هل سار ماكرون على نفس خطى جيسكار ديستان؟


رابح لونيسي
2021 / 10 / 13 - 14:40     

لعل يتساءل قاريء هذه المقالة عن علاقة ماكرون بجيسكار ديستان الذي تولى رئاسة فرنسا في 1974 خلفا لجورج بومبيدو، كما أن ديستان شخصية سياسية متأثرة بالفكر الإستعماري الفرنسي، ويؤكد الصحفي الفرنسي إيف كوريير في المجلد الرابع من كتابه الضخم "حرب الجزائر" بأنه شارك في محاولات إنقلابية وراءها غلاة المعمرين في الجزائر، فديستان على عكس ماكرون الذي صرح مرارا بأنه من جيل الشباب ولاعلاقة له لا بالإستعمار ولا بحرب التحرير الجزائرية، بل ذهب أبعد من ذلك، وأعطى أملا في الذهاب بعيدا في ملف الذاكرة مع الجزائر، بل جرم الإستعمار الفرنسي بكل صراحة قبل وصوله للرئاسة قبل أن ينقلب مؤخرا 180 درجة، ليذهب إلى حد الإدلاء بتصريحات غريبة لم ينتظرها أي متتبع لماكرون وعارف بتفكيره، ومنها نفيه وجود الأمة الجزائرية كما فعل ديستان في،1975 لكن بشكل غير مباشر، هذا ما يجعلنا نتساءل هل سار ماكرون على خطى جيسكار ديستان في علاقته مع الجزائر والمنطقة كلها؟، هذا ما سنحاول تبيانه في هذه المقالة، خاصة أن كلا الشخصيتين من خبراء البنوك والمال، كما أن ديستان لم يبق في السلطة إلا عهدة واحدة بسبب تأثيرات جزائرية في الإنتخابات الرئاسية في 1981 التي أوصلت متيران إلى الرئاسة، مما سمح بوصول إشتراكي في تحالف مع الشيوعيين إلى هرم السلطة في وقت كانت تتخوف عدة أوساط منهم بسبب الحرب الباردة آنذاك، ويرد الكثير أن القبول بميتران آنذاك يعود إلى إعتداله في طروحاته، مما أعطى نوعا من الضمانات للمعسكر الرأسمالي الغربي، لكن السؤال المطروح والمخيف مع ماكرون هو: هل ستكون عهدته واحدة أيضا مثل ديستان، لكن بوصول اليمين المتطرف لأول مرة إلى هرم السلطة في فرنسا، وهو ما من شأنه تهديد السلم والأمن في البحر الأبيض المتوسط؟. فللإجابة على هذه الأسئلة كلها نقارن بين سياسات الرئيسين تجاه الجزائر ومنطقتنا مع قراءة في المستقبل وإحتمالاتها.
وصل جيسكار ديستان إلى رئاسة فرنسا في 1974، ولم تسوء علاقاته مع الجزائر في بداياتها مثل علاقة ماكرون بها قبل تصريحاته الأخيرة، فديستان هو أول رئيس فرنسي يزور الجزائر رسميا بعد1962، فنظم له بومدين إستقبالا شعبيا، لكنه أخطأ بعد هبوطه في المطار بتصريحه "فرنسا العريقة تحيي الجزائر الفتية"، فأنتبه بومدين أو ممكن نبهه مولود قاسم بأنه ينفي بذلك عراقة الأمة الجزائرية، وكأنها ولدت في1962، أي صناعة فرنسية كما يروج بعض المعتوهين اليوم مثل فرحات مهني، وهو تقريبا نفس ما قاله ماكرون مؤخرا لكن بشكل مستفز ومباشر، فوقع آنذاك صدام حول ذلك حيث رد مولود قاسم على تلك المقولة التي غضب منها بومدين، فعاد إلى العمق التاريخي للجزائر لإثبات عراقة الأمة الجزائرية الممتدة على آلاف السنين، وهو نفس ما فعله رواد المدرسة التاريخية الجزائرية كمبارك الميلي وتوفيق المدني ومحند الشريف الساحلي وغيرهم بعودتهم إلى هذا العمق التاريخي لمواجهة الأيديولوجية الإستعمارية النافية لوجود الأمة الجزائرية، كما أضاف مولود قاسم عدة وثائق عقدتها أيالة الجزائرمع عدة دول الأوروبية، ومنها فرنسا قبل 1830 كي يبرز شخصية الجزائر الدولية، فكان ذلك وراء كتابه"شخصية الجزائر الدولية وهيبتها"، ولعل ما لايعلمه الكثير هو أن الرد الجزائري بالعمق التاريخي للأمة الجزائرية جعلت ديستان يطلق على كلبه إسم أحد رموز وأبطال الجزائر التي قاومت الإستعمار الروماني، وهو يوغرطة كإهانة منه لتاريخنا وأمتنا.
