وطني أضحى بلا وطن ولا هوية ؟..


صادق محمد عبدالكريم الدبش
2022 / 7 / 10 - 23:13     

وطني أضحى بلا وطن ولا هوية ؟...
جئتك يا وطني أشكو إليك وقد بعد القريب وما كنت البعيد !..
أهيم إليك وأشكوا البعيد هذا والقريب !.. تمهل ولا تذهب ؟.. كأمك تهمل الأعداء والواشون فتتركهم خلف طهرك وتقتفي أثر الجدود !..
كأن دهرك ما ألوى سواعد بناتك والبنون وما اهتزت قامتك عقب الزلازل والكوارث والمحن ؟..
كيف لا وأنت موطن الأوطان وفيك بعث وولد أو الإنسان ، وتغنى بنسائم جنتك وبنطق الحرف والكلمة وأقام المسلة والقانون وأرسى دعائم العدل والميزان ! ..
تحيرت مني الأفكار ودارت بي الدنيا أبحث عن شبيه بك ، حتى أقارنه بالمقارن .. فلم أجد غيرك قرين بأي مقارن ، فتركت أهوائي واللذة والمستطاب عندك دون سواك .
ما زال هناك من يعيش في كنفك وفي حاضرتك وعرينك من يعتقد بقدرته على تطويعه لإرادتهم ويستعبدون فتيتك وفتياتك ؟..
عشرين عاما وما زالوا يعملون على تقطيع أوصالك وتمزيق نسيجك وتهديد ترابك وتقطيع الجغرافية والتأريخ والتراث والثقافة والحضارة ، لإلحاق بهذا التأريخ حضارة وثقافة وتراث لا يمت إليك أبدا ، وهدفها إضفاء الشرعية على هذا التشويه اللاأخلاقي ، بل غايته مسخ لأعرق تأريخ وجد على كوكبنا ، ولا شك بأن كل شريف وطني غيور وعنده ضمير وشرب من مائه وعاش على ترابه وأكل من خيراته ، يشعر بالفخر والاعتزاز كونه ينتمي لهذا الوطن العظيم بكل شيء حبته الطبيعة وميزته عن باقي الأوطان .
العراق أو بلد السواد أو بلاد ما بين النهرين أو بلاد الرافدين ، يعيش على أرضه منذ ألاف السنين وقبل التأريخ والكتابة وحتى قبل ظهور الأديان ، عاش على أرضه مكونات وقوميات وطوائف عديدة ، وعاشوا بتأخي ومحبة وسلام متعاونين في صنع تأريخهم وحضارتهم وتراثهم المجيد ، ورغم المحن والنوائب والكوارث الطبيعية والبشرية ، الداخلية والخارجية ، لم تتمكن هذه الأحداث من تهديد وحدته الوطنية ولا نسيجه الاجتماعي والسياسي والجغرافي ، بقي هذا الوطن شامخا قويا متماسك .
بعد الاحتلال الأمريكي الغربي للعراق عام 2003 م وتدمير ما كان باقيا من أطلال الدولة ، أتى المحتلين على ما تبقى من مؤسسات الدولة والبنية التحتية ، وتحول العراق إلى دولة فاشلة ، أو بشكل أدق تم تحويل العراق إلى دويلات وإمارات ومشايخ وعصابات وميليشيات ، يحكمه مجموعة من الطفيليين الفاسدين اللصوص المتاجرين بالدم العراقي ، بدعم وتأييد ومباركة دلة الاحتلال الأمريكي وحلفائه ، والدول الإقليمية التي تسعى للاستفادة من هذا الواقع وخدمة لمصالحها وللإبقاء على العراق ضعيفا متصارعا بين مكوناته وأطيافه المختلفة .
هذه القوى الممسكة بالسلطة من الانتخابات الأولى التي جرت في 2006 م ، أفرزت واقع جديد لم يعيشه العراق في تأريخه الحديث من 1921 م وحتى الساعة .
النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الجديد قام ، على أساي الطائفة والقومية والمنطقة والحزب ، كما أسلفنا بتأييد ومباركة بل بتخطيط الاحتلال الأمريكي ومشروعهم ( مشروع بايدن .. بتقسيم العراق بين السنة والشيعة والأكراد في اتحاد فيدرالي وكونفدرالي !..
طبعا في العلن أغلبية الذين يدعون تمثيلهم لهذه المكونات ، رفضوا هذه الفكرة ، ولكنهم ما وراء الستار رحبوا بالفكرة ، وبعد أن بان سر هذا التوجه ، وشعور هذه القوى بمعارضة القاعدة الجماهيرية لهذا المشروع التدميري وكذلك الغرب والدول الإقليمية ، تمت تغذية الطائفية السياسية والقومية المتطرفة ، ودعم الحركات الإرهابية المتطرفة ، وتأليب تلك المشاعر ودفعها إلى نهج أكثر تطرفا وتغذية مشاعر الكراهية والعنصرية والانقسام ، فظهرت منظمة القاعدة الإرهابية وغيرها ، وتنامت المشاعر الطائفية السياسية والقومية .
وحدث ما كان متوقعا نتيجة لما بيناه ، الحرب الأهلية التي امتدت لسنوات ، وما زالت أثارها ماثلا حتى يومنا .
إن الانتخابات التي جرت من 2006 م وحتى 12/10/2021م لم تكن نزسهة ولا تمثل إرادة شعبنا بمكوناته المختلفة ولم تكن نزيهة لا في قانون الانتخابات ولا بمفوضة مستقلة ولا بقانون أحزاب يصار إلى تطبيقه بحذافيره ومنع أي حزب من الاشتراك في الانتخابات حسب الدستور ، هذه وغيرها لم تتم مراعاتها في كل انتخابات تجري ، فلابد أن تكون نتائجها غير نزيهة ولا تعكس إرادة الناخب العراقي أبدا .
هذه حقيقة يعرفها الجميع والقوى السياسية المشتركة في العملية السياسية أو حتى من هم خارج النظام السياسي المعارضين لمجمل العملية السياسية .
ليس هذا فقط بل ممثية الأمين العام للأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية على بينة من كل الذي كان يجري في كل انتخابات ، ولكنهم كانوا يغضون الطرف عن تلك الممارسات المخالفة والفاضحة بدواعي وأسباب يلفها الغموض أو لإضفاء الشرعية على هذه العملية برمتها ، رغم الأصوات التي كانت تفضح تلك العملية وعدم نزاهتها ، وبالتأكيد فإن ممثلية الأمم المتحدة في لغداد تتحمل جزء من المسؤولية والأكبر في تغاضيها هذا !..
جماهير شعبنا الرافضة لهذا التزوير الفاضح وفشل الحكومة والمتنفذين المتسلطين على رقاب شعبنا ، في الوفاء للشعب وتقديم الخدمات ومعالجة حالة الفقر وغياب الخدمات وفقدان الأمن وعدم المساواة وغياب العدالة ، وتوقف عجلة الاقتصاد والزراعة ، وتحويل العراق إلى بلد ريعي وغير منتج ، وتوقف شبه كامل للنشاط الاجتماعي في انتاج الخيرات المادية وما يحتاجه الناس من غذاء ودواء وعيش كريم !..
هذا وغيره وخلال العقد الماضي وحتى الساحة خرجت الملايين تطالب بالخبز والأمن والحرية والحق في الحياة ، وتتوج هذا النشاط الاجتماعي في ثورة تشرين المباركة العظيمة ، حين خرج الملايين إلى ساحات التظاهر ، وبشعارات ومطالب واضحة ومفهومة وتمس حياة المجتمع العراقي ، فواجهت حكومة عادل عبد المهدي وقوات ( الشعب .. الشغب ) هذه الملايين بالرصاص الخي وقنابل الغاز المحرمة دوليا كون هذه القنابل لا تستخدم في التظاهرات والاعتصامات السلمية . سقط جراء تلك المواجهات الدامية ما يربو على الألف شهيدة وشهيد ويزيد على ثلاثين ألف مصاب وجريح ومعوق ومفقود ومعتقل ومخطوف .
