أي مضمون لشعار- لم الشمل- في ستينية إسترجاع الجزائر إستقلالها؟


رابح لونيسي
2022 / 7 / 6 - 18:07     

احتفل الشعب الجزائري بستينية إسترجاع سيادته الوطنية في جو من إحتفالات كبيرة تميزت بالفرح بعد نجاح ألعاب البحر الأبض المتوسط في وهران، والتي تم إستغلالها لإعادة الفرحة للجزائريين والرغبة في الحياة الذي هو مهم جدا في حياة أي شعب، فالعامل المعنوي مهم جدا، وكذلك عادت بهذه المناسبة الإستعراضات العسكرية التي غابت عن الجزائر منذ مقتل السادات في إستعراض عسكري عام 1981، ولم تعرف الجزائر إستعراضات عسكرية منذ أول نوفمبر1980، فكانت اليوم فرصة لإبراز قدرات الجيش الجزائري وأسلحته المتطورة لإعطاء من جهة ثقة للشعب بأنه قادر على حماية حدوده ومواجهة تحديات أمنية على حدودها بدأت منذ سنوات، وبالضبط منذ الإنهيار المني في ليبيا وفي شمال المالي في 2012، كما أن هناك مخطط ضد أمنها بعد قيام تحالف صهيوني- مغربي الذي أدى إلى تأثير كبير للوبيات الصهيونية التي تساعد المغرب في مختلف المحافل الدولية، وتعرقل أي عودة للدبلومسية الجزائرية أقليميا ودوليا، وهو ما ظهر بجلاء في رفض الإمارات العربية المتحدة تعيين بوقادوم كمبعوث أممي إلى ليبيا.
يعود هذا الرفض إلى عدة أسباب، ومنها كما أشرنا تعرض الجزائر لعدة محاولات لعرقلتها للقيام بأي دور دبلوماسي إقليمي أو عالمي، فإن لعبت الإمارات دورا في ذلك، الا أنه قد تم في تحت ضغط أو طلب مغربي وصهيوني، خاصة الأخير حيث أصبحت لوبياتها القوية تلعب دورا كبيرا لعرقلة الجزائر في كل المحافل الدولية، وهذا ليس فقط بسبب موقف الجزائر من القضية الفلسطينية، بل أيضا لدعم المغرب الأقصى حليفها الجديد في المنطقة، كما لا نستبعد أيضا تأثير العلاقات الجيدة بين الجزائر وكلا من تركيا وقطر التي ظهرت بجلاء في الأيام الأخيرة بعد زيارة تبون الى تركيا وزيارة أمير قطر الأخيرة الي الجزائر، ونحن نعلم أن تركيا وقطر لهما اتباع في ليبيا ممثلين في الاخوان المسلمين الذين تعاديهم الإمارات بشكل كبير، فلهذا خشيت هذه الأخيرة أن تكون اي تسوية لبوقادوم في ليبيا في حالة تعيينه مبعوثا أمميا سيكون ضد مصالح الإمارات في ليبيا.
نعتقد أن الجزائر التي كانت تقف نفس المسافة من الأطراف المتصارعة في ليبيا، وتعلم جيدا عبر عدة تصريحات لتبون الذي كرر عدة مرات بأن ليبيا هي ضحية حرب بالوكالة تقوم بها أطراف موالية لقوى دولية واقليمية خارجية تتصارع على ليبيا، فقد كان من المفروض ان يسمح ذلك كله للجزائر أن تلعب دور وسيط ناجح في ليبيا، ويبدو ان هذا ما يؤهل بوقادوم لهذا الدور، لكن ذهبت الجزائر ضحية التحالف المغربي- الصهيوني ضدها، والتي أثرت على الإمارات التي لها خلافات خفية مع جارتها قطر، وقلقت من تحركات هذه الأخيرة بعد زيارة أميره الي كل من الجزائر وقبلها مصر، كما لانستبعد وجود مخطط لضرب الأمن الاستراتيجي للجزائر بابقاء كلا من ليبيا وشمال المالي في فوضى لتشتيت الجيش الجزائري على حدودي ليبيا وشمال المالي بكل التكاليف المالية لذلك والتأثيرات النفسية على الجنود والضباط، وهو ما من شأنه تخفيف التواجد العسكري الجزائري على الحدود من المغرب التي تتحرش بالجزائر، كما أن هناك محاولات لخلق فوضى في ليبيا كي تكتمل عملية محاصرة الجزائر أمنيا على كل حدودها.
