اطفال فلسطين بين العمالة والاستغلال والموت


جهاد عقل
2022 / 1 / 8 - 17:00     

- الحادث الأليم والمفجع الذي وقع عصر يون الخميس 6/1/2022 على مفرق بلدة فصايل في منطقة الاغوار الفلسطينية (قرب مدينة اريحا) والذي راح ضحيته ثمانية أطفال وفتيان في سن ال 14-17 سنة وأصيب آخر بجراح خطيرة وما زال قيد العلاج ، وهم في طريق عودتهم من العمل ، الى بلدتهم عقربا قضاء نابلس ، منا حدا بالسلطة الفلسطينية الى اعلان الحداد على هؤلاء الضحايا - شهداء لقمة العيش ، أثار هذا الحادث من جديد قضية عمالة الأطفال في فلسطين ، والتي يعاني منها هؤلاء الأطفال جراء سياسات الإحتلال الإسرائيلي التي أفرغت الإقتصاد الفلسطيني من المقومات الأساسية له مثل ايجاد أماكن عمل ثابتة لكل طالب عمل ، وحولت الايدي العاملة الفلسطينية الى أيدي عمل رخيصة يعمل قسم منها في ورشات العمل داخل اسرائيل وفي المستوطنات الاحتلالية التي اقامتها على اراضي فلسطين المحتلة ، والبقية الباقية من الايدي العاملة الفلسطينية تعاني من الفقر البطالة التي تصل نسبتها الى اكثر من 50٪ في قطاع غزة وحوالي 40٪ في الضفة الغربية المحتلة .
يجري ذلك في ظل وجود غلاء مستفحل يؤدي الى معاناة العائلات الفلسطينية منه خاصة في مخيمات اللاجئين والقرى المحيطة في المدن ، وفي حال حصل رب العائلة على فرصة عمل بالكاد يصل دخله الى 1450 شيكل (اجر الحد الادنى الذي حددته السلطة الفلسطينية ) وهذا المبلغ لا يمكن أن يفي بالمتطلبات المعيشية للعائلة حتى لو اضطرت الى التقنين في مصروفاتها.
قضية أخرى لا بد لنا من الانتباه لها ، الا وهي منع سلطة الاحتلال الاسرائيلي من اصدار تصاريح لمن "له سابقة مخالفة أمنية " على حد تعبيرها ، أي كل من قام او شارك في نشاط فيه سمات مقاومة الاحتلال ، هذه الممارسات الاحتلالية تؤدي الى اضطرار عائلات الاعتماد على عمالة اطفالها وعليه نجد ما كتبته الاخت مهى نعيم طوباسي في مقالها بعنوان (عمالة الاطفال في فلسطين ونشر بتاريخ 18/4/2021) تأكيد للانتهاكات الاسرائيلية لكل ما يتعلق بظاهرة عمالة الاطفال حيث : "تعتبر ظاهرة عمالة الأطفال انتهاكا لاتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات العمل الدولية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تحرّم جميعها تعريض الطفل لأية مخاطر تمس صحته الجسدية والنفسية، وتحظر عمل الأطفال تحت سن الثامنة عشر، ولقد زاد انتشار هذه  الظاهرة  في الآونة الأخيرة نتيجة أزمة كورونا، وازدياد نسبة الفقر في فلسطين. بالكاد تخلو اليوم الأعمال التجارية والسياحية، والمصانع والورش والمشاغل والأنشطة كالتعدين، والمحاجر وورشات البناء، ومحلات إصلاح السيارات والزراعة والصناعات التحويلية من الأطفال العاملين، عدا عن المنتشرين في الشوارع والمفارق وعلى البسطات، وفي أسواق الخضار الشعبية، وعلى الإشارات الضوئية بصورة تمتهن كرامتهم وطفولتهم، وصحتهم الجسدية والنفسية. بالإضافة لازدياد نسبة الأطفال الفلسطينيين العاملين في سوق العمل الإسرائيلية والمستوطنات، والتي تعرضهم لشتى أنواع الاستغلال".
شهداء لقمة العيش الاطفال الثمانية من قرية عقربا قضاء نابلس وهم : ياسر زاهر بني جامع ، محمد حمزة ابو صقر
،حمادة حكمت بني جابر
،زيد معتصم بني منة
،براء زكريا بني منة
،يزيد برهان بني جامع
، معتز ابراهيم دلة الذين راحوا ضحية حادث سير وهم في طريق عودتهم من العمل بمزارع المستوطنين الاسرائيليين ممن نهبوا الارض الفلسطينية في منطقة الأغوار التابعة للشعب الفلسطيني ، هم ضحايا لظاهرة عمالة الاطفال من جهة ، وضحايا لسياسة الاحتلال التي تفرض الخصار على الشعب الفلسطيني عامة وتقوم بتجويعه وافقاره ، مما يؤدي الى اضطرار هؤلاء الاطفال والفتيان الى ترك مقاعد الدراسة والبحث عن فرصة عمل أو الوقوف على مفارق الطرق وقارعة الطريق أما لبيع سلع بسيطة أو للقيام بمد يد العوز للمارين كي يعودوا بشواكل عدة للاعانة في اعاشة افراد العائلة .
نحن لا نغفل هنا ظاهرة السماسرة ممن يقومون باستغلال ضائقة الاطفال وعائلاتهم ، والذين يجنون الارباح الطائلة من هذا الاستغلال البشع ، والذي يعتبر انتهاك فظيع للمواثيق الدولية ولقوانين حماية الاطفال ، وحتى السلطة الفلسطينية واجهزتها تقف عاجزه امام هذه الظاهرة التي تؤدي في المحصلة الى ضرب النسيج الاجتماعي للمجتمع والشعب الفلسطيني الامر الذي يُشكل خطراً على الشعب الفلسطيني عامة وما استخلصت له مهى نعيم طوباسي في مقالها المذكور اعلاه يلخص هذا الخطر خيث كتبت عنه ما يلي:"عمالة الأطفال سبب مهم في ازدياد الفجوات والتشوهات والتناقضات الاجتماعية والثقافية في المجتمع، وتعيق تفاعل الفرد في المستقبل تفاعلا إيجابيا في مجتمعه، لذلك، إذا كان الأطفال نصف المجتمع وأغلبية أطفال فلسطين يعيشون واقعا خارجا عن المألوف وصعبا،  فلا يجب أن نتفاجأ من انتشار العنف وبعض مظاهر العدوانية في المجتمع، وتراجع القيم، وانتشار الطبقية، وتدني مستويات التعليم والمعرفة، وغيرها من الأزمات التي تضرب تماسك المجتمع الفلسطيني في مفصل، فحسب معظم الدراسات العلمية والتربوية، فإن شخصية الإنسان تتشكل من الخبرات التي اكتسبها في طفولته، والبيئة التي نشأ بها. قد تكون هناك  عدة أسباب، ولكن لا يجب الاستهانة بهذه الظاهرة ومعالجتها على الفور".هذا التشخيص يؤكد لنا بأن على الجهات المسؤولة في السلطة الفلسطينية أخذ هذا الموضوع بجدية وايجاد الحلول له بأسرع وقت ،لان انتشار ظاهرة عمالة الاطفال بهذا العدد الكبير تشكل خطراً كبيراً على خاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني.
وفي النهاية لا يسعنا الا تقديم التعازي لعائلات شهداء لقمة العيش الثمانية وتمنياتنا للجريح بالشفاء العاجل.