وعلى إثر ذلك اضطر عادل عبد المهدي وتحت ضغط هذه الملايين إلى الاستقالة ، وتعيين مصطفى الكاظمي رئيس مجلس الوزراء وتكلف هذه الحكومة لإجراء انتخابات مبكرة لتهدئة الشارع .
وتمت الانتخابات في 12/10/2021 م ، وحين تم فرز أصوات الناخبين التي كانت نسبة المصوتين أقل من 20% ممن يحق لهم المشاركة في التصويت ويقدر عددهم 25 مليون نسمة .
وتبين برغم هذا الإحجام الكبير عن التصويت ، فقد منيت قوى وأحزاب الإسلام السياسي الشيعي على وجه التحديد بخسارة فاضحة وكبير ولفظ جماهيرهم والشعب لهم نتيجة فشلهم في إدارة الحكم وفشلهم في تقديمهم الخدمات وغياب الأمن .
فأصيبوا بصدمة كبيرة وفقدوا توازنهم وتعرضوا لخيبة أمل مروعة وشعورهم بأنهم ربما سيفقدون سلطانهم ونفوذهم ومكاسبهم التي يتمتعون بها خلال العشرين سنة الماضية !..
فعليهم أن يفعلوا شيء بأسرع ما يمكن ؟؟...
الجميع يعلم بأن نظامنا السياسي قام على أساس المكونات والمحاصصة الطائفية السياسية والقومية وتقاسم المغانم وما أصبح يسمى بالتوافق .
وحتى نتوخى الدقة وتبيان الحقيقة كاملة ودون رتوش !..
من ارتضى لنفسه وشارك به بشكل فعلي ، فإنه يتحمل المسؤولية وحسب ثقله في صنع القرار ومساهمته الفعلية في صياغة القرارات السياسية والاقتصادية ، ومساهمته في صياغة وتشريع القوانين التي تخالف روح الدستور ونصوصه ، مثل ما تم تشريع قانون الحشد الشعبي ، الذي عرف ب( فتوى الجهاد الكفائي ، الدستور يمنع قيام أي فصيل عسكري خارج المنظومة العسكرية والأمنية أو قيام أي شكل من أشكال الميليشيات والعصابات بأي شكل من الأشكال .
حين تم فرز نتائج الانتخابات وحصول الأحزاب والكتل والأفراد على عدد الأصوات التي حصلوا عليها ، اتضح بأن التيار الصدري قد حصل على أعلى الأصوات بحصوله على 73 مقعد وبذلك فيعتبر هو أكبر كتلة في المجلس الجديد !..
وبعد فترة حصل اتفاق سياسي بين الديمقراطي الكردستاني والحلبوسي والخنجر ، لتكون الكتلة الأكبر في مجلس النواب ، والتي من المفروض أن تشكل الحكومة لاحقا .
وبعد تجميع الأصوات من الصدريين وحلفائهم من السنة والاكراد لتشكيل حكومة أغلبية وليست حكومة محاصصة ، واتفق الحلفاء على حكومة الأغلبية ، ولكن هذا التحالف قد جمع ما مقداره 210 عضو من أعضاء البرلمان ، وكانوا بحاجة إلى ما يقرب عشرة نواب ليكتمل عدد الثلثين ، فقام الاطار التنسيقي بتشكيل الثلث المعطل ، وبذلك أصبح من الصعوبة بمكان القدرة على السير بالعملية حتى النهاية .
والشيء الذي فاجئ الجميع بقرار مقتدى الصدر بتقديم نواب كتلته الاستقالة والبالغ عددهم 73 نائب ، وبذلك يكون قد قلب الطاولة على الجميع ، وأحدث واقع جديد يحمل بين طياته الكثير من المفاجئات والمتغيرات ، وبنفس الوقت وضع القوى السياسية التي تشكل البرلمان الجديد أمام تحدي متشعب ، وسيخلق شروخ وانقسامات ، ستزيد الأزمات والانقسامات على مستوى القوى وعلى مستوى الشارع ، وربما ستفرض نفسها على التدخلات الخارجية في الكم والكيف .