لكن نلاحظ في هذه الإحتفالات صمت نسبي حول شعار "لم الشمل" الذي لم يتحدث عنه تبون، بل نقلته بشكل غامض وكالة الأنباء الجزائرية، ونسبته إليه دون أي توضيح مفصل، فتعددت التفسيرات لذلك، فمن قائل بأن الرئيس يريد تكرار نفس اسلوب بوتفليقة لإعادة إنتخابه عدة مرات تحت شعار "المصالحة الوطنية" الذي كان مفهوم مضمونه، وما تحقق بعد مجيئه إلى السلطة في 1999، كما أن هناك من فسر ذلك بأنتبون يستهدف من خلاله إجراءات إقتصادية بدعم جزبي لها بسبب مساسها ببعض مصالح الطبقات الشعبية، ولهذا نجد تركيز على القول بأن الجزائر دولة إجتماعية، وما يخيف في الجزائر هو أنه كلما تم التركيز على شعارات معينة يطبق عكسها، ويستند أصحاب هذا التفسير على دعوة تبون لحوار لتحقيق إجماع وطني عندما كان وزيرا أول في عهد بوتفليقة قبل تنحيته، لكن حصر ذلك في المجال الإقتصادي فقط آنذاك، وكان مشكلة الجزائر إقتصادية، وليست سياسية، ويستند بعض المتابعين على ذلك لتفسير دعوة لم اشمل، وصرح آخرين بانها محاولة لإقناع كل المعارضين لدخول الجزائر مثل مناضلي حركتي رشاد والماك، وان هناك محاولات لإقناعهم بذلك كي لايبقوا أداة تستخدم ضد الجزائر من الخارج، فإن كان ذلك صحيح، فمعناه هي إعادة لنفس ما قام به بوتفليقة مع الجماعات الإرهابية مادام أن السلطة في الجزائر قد وضعت هذين الفصيلين ضمن المنظمات الإرهابية.
طبعا كل مايقال هي مجرد أحاديث وتأويلات لم يتم التأكد منها، إلا أن هناك أحزاب تريد ركوب الموجة، فرفعت هذا الشعار الجديد "لم الشمل"، لكن لم يتحقق أي شيء في هذا المجال، ونحن نعيش ستينية إسترجاع الإستقلال، فهل هناك إختلاف داخل دواليب السلطة حول مضمون مشروع "لم الشمل" الذي لقي دعما صريحا من الجيش من خلال إفتتاحيات مجلته وتصريحات واضحة لقائد أركانه ليس فيها أي لبس، هذا ما يدفعنا إلى طرح ما نعتقده أنه المضمون الأمثل الذي يجب إعطائه لهذا الشعار الذي يمكن أن يكون مشروع بذاته لإعادة بناء الدولة الوطنية بجمع كل أبناء الجزائر مهما كانت أيديولوجيتهم أو لسانهم أو مناطقهم او توجهاتهم في جبهة واحدة أولا لمواجهة الأخطار ألأمنية المحدقة بالجزائر من جهة والإتفاق على مشروع لإخراجها من مأزقها السياسي والإقتصادي والإجتماعي يجب تنفيذه لفترة محددة كما وقع مع أول نوفمبر1954 أين تم إنشاء جبهة التحرير الوطني التي جمعت الجزائريين بكل أطيافهم لطرد الإستعمار الفرنسي، وقد لمح إلى ذلك رئيس مجلس الأمة صالح قوجيل في إحدى خطاباته، فكل هذا يدفعنا إلى مسألة هامة لابد من التطرق إليها، والتي تهدد الدولة الوطنية، وهو إختلال التوازنات الأيديولوجية والجهوية داخل النظام الجزائري بعد الحراك ، وسنشرح ذلك.
