وهو مؤلف الثلاثية الشهيرة( اختراع الشعب اليهودي، اختراع أرض إسرائيل، كيف لم أعد يهوديًا).

في مؤلفه الأشهر اختراع الشعب اليهوديThe Invention of the Jewish People أكد فيه أن حديث الصهيونية عن طرد الرومان لليهود من فلسطين قديمًا هو أمر لا توجد أية أدلة تاريخية أو أركيولوجية عليه، ومن ثم فدعوتهم للعودة لفلسطين باطلة فلم يكونوا فيها يوماً ما، وأن اليهود الحاليين هم في معظمهم من أحفاد إمبراطورية الخزر التاريخية بمنطقة القوقاز التي كانت قد اعتنقت اليهودية، وهو ما يدحض الأطروحة الصهيونية المعروفة بأن يهود العالم المعاصر هم أحفاد اليهود القدماء الذين كانوا يعيشون في فلسطين والذين انتشروا في العالم بعد الطرد الروماني لهم .

وتساءل ساند: لماذا يتم الاعتماد على التوراة باعتبارها مرجعاً تاريخياً حقيقياً لا يجب أن تمتد إليه معاول الشك ولا يجوز نقده رغم ما تحويه من خرافات وأساطير كثيرة؟ مؤكدًا أن ذلك الخطأ هو ما ارتكبته الحركة الصهيونية عن عمد في محاولة منها لتوظيف تلك الأساطير الدينية التاريخية لإضفاء هالة من القداسة على أطروحاتها السياسية وتجذيرها في الوعي العام اليهودي.

ويؤكد ساند أن البحث التاريخي قد أكد أن اليهود ينتمون إلى قوميات عديدة، ولا يؤطرهم سوى الانتساب وبشكل عام إلى الدين اليهودي، ويرى أن أسطورة النقاء العرقي لليهود لا يمكن لها أن تصمد أمام البحث العلمي والتاريخي الجاد، وأنها لا تعدو كونها اختراعًا صهيونيًا، فالشعب اليهودي تم اختراعه في القرن التاسع عشر بفعل الصهاينة عبر مجموعة من الأبحاث الملفقة التي قام بها كتاب صهاينة معروفون، فلم يكن لهذا الشعب وجود حقيقي قبل ذلك كجماعة يضمها إطار قومي واحد، يقول ساند:"حقيقة أنه وعلى مر ألفي عام خلت لم يكن اليهود شعبًا بالمعنى المعروف للكلمة، بل كانوا مجرد أقلية دينية".

بل وأكد شلومو ساند أن كل جهود لجان الآثار الإسرائيلية ضاعت سدى، فلم يكتشفوا أي شيء يعزز الأساطير الصهيونية بل ما تم اكتشافه يؤكد العكس.
وأنه لو قمنا بترتيب العالم كما كان قبل ألفي عام، كما فعلت الصهيونية ومنحت اليهود الحق بفلسطين، فلماذا لا نعيد العرب إلى إسبانيا وكل من استوطن بلداً في حقبة تاريخية ما وغيرها من الحالات المشابهة التي يعج بها التاريخ الإنساني.

ينتقل شلومو ساند ليوجه طعنة أخرى لمصطلح أرض إسرائيل، مؤكدًا أن هذا المفهوم تم اختراعه حديثًا كجزء من المشروع الصهيوني الاستعماري لإضفاء مبررات دينية عليه، إذ يؤكد ساند أن اليهود عاشوا رُحّلاً متنقلين بين كثير من بقاع الأرض واستوطنوا بلادًا عديدة على مر التاريخ وانصهروا في كثير من الشعوب والقوميات ومن ثم يتساءل: هل استيقظ اليهود فجأة بفعل جهود الصهاينة ليكتشفوا أنهم كانوا قد أخطأوا طريقهم لفلسطين؟ ومن ثم عليهم أن يتوجهوا إليها بقوة وبكثافة ليقيموا وطنهم التاريخي، فالصهاينة، وفقاً لساند، تعاملوا مع التوراة بوصفها وثيقة قانونية ملزمة وصك ملكية تاريخي بموجبه يتحتم منحهم فلسطين ليقيموا عليها دولتهم.

لقد لفقت الصهيونية كثير من الأبحاث العلمية التاريخية من أجل هذه الغاية، كما قامت بلَيّ عنق النصوص الدينية وإعادة قراءتها على ضوء أيديولوجيتها السياسية العنصرية لتسويغ أطروحاتها ذات النزعة الاستعمارية الاستيطانية.
فالكيان الصهيوني، وفقًا لشلومو ساند، لا يعدو كونه مشروعًا استعماريًا إحلالياً أُضفيت عليه ديباجات دينية زائفة جرى اختلاقها، ليس هذا فحسب بل عمدت الصهيونية، وكما يؤكد ساند، إلى توظيف عاملين آخرين لأجل شرعنة وإنجاح هذا المشروع ذو الصبغة الاستعمارية الاستيطانية وهما:
الأول: توظيف الاضطهاد الغربي لليهود وبالتالي حقهم في وطن خارج أوروبا خلاصًا من هذا الاضطهاد.
الثاني: توظيف النزعة الاستعمارية الإمبريالية التي كانت سائدة في أوروبا وقتها، ومن ثم فقد تماهوا كثيرًا مع ما نادى به الأوروبيون في ذلك الوقت بالانطلاق لتأسيس مستعمرات جديدة.
وعبر هذا الطرح يبدو ساند مُتأثرًا بشدة بآراء والديه المؤيدة للشيوعية والمناهضة للإمبريالية العالمية في صيغتها الاستعمارية.