لابد من التعقيب على مواقف قوى ( الأغلبية السياسية ، من السنة والكرد والصدريين ! )
يبدو بأن هناك شيء يدعوا إلى التوقف عنده !..
من المتعارف عليه وفي البلد الواحد ، قواسم مشتركة تعقب كل الانتخابات ، لكن ما يحدث في العراق فهو مختلف تماما ، بغياب تلك القواسم وكل يغني على ليلاه !..
وهذا شيء محير وغريب وفي العراق ، هذا البلد الذي ليس كمثله بلد في العالم .
بالأمس كانوا تراهم جميعهم جمعا واحدا ، واليوم تراهم شتى ؟.. وذهب بعضهم مهرولا إلى من كانوا يعتبرونهم ألد الخصوم !..
صحيح بأن مصالح الناس من يحدد وعيهم وليس العكس ، ولكن ليس بهذه السرعة ، فهم يسابقون بعضهم قبل أن يسبقهم الأخرين !..
سؤالي إلى الديمقراطي والحلبوسي والخنجر ؟..
أين الوطن والمواطن من كل الذي جرى ويجري ؟..
ألم تحرصوا على شعبكم كحرصكم على مصالحكم وامتيازاتكم وما تجنوه من أموال وفيرة وجاه وسلكة ؟..
لماذا لا تأخذوا بتجارب من سبقكم وأين أل به المطاف ، وذهبوا غير مأسوف عليهم ، وبقى العراق بحدوده وأرضه ومكوناته ؟..
لماذا تضعون رؤوسكم كما هي النعامة وتغلقون البصر والسمع والبصيرة ، فشعبكم أولا بكم أن تسمعوه وتأخذوا بالذي يريده ويسعى من أجله ، كونه السيد والحاكم وإليه يرجع القرار ، وإن تخلف عن ذلك كما تتوهمون ، فإنه سينهض ليعيد ناصية السلطة والسيادة والنهي والأمر ، وهذه حقيقة مطلقة عليكم أن تعلموها وتصغوا لمنطقها ولا تأخذكم العزة بالإثم إن كنتم تعلمون أو لا .. فتنبهوا قبل أن يأتيكم الطوفان ، حينها لا ينفع الندم .
أما السيد الصدر فأقول ، عليك أن تدرك حقيقة واحدة لا ثانية ولا ثالثة غيرها !...
الوطن والمواطن أولا .. وثانيا .. وثالثا .. وإلى ما لا نهاية !..
فإما حياة تسر الصديق .. وإما ممات يغيظ العدى ، ذو العقل يشقى بالنعيم بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم !..
إن شعبنا شعب عظيم وله الإرث العظيم والتأريخ الخالد ، وهذا الشعب لا يمكن هزيمته وسينتصر في قادم الأيام ويقيم دولته ، دولة المواطنة وقبول الأخر ، الدولة الديمقراطية العلمانية في عراق ديمقراطي حر مستقل .
على جماهير شعبنا من فليانه وفتياته ونسائه ورجاله ، أن يدافع عن العراق وشعبه ويجودوا بالنفس والنفيس ، ، لإعادة بناء دولة المواطنة وليس أقل من ذلك ،÷ ولن يسمحوا لدول الجوار وللسياسة العدوانية الأمريكية والغرب التدخل في شؤونك أو رسم سياسات بلدكم ، والتي هي بالضد من مصالحكم ورغبتكم في الاستقلال والنماء والأمن والسلام والحرية والكرامة وبناء حاضركم ومستقبلكم تفخرون به وتجسدون بحق تراثكم العظيم وتلحقون بركب الحضارة الإنسانية ومن أجل عالم يسوده السلام والمحبة والتعايش في بيئة صالحة للعيش وللحياة .
10/7/2022 م