أن النظام السياسي في الجزائر منذ ثورة التحرير مبني على مراعاة كل التوازنات الأيديولوجية والجهوية بشكل دقيق، فكلما أختلت هذه التوازنات دخلت الجزائر في أزمات حادة، فهو ما يعني ان المجتمع الجزائري موجود كله داخل النظام، ولهذا فالنظام هو الدولة ذاته، مما جعل المعارضين لايميزون بين الدولة والنظام، وهو في الحقيقة صحيح، فرغم أن الجزائر عاشت دولة-الحزب الواحد، لكن كل الأيديولوجيات والمناطق موجودة داخل الحزب الواحد وداخل النظام، وبالتالي فكلها ممثلة وموجودة، وكل الصراعات السياسية والأيديولوجية تتم داخل النظام ذاته لاخارجه، لكن في بعض الأحيان يختل هذا التوازن، فتطغى منطقة معينة أو أيديولوجية محددة، مما يتطلب إعادة االتوازن من جديد كي لاتدخل الجزائر في ازمات بسبب شعور البعض بأنهم مقصون ومهمشون، هذا في عهد الحزب الواحد طبعا الذي يقصي كل من ليس في الحزب أو موال للسلطة من أخذ مسؤوليات أو مناصب سياسية أو الترشح في مختلف الإنتخابات، لكن بعد دخول الجزائر في عهد التعددية بعد 1988، فمن المفروض ان تتخلص من ذلك، ويسمح للجميع بالتواجد في كل مؤسسات الدولة.
فقد حاولت السلطة القائمة في الجزائر بعد أكتوبر1988 تحويل النظام فعلا إلى الدولة بفتح الحريات للجميع دون أي إستثناء وتنظيم إنتخابات حرة ونزيهة، ولو أن بعض المحللين يرون أنه ما وقع كان خطأ فادحا، وجرى بتسرع دون أي دراسة، فقد كان من المفروض الإبقاء على ماطرحة بن جديد في خطاب10أكتوبر1988، وهو ما سماه الحساسيات داخل الحزب الواحد جبهة التحرير الوطني، والتي هي شبيهة بفكرة المنابر في مصر السادات، وهي تطبيق لفكرة كانت تتردد اثناء الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين في ثمانينيات القرن الماضي، وهي السماح بظهور ثلاث أحزاب تخرج من رحم الحزب الواحد (حزب إشتراكي وآخر لبيرالي وثالث وسط)، كما تداولت فكرة آنذاك، وهي ترك حزب جبهة التحرير الوطني والسماح فقط بالنشاط لثلاث أحزاب، وهي حزب الطليعة الإشتراكية الذي هو الحزب الشيوعي السابق وجبهة القوى الإشتراكية لآيت أحمد والحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر لبن بلة، وهم كلهم كانوا من مفجري الثورة التحريرية.
لكن لم تتحقق أي من هذه الأفكار لأسباب سياسوية، فلو قامت الجزائر بتنفيذ أي واحدة منها آنذاك، لكان من الممكن أن تكون قد خرجت نهائيا من أزمتها السياسية، لكن الديماغوجية والضغوط دفعت إلى التسرع في إطلاق حرية إنشاء الأحزاب التي نص عليها دستور1989، فانتج فوضى سياسية وحزبية لامثيل لها، فظهر الفيس بقوة مستغلا الدين دون أن يتمكن أي أحد من إيقافه لعدة أسباب، ومنها ضعف الدولة بعد أحداث اكتوبر1988، كما كانت وراء السكوت عن تصرفاته عدة أطراف داخل النظام، ومنها طرف يعتقد أن ترك الحرية لنشاطه، سيمنح للأجهزة الأمنية من مراقبته والتحكم فيه بدل ما يعمل في السرية، وهناك طرف آخر رأى في الفيس وسيلة لإمتصاص الغضب الإجتماعي المتزايد بسبب أزمة إقتصادية خانقة ناتجة عن إنخفاض أسعار المحروقات، وهو موقف مبني على فكرة تقول بأن المجتمعات تلجأ إلى الدين، وتهرب إليه أثناء الأزمات الإجتماعية الحادة، وكي لا يتم ذلك بشكل فوضوي يجب وضعه في قالب حزبي أو تنظيمي مثل الفيس، فلهذا رأى أصحاب هذا الطرح أن الفيس هو مجرد تعبير عن غضب إجتماعي لا غير، أي نوع من إستغلال للدين واللجوء إليه في حالات الأزمات الحادة، وهناك طرف آخر رأي في الفيس أنه وسيلة لتوظيفه للإنقلاب على المسار الديمقراطي والعودة إلى ما قبل 1988، وذلك بتضخيمه وتخويف الشعب به.
فرغم ذلك كله، فقد حاولت أطراف داخل النظام معالجة المسألة الناتجة عن ظاهرة الفيس، وذلك بالحفاظ على التوازنات داخل النظام ومؤسساتها والدولة كلها، وكي لاتختل لصالح منطقة أو ايديولوجية معينة، هذا ما يفسر تنظيم تشريعيات 1991.
