جوهر الصراع بين رأسماليي القطب الواحد وتعدد القطبية وموقفنا منه


مشعل يسار
2022 / 7 / 21 - 19:38     

إذا ما نزعنا عن أعيننا غشاوة الحماس المرافق للمعركة الدائرة ظاهرياً على أرض أوكرانيا بين روسيا البرجوازية مدعومة من قبل حلفائها الصين وإيران والكثير غيرها من الدول من جهة، وحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة مشعلة الحروب العسكرية والاقتصادية ضد الشعوب من يوغوسلافيا إلى أفغانستان والعراق وليبيا واليمن وسوريا ولبنان، وبدعم من الحاشية الملكية المتمثلة في أوروبا وأستراليا واليابان وغيرها من جهة أخرى، الحماس المتعاطف مع روسيا باعتبارها تتصدر الكفاح الجدي لمعظم البشرية ضد هيمنة التنين الأميركي على العالم؛ وإذا في الوقت نفسه استدعينا ماركس ولينين وموقفهما الطبقي من كل الشؤون بما فيها الحروب الإمبريالية، لأدركنا أن البشرية التي تراجعت إلى الوراء في مسيرتها التقدمية نحو الاشتراكية والتملك الجماعي للثروة وقيادة الشعوب لحكوماتها عبر ممثلي الكادحين لا ممثلي رأس المال، ليست بعد في وارد العودة إلى البناء الاشتراكي وإلى العولمة البروليتارية وتآخي الشعوب.
فالمطلب الرئيسي السائد اليوم للقوى المعارضة لرأس المال المالي الطفيلي المتمترس خاصة في الولايات المتحدة والمستقوي بجبروتها وفي نظام الاحتياطي الفدرالي وفي البنوك والمؤسسات الدولية المهيمن عليها هو تعدد القطبية بمقابل هيمنة القطب الواحد، أي الصراع على "الديمقراطية" بين الأجيال الصاعدة من الرأسمالية التقليدية الناشئة في البلدان التي كانت إما بلدانا اشتراكية عبرت إلى الاشتراكية من أنظمة إقطاعية أو رأسمالية جنينية كبحت تطورها الثورات الاشتراكية وهي في المهد، وإما بلداناً من العالم الثالث ذات أنظمة بدائية متخلفة انتقل إليها رأس المال الغربي الطامع بأرباح زائدة وبقوانين ناظمة أقل كمثل حرية تلويث للبيئة أكبر دون أن يدفع مقابله الكثير من المال، فنفض عنها غبار التخلف عبر البوابة الرأسمالية والتنمية الاستغلالية. فالحديث لا يدور الآن أبداً بشكل رئيسي حول صراع متجدد بين الاشتراكية والرأسمالية. ومن هنا لن يكون انحياز وحماس الشيوعيين للرأسمالية المنتجة في معركتها مع رأس المال المالي الطفيلي والاشتراكيين مبرراً إلا بكون الأولى تقود حاليا مسيرة التحرر الوطني المشروع ضد الثانية. وهذا يشبه إلى حد بعيد تأييدنا في حينه للتيارات القومية العربية الناصرية والبعثية وحركات التحرر غير العربية التي ناهضت الاستعمار والإمبريالية والتخلف وبدأت في الوقت نفسه خطوات تساير الاشتراكية إلى حد ما.
إن طريق تقدم البشرية نحو المزيد من اكتشاف الطبيعة واعتماد العلم وبنتيجته التكنولوجيا المتقدمة في استغلال ثروات الأرض والفضاء الكوني بما فيه من أجرام سماوية نافعة للإنسان كمصدر للطاقة وغيرها من الموارد هو طريق متعرج كما هو معروف. والتقدم لا يتم على خط مستقيم. ذلك أن الوعي الإنساني لا يزال في مراحل بدائية يتأرجح بين التقدم والتخلف، بين التحرر والعصبيات القديمة، ولم يصبح وعيا ذا توازن مستقر وثابت. وليس بالضرورة أن يؤتي التطور العلمي والتكنولوجي المطرد تطورا مماثلا في البنية الفوقية أي في الوعي الإنساني بصورة آلية مباشرة.
بناء عليه ينبغي أن يكون دعمنا للبرجوازية المنتجة التي تسعى للإبقاء على العبودية الرأسمالية ولكن دون التطاول على حياة القسم الأعظم من البشرية انطلاقا من نظرية مالتوس الفاشية وحجتها في عدم كفاية خيرات الأرض لسكانها المتزايدين عدداً دعماً مشروطاً ومحدوداً بنتائج كفاحنا مجددا من أجل الاشتراكية والملكية العامة كأساس ثابت يشكل سدا منيعا أمام بروز الفاشية كل مرة تدخل فيها الرأسمالية بوابة أزماتها المستعصية.
فالتحرر القومي من الهيمنة الإمبريالية يجب أن يعتبر من قبلنا مرحلة وحسب من مراحل التقدم نحو الأممية الاشتراكية وتآخي الشعوب. والاشتراكية والملكية العامة والجماعية، التي هي وحدها كفيلة بعدم ولادة الفاشية من جديد كلما اجتمعت في يد أفراد أو عائلات معينة رساميل هائلة تجعل البطر والتشبه بالآلهة ديدن هؤلاء اللابشر المتعبدين للعجل الذهبي. أما المرحلة الحاسمة فهي تلك التي تصبح فيها الثروة مشتركة والحدود شكلية والموارد الطبيعية في خدمة البشرية جمعاء لا في خدمة القاعدين فوقها وحسب.
لقد خطا البلاشفة بقيادة لينين وستالين في البلاد السوفياتية الشاسعة التي كانت شبه عالم مصغر خطوات كبيرة في هذا المجال ولا بد للبشرية من أن تكمل طريقهما وتطور أساليبهما الرامية إلى تعزيز العدالة والإخاء بين بني البشر. وعلى البشر، لا سيما مثقفيهم الواعين، أن يخرجوا من تحت سيطرة التضليل الرأسمالي الذي ساد مدى عشرات السنين حول مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان المفرغة من كل مضمون طبقي لتصبح حرية الذئاب الاجتماعية وحقوقهم بما فيها حقهم في تقرير تعداد البشر الذي كادوا ينالونه مؤخرا عبر خدعة الكوفيد الشريرة.