الأزمة العالمية الحالية وتأثيرها على مستقبل الشعوب والعمال


جهاد عقل
2022 / 7 / 29 - 15:02     


منذ انتشار جائحة كورونا، دخل العالم في دوامة، لم يخرج منها حتى يومنا هذا، وتمحورت هذه الدوامة منذ قيامها كما هي "دوامة البحر" بإغراق كافة الخطط التي وضعتها الهيئات الدولية، بما يتعلق بالنمو الاقتصادي ـ ومكافحة ظاهرة الفقر، وازدهار سوق العمل العالمي، ولجم التضخم والغلاء، وإفشال برنامج التنمية المستدامة – 2030، والذي يشمل 17 بنداً نركز هنا على ثلاثة بنود لها علاقة بموضوعنا مع أن بقية البنود لها علاقة لكن ليس بالعلاقة المباشرة والبنود الثلاثة هي: "القضاء على الفقر: القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان" و "القضاء التام على الجوع:"

القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية المحسّنة وتعزيز الزراعة المستدامة والبند الثالث وهو رقم ثمانية في التسلسل هو: "العمل اللائق ونمو الاقتصاد : تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل للجميع والمستدام، والعمالة الكاملة والمنتجة، وتوفير العمل اللائق للجميع"، لكن الخبراء الذين قاموا بإعداد هذه الخطة من الأمم المتحدة، واطلاقها في بنهاية العقد الماضي، لم يأخذوا بالحسبان احتمال وقوع أزمة مثل الأزمة التي خلفتها جائحة كورونا (كوفيد -19)، والتي حطمت الكثير من احتمالات تحقيق ولو بشكل جزئي بنود هذه الخطة .



الغلاء والنزاعات و.. ضربة قاصمة



ولم يأخذ هؤلاء الخبراء بالحسبان تطور التوترات القائمة بين العديد من الدول وتحولها الى نزاعات مسلحة، أدت الى توجيه "ضربة قاصمة للاقتصاد العالمي"، والإشارة هنا الى العملية العسكرية الروسية في أوكراينا ومواصلة العدوان على سوريا واليمن وغيرها من النزاعات التي تغذيها وتمولها الرأسمالية العالمية في العديد من الدول، التي أدت الى ارتفاع الأسعار بشكل رهيب في عالمنا خاصة اسعار الأغذية التي ارتفعت بمعدل 34 بالمائة بالمقارنة مع شهر نيسان من العام الفائت، والتقديرات وذلك وفق دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية بعنوان "أقل البلدان نمواً، الأزمة والتحول الهيكلي ومستقبل العمل" وعن المركبات الأساسية للنمو الاقتصادي والثلاث منها وهي الغذاء والطاقة والتمويل جاء ما يلي : "ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة يعيش 1,7 مليار شخص في 107 اقتصادات معرضة بشدة لإحدى العوامل الثلاث للأزمة : من بينهم 553 مليون شخص هم أصلاً فقراْ و 215 مليون شخص يعانون أساساً من نقص التغذية "، وهذه الأرقام تتغير كل يوم ووفق حداثة التقرير.

تفاصيل الدراسة التي تتناول الأوضاع في "البلدان الأقل نمواً" في العالم وهي تشكل حوالي 25% من مجمل الدول تنقل لنا صورة قاتمة السواد، ليس فقط فيما يتعلق بالوضع الحالي بل وفي الوضع المستقبلي، واحتمال خروج هذه الدول من الحوامة القاتلة الناتجة عن هذه الأزمة، يكاد يكون من المستحيل، مما يعني مواصلة عيش سكانها في الفقر المدقع، وفقدان عمالها وشبابها إحتمال الحصول على فرص عمل، حاصة وأن التوقعات بالنسبة للأزمة الاقتصادية السائدة في عالمنا اليوم والظروف المحيطة بها يبدو "على أنها تهيئ الجو لعاصفة عاتية تضرب الاقتصاد العالمي . وكما في أي ظواهر من ظواهر الطقس العنيفة ، ستكون هذه العاصفة أشد عنفاً وأكثر ضرراً من سابقاتها وستهدد بعكس عقود من التقدم في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. واليوم يعيش نحو 77 مليون شخص إضافي في براثن الفقر المدقع مقارنة بعام 2019 ويعاني 117 مليون شخص آخر من الجوع. أما عمل الأطفال فأخذ في الإرتفاع بعد عقود من التقدم الملحوظ".



لن نخوض في كافة التفاصيل والأرقام التي تشملها الدراسة، لكن نستطيع التأكيد وفق ما يصدر يومياً عن المؤسسات والمعاهد الدراسية المختصة، يجري التأكيد من خلالها على أن هذه الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية تتفاقم من يوم لآخر، وأسعار المواد الغذائية ترتفع بلا رادع، ومعها أسعار مختلف المقومات الحياتية الأساسية، مثل أسعار الخبز والحليب ومشتقاته والكهرباء والمياه والمواصلات وغيرها.