ساءت العلاقات أكثر في عهد ديستان بعد هذه الزيارة بسبب عوامل أخرى، أحدهما مجهول عند الكثير، وهو قيادة فرنسا ديستان لمشروع سافاري السري الذي يستهدف حماية مصالح الغرب في أفريقيا لمواجهة ما يسمى بالأنظمة التقدمية وما أعتبروه زحفا شيوعيا سوفياتيا على القارة لمحاصرة الغرب بقطع طرق المواصلات عليه، مما يتطلب إسقاط هذه الأنظمة، ويضم هذا المشروع فرنسا كقائدة له، وكذلك مصر والمغرب والسعودية بعد إغتيال الملك فيصل، وكذلك إيران الشاه، وكانت الجزائر أحد أهداف هذا المشروع، ومن المؤكد أن المخابرات الجزائرية بقيادة قاصدي مرباح تكون قد علمت به آنذاك. عرفت منطقتنا في عهد ديستان عدة تدخلات فرنسية، ومنها الصحراء الغربية أين ضغطت على إسبانيا للتوصل إلى معاهدة مدريد المقسمة لها بين المغرب وموريطانيا، كما خططت لإجهاض المشروع الصناعي والتنموي لبومدين بإدخال الجزائر في حروب وعدم إستقرار، فالعامل الإقتصادي هام جدا في العلاقات الجزائرية- الفرنسية، ففرنسا ترفض وتعرقل أي محاول جزائرية للقيام بعملية التصنيع والخروج من إقتصاد ريعي إلى إقتصاد منتح يخلصها ويحررها إقتصاديا، فتضيع فرنسا مصالحها الإقتصادية، ومنها السوق وأخذ المواد الأولية والطاقة بأثمان بخسة، ونعتقد أن مواقف ماكرون الأخيرة تشبه إلى حد ما مواقف ديستان الذي قلق من المشروع التنموي والتصنيعي للرئيس بومدين في سبعينيات القرن20، ونعتقد أن أحد أسباب غضب ماكرون مؤخرا هو شعوره بوجود مشروع جزائري في هذا المجال هدفه تقليص الإستيراد والتوجه إلى الإستثمار المنتج، مما سيضر بمصالح فرنسا.
بقي مشروع سفاري سريا حتى كشفه محمد حسنين هيكل بعد ما سمح له الخميني في إيران بالإطلاع على وثائق المخابرات الأمريكية في 1980التي تم الإستيلاء عليها، فكشف هذا المشروع الذي أختفت فيه أمريكا وراء فرنسا التي ستقوده في أفريقيا.
ان سوء هذه العلاقات يجرنا إلى عامل آخر، وهو سعي الجزائر لإسقاط ديستان الذي دخل في مخططات ومشاريع ضدها، فساعدت الإشتراكيين بقيادة ميتران منذ تشريعيات1978، فطلبت فرنسا من سفير الجزائر بجاوي بالكف عن التدخل في الإنتخابات الفرنسية، فمنذئذ أصبحت الجزائر عامل مؤثر في الرئاسيات الفرنسية بواسطة مهاجريها خاصة، فكل مترشح يزورالجزائر، ويلقى دعمها يفوز في الإنتخابات بداية بميتران في 1981ثم شيراك ثم هولاند ثم ساركوزي وأخيرا ماكرون، فكل هؤلاء زاروا الجزائر عشية الرئاسيات الفرنسية، ولعل أحد أسباب غضب ماكرون هو عدم معاملته اليوم كما عومل في الرئاسيات السابقة؟

يختلف ماكرون عن جيسكار ديستان في عدة أمور بإستثناء إشتراكهما في التكوين كخبراء في شؤون المال والبنوك، وهو ما يمكن ان يضفي على كليهما نوعا من الذهنية البرغماتية التي تحسب كل شيء بالمنفعة المادية، لكن نلاحظ بروز العكس تماما على كليهما بمعاداتهما لجزائر في مرحلة من عهدتيهما الرئاسية، بل دخلا كليهما في مخططات لإضعافها كما بينا ذلك بالنسبة لجيسكار ديستان، وسنبيه فيما بعد بالنسبة لماكرون ، فماكرون كان يعتبر نفسه برغماتيا ومن جيل الشباب الذي لاعلاقة له لا بالإستعمار ولا بالثورة التحريرية، وأبدى إستعدادا لتجريم الإستعمار وتقديم تنازلات في مجال الذاكرة، فقد جرم الإستعمار عند زيارته للجزائر قبل وصوله للرئاسة، كما أصطدم باللوبيات المعادية للجزائر بعد توليه للرئاسة.