وعليه يدعو لبذل كل الجهد من أجل إنقاذ الكيان الصهيوني من عنصرية مغالية في لا إنسانيتها، والتخلي عن فكرة الشعب المختار، ومن ثم فتح الباب واسعاً أمام الانسياح في هذا المحيط العربي الهادر، عبر البدء في دحض الأكاذيب التاريخية التي روجها الصهاينة، بل والتبرؤ منها بشكل تام والاعتراف بوجود سكان أصليين لهذا المكان(فلسطين)، والتعامل معهم كأصحاب أرض وحق.
يرى ساند، بحسب ما أوردته الباحثة ميرفت عوف، أن الكيان الصهيوني هو بمثابة طفل لقيط، وتحليله لذلك أن العصابات الصهيونية قامت بفعل آثم وهو اغتصاب فلسطين في عام 1948م فانبثق هذا الكيان الصهيوني من رحم ذلك الاغتصاب ونتيجة له، وأن هذا الطفل اللقيط(الكيان الصهيوني) إن أراد الحياة ومن ثم مواصلة استمراريته الوجودية كدولة فعليه أن يكُفّ عن إتباع السلوك الإجرامي لوالده المغتصب ويعلن تبرؤه من هذا الفعل بشكل مُطلق.

كما يذهب شلومو ساند إلى أن النظام العنصري في إسرائيل يشبه كثيراً، بل هو أكثر بشاعة من النظام العنصري البائد(الأبارتهايد) في جنوب إفريقيا، وأن إسرائيل الحالية هي من أشد المجتمعات عنصرية، كما رأى أن انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967م هو ما قاد لتعاظم الأنا الصهيونية وإطلاق نزعة عبادة وتعظيم القوة والعنف المفرط لدى قاطنيها من قمقمها فبالغت في جرمها ضد الفلسطينيين، ومن ثم دعا لإنقاذ إسرائيل ‏من نفسها قبل الانهيار الكبير عبر إجبارها بكل السبل على خيار السلام ‏بالضغط المتواصل والمتصاعد عليها من قبل المجتمع الدولي.

كما نادى بأن تتبرأ إسرائيل من عنصريتها لتصبح دولة لجميع المواطنين الذين يعيشون داخلها عبر التأسيس لدولة ديمقراطية ثنائية القومية والتخلي بشكل مطلق عن أطروحة يهودية الدولة، تلك الأطروحة العنصرية في عمقها.
وفيما يتعلق بسياسة بناء المستوطنات غير الشرعية التي يتبعها الكيان الصهيوني، يرى ساند أن هذا الأمر لا يشغله كثيرًا لأن وجود إسرائيل برمتها هو أمر غير شرعي، فهي بمثابة مستوطنة كبرى غير شرعية إذ أقيمت بالقوة بعد إبادة السكان الأصليين.
في عام 2012م تلقى شلومو ساند عددًا من التهديدات، إذ جاءه مظروف مغلق شمل مسحوق أبيض ورسالة تهديد صريحة بالقتل باعتباره مُنتميًا للفكر النازي ومعادٍ للسامية وجاء في الرسالة:" تأكد من أنك لن تعيش لفترة أطول" .
في كتابه الأخير "كيف توقفتُ عن أن أكون يهودياً" يتبرأ ساند من القناعات الإثنية العنصرية النائمة في عمق الشخصية اليهودية، مؤكداً أن ذلك الموقف هو التزام أخلاقي عاهد نفسه عليه منذ سنوات، رغم أنه بهذا الطرح يسبح في الاتجاه المعاكس وضد تيار جارف من العنصرية والشيفونية داخل المجتمع الإسرائيلي.
ومن ثم نجده يردد كلمات الشاعر التركي ناظم حكمت المُفعمة بالهم الإنساني العام:" إذا لم أحترق أنا؛ وإن لم تحترق أنت؛ فمن سينير الظلام للآخرين".
ومن ثم ينادي برؤية وصيغة إنسانية عامة تسع الجميع وتضعهم على قدم المساواة

لقد تحدث ساند ذات يوم عن علاقة الصداقة التي جمعته بالشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش على أرضية إنسانية تنشد الحب والسلام للجميع، واعترف بأن درويش قد أثر في تكوينه بشكل عميق، كما صرَّح بأن محمود درويش كتب فيه قصيدته(جندي يحلم بالزنابق البيضاء) التي صورت ألم ومعاناة ساند حيث كان يخدم كجندي بالجيش الصهيوني في 67م، وأنه ندم على ذلك، فقد عاش يحلم بمجتمع يسوده الحب والسلام، يقول الرائع محمود درويش في قصيدته على لسان هذا الجندي:" حلمت بالزنابق البيضاء، بغصن زيتون، بطائر يعانق الصبح، فوق غصن ليمون، بشارع مغرّد ومنزل مضاء... أريد قلباً طيباً، لا حشو بندقية، أريد يوماً مشمساً، لا لحظة انتصار مجنونة فاشيّة، أريد طفلاً باسماً يضحك للنهار لا قطعة في الآلة الحربية".

وفي التحليل الأخير، فتلك هي إذن أطروحات شلومو ساند المتماهية كثيرًا مع القناعات العربية والمؤيدة للحقوق الفلسطينية بشكل كبير، وهي الأطروحات التي تأسّست على بحث علمي جاد من مؤرخ اتسق كثيرًا مع ذاته واحترم ما تقوده إليه أبحاثه من نتائج دون تحيُّز مسبق فتعامل مع الوثائق التاريخية بكثير من الحيادية والموضوعية، ومن ثم تبلورت لديه قناعة تامة بأن المقولات التأسيسة التي انطلقت منها الصهيونية هي كاذبة في عمقها وأنه جرى الترويج لها على نطاق واسع عبر آلة البروباجاندا الصهيونية الهائلة من أجل تجذير الكيان الصهيوني بشكل قسري في الواقع الفلسطيني.