تحديات تحمل بذور الخطر



في مقدمة الدراسة يكتب المدير العام لمنظمة العمل الدولية غاي رايدر مشيراً الى خطورة الأوضاع فيما يتعلق بعالم العمل وغيره من القضايا ما يلي: ”مع انتهاء ولايتي، أقدم هذا التقرير الأخير في وقت يواجه فيه العالم عموماً وعالم العمل خصوصاً تحديات جمّة غاية في الخطورة . فهذه التحديات تحمل في طياتها بذور الخطر وانعدام اليقين، وتفرض التشكيك في قدرة المجتمع الدولي والتزامه بالتعامل معها بدرجة من المصداقية". ويطالب رايدر المجتمع الدولي بعدم "ترك أحد خلف الركب"، في اشارة منه الى الدول التي تعاني من تأخير في النمو وما يؤدي ذلك من نتائج سلبية على سوق العمل خاصة الشباب الذين يفقدون فرص العمل، والفرص الوحيدة التي بالإمكان الحصول عليها في الزراعة التي تشكل حوالي 60 بالمائة من سوق العمل، والفرص الأخرى في ورشات عمل عدد عمالها لا يتعدى الخمسة عمال، اي فقدان سوق العمل الى الصناعة المتطورة والكبيرة وإن وجد منها في هذه الدولة أو تلك فتكون شروط العمل سيئة ولا تضمن العمل اللائق والمنظم .

لكن غاي رايدر يستنتج كما التقرير ايضاً بخصوص احتمال عدم تنفيذ برنامج التنمية المستدامة ويكتب: مع حلول العقد الأخير لتنفيذ برنامج 2030 من أجل التنمية المستدامة الصادر عن الأمم المتحدة وفي وقت تبدو فيه آفاق تحقيق العديد من أهداف التنمية المستدامة البالغة 17 هدفاً هائلة أكثر فأكثر …".



/برنامج التنمية المستدامة 2030 في خطر



لكن منظمة العمل الدولية وطاقمها وبالرغم من خطورة الوضع يتعهدون بالعمل من أجل انجاح البرنامج بالرغم من هبوب العاصفة: "في وقت كان المجتمع الدولي يتأهب فيه لعقد العمل من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة البالغ عددها 17 هدفاً والتي أدرجتها الأمم المتحدة في برنامج عام 2030، وشكل تجديد الالتزام بهذا البرنامج إقراراً بأن ما أحرز من تقدم منذ اعتماد البرنامج في عام 2015 لم يكن كافياً على ما يبدو لتحقيق الأهداف المحددة، ما حتَّم بالتالي تكثيف العمل في هذا الاتجاه. وما كان من الجائحة والأزمة الثلاثية الأبعاد التي سببتها الحرب (الغذاء والطاقة والتمويل – ج.ع) في اوكرانيا إلا أن ضخمت هذا التحدي الهائل أصلاً، غير أن النيّة يجب أن تبقى إنفاذ أهداف التنمية المستدامة، لا التخلي عنها".



/غلاء.. انكماش.. وتآكل الأجور.. لا بد من نهضة الشعوب



هذه "النيّة" مهمة، لكن الواقع ومختلف التوقعات تؤكدان بأننا ذاهبون الى وضع اقتصادي يتأرجح، التضخم يرتفع في جميع الدول، رفع الفائدة على قروض السكن والسحب الزائد في البنوك والقروض البنكية، فقدان الاستقرار في أسواق العمل، تآكل قيمة أجور العاملين على مختلف مهنهم، في ظل ارتفاع الأسعار المتواصل لمختلف السلع الاستهلاكية وغيرها، وعدم رفع الأجور خاصة في القطاع العام، عدم رفع مخصصات التقاعد التي تبقى كما هي منذ خروج العامل الى التقاعد وحتى وفاته، فقدان مئات ملايين فرص العمل جراء جائحة كورونا وما تلاها من العملية العسكرية في اوكرانيا، وصب مليارات الدولارات من قبل الولايات المتحدة وحلف الناتو "دعماً لأوكرانيا" ومثيلتها اسرائيل، بل خدمة لمصالحهم الإمبريالية، بدلاً من استثمار هذه الأموال في ايجاد فرص عمل وحل الأزمة الاقتصادية التي تجتاح عالمنا، كان بإمكان هؤلاء العمل من أجل حل بؤر النزاعات منذ زمن طويل وانتقال العالم الى وضع يسوده السلام والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ووقف سلب خيرات الشعوب لصالح ثلة قليلة من الرأسماليين على حساب شعوب العالم والطبقة العاملة عامة، لكن مهما قرأنا ودرسنا من تقارير ربما يشير البعض منها الى الأزمة، لكنه لا يشير الى أسبابها الحقيقية ومن يقوم بتفريخها خدمة لمصالحه، كما حدث في الحرب العالمية الثانية، فالمشروع الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على حلفائها وغيرهم والمدعو "مشروع مارشال" ما هو الا مشروع استعمار اقتصادي لهذه الدول التي نشهدها اليوم تذعن لتوجهات أمريكا وهي تعي جيداً أن ما تقوم به ضد مصالح شعوبها وعلى حساب جيوب الطبقة العاملة. فهل ستنهض هذه الشعوب في عاصفة ثورية وتتخلص من هذا الاستعباد الرأسمالي؟ فهنا يكمن الخلاص الحقيقي والخروج من هذه الأزمة التي تمتص بها قوى رأس المال خيرات الشعوب.



فقر، جوع، بطالة... فهل ستنهض هذه الشعوب في عاصفة ثورية وتتخلص من هذا الاستعباد الرأسمالي؟ - الصورة: قرية في أفغانستان