في ذكرى تأسيس الحركة النقابية العربية الفلسطينية


جهاد عقل
2022 / 3 / 23 - 09:36     


قبل مائة عام ونيف بدأت الحركة النقابية العربية الفلسطينية في التكوين والتنظيم، أي منذ العام 1920، لكن عملية التنظيم هذه أخذت العديد من الأشكال، بداية بمبادرة النقابيين الناشطين في لجنة عمال السكك الحديدية خاصة الرفاق الشيوعيين والوطنيين منهم، وتأسيس "اللجنة الأخوية لعمّال سكك حديد فلسطين"، ومن ثم تشكيل "النادي الخيري لعمال سكك الحديد"، كانت هذه المبادرات نواة وبدايات التنظيم المهني الفلسطيني، خاصة بمبادرة الرفاق الشيوعيين منهم، حيث قاموا من خلال هذا التنظيم بتقديم الدعم والعون للعمال وعائلاتهم بما في ذلك دعم المرضى والمحتاجين، بعدها بفترة وجيزة قام هؤلاء النقابيون بتقديم طلب لسلطات الحكم الانتدابي البريطاني في فلسطين، لتأسيس تنظيم نقابي ضمن جمعية نقابية تعترف هذه السلطة بتسجيلها رسميًا، وتقدموا بطلب بتاريخ 21/3/1925 بهذا الخصوص.

وبعد مداولات ومشاورات قامت بها دائرة العمل الفلسطينية التي يديرها مسؤول انكليزي من قبل سلطات الانتداب، تلقى النقابيون العرب الرد الذي تعترف لهم تلك السلطة بتسجيل الجمعية النقابية وذلك بتاريخ 8/8/1925. هناك بعض المؤرخين من يعتبر تاريخ 21/3/1925 هو تاريخ انطلاق الحركة النقابية الفلسطينية، لكن الحقائق التاريخية والوثائق التي بحوزتنا تؤكد أن الحركة النقابية العربية الفلسطينية بدأت نضالها وتنظيمها غير الرسمي، أي بدون التسجيل كجمعية وفق القانون الانتدابي المعتمد بخصوص الجمعيات على القانون العثماني، لذلك نعتقد أن الحقائق التاريخية المعتمدة على التوثيق تشير الى أن الحركة النقابية العربية الفلسطينية في فلسطين باشرت نشاطها في بداية العشرينيات من القرن الماضي وكان في طليعتها النقابيون الشيوعيون، هذه الحقيقة التاريخية يحاول البعض من "المؤرخين الجدد" ممن تابعنا "أبحاثهم" محوها، أي محو الدور النقابي الشيوعي في مأسسة الحركة النقابية العربية الفلسطينية، وحتى البعض من الزملاء النقابيين ممن نحترمهم وهم ليسوا بيننا اليوم، أصدروا العديد من الإصدارات التي تغفل الدور الشيوعي في هذا المضمار، وابراز الدور القومي على حد تعبيرهم، ونحن نؤكد هنا على ضرورة التعالي عن هذه الأقوال، لأن ما يهمنا هو أن تأسيس الحركة النقابية العربية الفلسطينية ودورها في قيادة الطبقة العاملة الفلسطينية بجميع تياراتها، كان الأمر الأهم في مسيرتها النضالية.



وتثبت لنا مختلف الوثائق التاريخية التي حصلنا عليها – بشق الأنفس- بسبب بعثرت الكثير منها في العام 1948 من قبل القوات الصهيونية، أن بعض القوى الفلسطينية الحامية للفكر الرأسمالي يومها، كانت تبث الكثير من التحريض على الرفاق الشيوعيين في الحركة النقابية الفلسطينية، سوف نستعرض هذا الأمر في حلقة لاحقة، عندما ننشر تفاصيل المؤتمر الأول لجمعية العمال العربية الفلسطينية الذي عقد في كانون ثاني عام 1930، وكيف قامت إحدى الصحف الفلسطينية بنشر أنه "جرى طرد شيوعي" من قاعة المؤتمر، مع أن تفاصيل خبرها هذا، لا ينافي الوثيقة الصادرة عن المؤتمر (كراس)، وفيه تأكيد أن الرفاق الشيوعيين أو المنتمين الى التيار اليساري هم من قاد المؤتمر ومعظمهم انتخب الى القيادة، ومنهم الرفيق رضوان الحلو الذي شغل لاحقا منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي الفلسطيني.