ان مختلف الأجهزة كانت تعتقد بأن هذه التشريعيات ستسفر عن ثلاث تيارات متوازنة داخل قبة البرلمان، فكل الإستطلاعات والدراسات التي قامت بها هذه الأجهزة كانت تنبيء بأن الإسلاميين، وعلى رأسهم الفيس، وكذلك الوطنيين وعلى ٍرأسهم الآفالان والديمقراطيين وعلى رأسهم الآفافاس سينالون عدد مقاعد متقاربة، أي سيوزع البرلمان تقريبا فيما بينها بشكل متقارب، وهو ما سيحافظ على التوازن، ويمنع الفيس من تغيير طبيعة الدولة مستغلا الدستور الذي كان يسمح لثلثي أعضاء البرلمان بوضع دستور جديد، أي يتحول إلى مجلس تأسيسي، كما تم التمهيد لهذه التشريعيات بإنتخابات محلية في 1990 فاز فيها الفيس، فأعتقد هؤلاء أن ذلك سيحولهإلى قوة محدودة بفعل عجزه عن حل المشاكل وتحقيق تلك الأحلام التي كان يوزعها.
لكن وقع ما لم يكن في الحسبان وتفاجأ الجميع بحصد الفيس تقريبا ثلثي المقاعد في الدور الأول للتشريعيات، فهناك من حمل جبهة التحرير الوطني، وعلى راسه مهري الذي أعطى أمر برفض مشروع قانون الإنتخاب النسبي على القائمة الذي قدمته حكومة سيد أحمد غزالي، وتفضيل نواب الآفالان التصويت بدورين، مما أفرز أغلبية مطلقة للفيس لا تتماشى مع الأرقام التي حصل عليها، لكن علينا أيضا أن نحمل المسؤولية للقوى الديمقراطية والحداثية واليسارية في الجزائرالتي لم تذهب إلى الإنتخابات، وهو الأمر الذي لم يخطر على بال الأجهزة التي نظمت الإنتخابات، واعتقدت أن كل التيارات ستأخذ عدد مقاعد متقاربة، ولم يدرك اصحاب هذه الحسابات أن القوى الديمقراطية واليسارية والحداثية سلبية على طول الخط رغم كثرة ضجيجهم وصراخهم، ولازالت على ذلك إلى حد اليوم، فلو تجندت هذه القوى كما تجند الفيس لما وقع ما وقع في1991، لتضطر الجزائر إلى إيقاف المسار الإنتخابي الذي سيكون كارثة على مستقبلها إن تمكت مواصلته لأنه سيسمح للفيس بتغيير طبيعة الدولة عبر دستور على مقاسه، كما سيضغط من أجل إنتخابات رئاسية مسبقة، فيسيطر على كل مؤسسات الدولة من خلال ذلك، فلنقلها بكل صراحة، فهذه القوى الديمقراطية والحداثية واليسارية لعبت آنذاك، ولازالت تلعب دورا سلبيا في الجزائر، هذا إن لم نقل قاتلا بالنسبة لمستقبل الجزائر، فهي وراء الكثير من أزماتها بسبب معارضة عقيمة ورفض كل ما ياتي من السلطة وترك الكرسي شاغر ليملأه خصومهم، فقد كانت هذه القوى وراء معاقبة كل المترشحين الديمقراطيين والحداثيين في كل الإنتخابات بسبب مقاطعتهم لها كلها وعدم الذهاب إلى الصندوق لدرجة أنها غير موجودة اليوم في مختلف المؤسسات، كما أن أي وزير منها يوصف بأبشع الأوصاف، وتتم مطاردته، فهذه السياسة تركت الساحة شاغرة، خاصة للإسلاميين الذين تغلغلوا داخل دواليب الدولة بقوة مستغلىن الرفض السلبي والعدمي لهذه القوى، فأصبحت تطردهم من كل المناصب، وتقوم بما تريده ضدهم، فأختلت اليوم كل االتوازنات الأيديولوجية والجهوية داخل النظام، ويدفع هؤلاء الديمقراطيين والحداثيين واليساريين الثمن الباهظ بسبب سياساتهم العديمة الجدوى.
فالسلطة في الجزائر في الحقيقة تريد وتعمل من أجل الحفاظ على هذه االتوازنات، لكن الرفض والمعارضة العدمية لهذه القوى له سمحت للإسلاميين وأصحاب النزعات الأيديولوجية العروبية (القومية العربي) التغلغل اكثر في دواليب الدولة، وهو ما يتطلب إعادة التوازن من جديد، لكن هذا يتطلب قليل من الذكاء عند هذه القوى اليسارية والديمقراطية والحداثية التي هي بصدد القيام بإنتحار ذاتي لنفسها إن واصلت في نفس هذه السياسات، فلتعلم أننا لسنا في العهد الإستعماري، ونواجه دولة أجنبية، بل نحن في دولة سلطتها جزائرية، وليست أجنبية كي نصف كل من يتعامل معها أنه عميل وخائن، فهؤلاء يقومون اليوم بنفس ممارسات الفيس في التسعينيات التي سمحت بإختلال التوازن داخل النظام لصالح القوى الحداثية والديمقراطية، لكن ذكاء نحناح أنقذ الإسلاميين من الإنتحار الذاتي ى،ذاك، فلتعلم كل هذه التيارات سواء الإسلامية أو الديمقراطية الحداثية بأن هذا النظام هو الدولة ذاته ومعارضته هو معارضة للدولة الوطنية التي تأسست بملايين الشهداء في 1962، فلتدرك أن إستمراره وتطوره الإيجابي يتم عبر خصائص أساسية فيه، وهي الحرص على كل االتلوازنات الأيديولوجية والجهوية بداخله، وما يحب أن تطالب به هو تحسين آليات عمل النظام، وهو ما يتم في الحقيقة تدريجيا وعبر الزمن، وكي يتحقق ذلك نحتاج إلى إستقرار ودعم، وليس نقد ومعارضة عقيمة لكل شيء.
ثم هناك مسالة أخرى مهمة يجب على كل التيارت والقوى أن تضعها في الحسبان، وهو أن أي سلطة في العالم تبحث عن شرعية شعبية، فإن لبت السلطة لتيار معين بعض مطالبه، فمن المفروض أن تعطي لها مقابل ذلك نسبة من شرعية يبحث عنها، وليس تزايد المواجهة المتطرفة له، مما يجعل تلك السلطة تدرك في الأخير بأنه لا فائدة منه، وستلجأ مضطرة في بعض الكثير من الأحيان إلى الإعتماد على تيار خصم لذلك التيار يمكن أن يعطيه نسبة كبيرة من الشرعية والرضا مقابل إعطائه وتحقيق بعض مطالبه حتى ولو كانت تعلم تلك السلطة ان هذا التيار يحمل مشروعا خطيرا على مستقبل الدولة لأن في بعض الأحيان لاتبحث السلطة إلا عن شرعية وشعبية بأي أساليب كانت في حالة ضعفها بشكل كبير، هذا ما فهمه الإسلاميون، وتجهله هذه القوى الحداثية براديكاليتها، فأفقدت نفسها أي تواجد في المؤسسات، بل تدفع السلطة بتصرفاتها هذه إلى خدمة مطالب الإسلاميين ما دام يقابلونها بالرضا، فليكف هؤلاء عن الشكوى والكلام الفارغ عن أن النظام رجعي، واصبح إسلاميا، فان تحقق ذلك فبسبب غباءهم وجهلهم بخصوصيات النظام الجزائري الذي نشأ أثناء الثورة التحريرية، فالسلطة في الجزائر بودها أن تكون القوى الديمقراطية والحداثية موجودة أيضا بقوة داخل النظام مثلها مثل خصومها في إطار الحفاظ على مختلف التوازنات بداخل النظام، لكن سلبية هذه القوى الحداثية والديمقراطية هي التي تدفع الجزائر إلى الهاوية وإختلال مختلف التوازنات الأيديولوجية والجهوية داخل النظام، مما سيؤدي مستقبلا إن تواصلت نفس السياسات إلى سيطرة تامة للإسلاميين على دواليبها، فيحققوا بطرق سلمية وبغباء الحداثيين ما عجز الفيس عن تحقيقه في 1991، لكن هذه المرة ببذلات أنيقة، وليس بعباءات وجلابيب، فقد استفاد أنصار الفيس وحلفائهم من العروبيين والإسلاميين الآخرين من دروس التسعينيات في الوقت الذي يتواصل فيه غباء القوى الحداثية والديمقراطية واليسارية التي مافتئت تكرر نفس اخطائها.