الوحدة العمالية كنز علينا المحافظة عليه



كان دور الحركة النقابية العربية الفلسطينية في قيادة الطبقة العاملة الفلسطينية، دورًا نقابيًا طبقيًا هامًا من جهة، ووطنيًا نضاليًا مناهضًا للصهيونية والانتداب البريطاني من جهة أخرى، القوة النضالية لهذا الدور وزخمها برزت في العديد من المحطات النضالية الوطنية والنقابية للنضال الفلسطيني، ولا ننسى أن العديد من قياداتها النقابية، انخرطت أيضًا في النضال الوطني، ولا بد من ذكر القائد النقابي الشيوعي فؤاد نصار الذي انضم في ثورة الـ 36 الى النضال المسلح ضد قوات الانتداب البريطاني والصهيونية، وغيره من القيادات النقابية، كما لا ننسى في هذه الذكرى ما قامت به سلطات الانتداب البريطاني بإغلاق مقر جمعية العمال العرب الفلسطينية بحيفا وغيرها بالشمع الأحمر، بادعاء ان قادتها ومعهم الطبقة العاملة الفلسطينية لهم دور مركزي وفعال في الإضراب التاريخي الذي أعلن يومها، وعدد ليس بالقليل منهم انضم إلى صفوف الثوار. هذه المرحلة أدت الى وقف نشاط الجمعية العلني وقيام قادتها – خاصة الشيوعيين منهم – بالانتقال الى النشاط السري واصدار المنشورات، واستمرت هذه الفترة حتى تسارع أحداث الحرب العالمية الثانية، وانضمام الطبقة العاملة العربية الفلسطينية وقيادتها الى العمل في المنشآت البريطانية، لما سمي المجهود الحربي ضد الفاشية والنازية، وبذلك لعبت الحركة النقابية العربية الفلسطينية في تلك المرحلة دورا مركزيا في دعم النضال ضد النازية والفاشية، وخلال هذه الفترة لم تتقاعس الحركة النقابية العربية الفلسطينية عن القيام بدورها النقابي المطلبي وعقدت المؤتمرات ونظمت الإضرابات لرفع تلك المطالب وكان سر نجاح نضالها هذا بفضل الوحدة واستيعاب جميع التيارات الفكرية في صفوفها.

وواجهت الحركة النقابية العربية الفلسطينية في فلسطين منذ تأسيسها صراعًا مع القيادة الصهيونية المتمثلة بالهستدروت، والتي كانت الذراع المركزي في محاولات تثبي الوجود الصهيوني في فلسطين، تمثل هذا الصراع في محاولات الهستدروت الهيمنة على التنظيم النقابي العربي الفلسطيني، من خلال محاولاتها انكار وجود تنظيم نقابي فلسطيني وانكار وجود طبقة عاملة فلسطينية، وبالمقابل تسخير بعض المتعاونين العرب معها للقيام بعملية تنظيم عمال عرب في صفوفها، لإثبات ادعائها أنها هي القوة النقابية الوحيدة في فلسطين، ويتماهى هذا الادعاء مع المقولة الصهيونية المعروفة بأنهم أتوا الى أرض بلا شعب، وكأني بهم يقولون أتوا الى وطن بلا طبقة عاملة، لكن الحركة النقابية العربية الفلسطينية قامت بدورها في إفشال هذا المخطط وأثبتت نفسها محليًا وعالميًا، لدرجة أنها كانت الحركة النقابية العربية الوحيدة التي شاركت في المؤتمر التأسيسي لاتحاد النقابات العالمي، رغم أنف الهستدروت والصهيونية.