لكن لا تعبر تصريحات ماكرون الأخيرة عن إيمان بفكر يميني متطرف، فهي مرتبطة بشكل كبير بالرئاسيات الفرنسية القادمة، فأراد تجاوز اليمين المتطرف في عدائه للمهاجرين وللجزائر كإصطياد منه في الوعاء الإنتخابي لليمين المتطرف كأبناء الأقدام السوداء والحركى، كما يمكن أن يقرأها البعض بأنها محاولة منه لمنع هذا اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة، مما سيهدد الأمن والسلم في المتوسط، لكن نعتقد ان هذا غير مرتبط فقط بالرئاسيات، بل يشبه تعبير اليائس الذي وجد سدا منيعا له في الجزائر، فماكرون والنظام الفرنسي يريد دائما الإبقاء على مصالحه في الجزائر، فهو يريدها مجرد سوق لسلعها ولإستثماراتها ولإنقاذ إقتصادها من مختلف الأزمات التي تقع فيها فرنسا، والتي تفاقمت مع ظهور وباء كوفيد19، لكن لم يجد كل ذلك اليوم، فهو جد قلق من توجه الجزائر إلى إقتصاد منتج بالإستثمار في القطاعات المنتجة وتقليص الإستيراد وتنويع علاقاتها مع عدة دول عالمية، ومنها الصين الشعبية، إضافة إلى رفض الجزائر المناورات الفرنسية في الساحل وليبيا التي تستهدف تحويل جيوش المنطقة إلى أدوات في يدها لبسط نفوذها، فعرقلت كل المقاربات الجزائرية في الساحل التي ترفض التدخل الأجنبي، فكل الحذر من فرنسا التي تكون قد دخلت في مخطط لإضعاف الجزائر منذ سنوات إلى جانب كل من المخزن المغربي والكيان الصهيوني، والذي بدأ بجعل حدودنا ملتهبة أمنيا وإشعال حرب إلكترونية لضرب الجزائريين بعضهم ببعض بواسطة مواقع التواصل الإجتماعي بهدف تفجير الجزائر داخليا.
ففرنسا ماكرون قد دخلت في المخطط الذي يستهدف الجزائر ووحدتها إلى جانب كل من المخزن المغربي والكيان الصهيوني، فكل ما قام به ماكرون يدخل في محاولات لإضعاف الجزائر بأشكال متعددة، فهو مثلا عندما ينفي وجود الأمة الجزائرية، فهو يكرر نفس كلام فرحات مهني الذي يقول بأن الجزائر صناعة فرنسية، وهو نفس مايردده تقريبا بعض النخب المخزنية في المغرب الذين يروجون بأن الجزائر لم تكن لها تقاليد دولة، وكانت دائما تابعة لدول من إنشاء مغاربة، وهو مايكذبه التاريخ، فالمغرب له مشروع توسعي في المنطقة منذ أن طرح علال الفاسي مشروع ما يسميه "إستعادة الحدود التاريخية للمغرب"، ووضع خريطة لحدود المغرب الأقصى تمتد من جنوب الغرب الجزائري إلأى ميناء سانت لوي في السنيغال، فحتى تسمية المغرب قد وضعت لتحقيق هذا الهدف وكتحضير نفسي لذلك، وأن المغرب هي كل هذه المنطقة المغاربية كلها، لأن التسمية الحقيقية للمغرب الأقصى هي المملكة المراكشية، فالمطلوب اليوم من كل أبناء المنطقة المغاربية والساحل أن تواجه هذا المشروع التوسعي لأنه يهدد السلم وألأمن وافستقرار في المنطقة، كما أن الجزائر بحاجة ماسة اليوم إلى جبهة وطنية تضم الجميع سواء السلطة أو المعارضة لإحباط كل هذه المناورات التي تحاك ضدها من عدة أطراف ومنها فرنسا والمغرب والكيان الصهيوني، فالجزائر اليوم تواجه خطرا كبيرا يهدد أمنها الإستراتيجي، لكنه أخطر بكثير من المخطط الذي صاغة جيسكار ديستان مع المغرب الأقصى وقوى كبرى أخرى في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
ان السؤال المطروح اليوم هو: هل وصلت العلاقة بين الجزائر وفرنسا اليوم إلى حد القطيعة، خاصة في ملف الذاكرة الذي أخذ في البداية خطوات إيجابية؟
فلنذكر مرة أخرى أنه عندما جاء ماكرون إلى السلطة أبدى رغبة كبيرة في طي ملف الذاكرة، وقد بدأ ذلك بتجريمه الإستعمار، وهو مرشح للرئاسيات، وصرح عدة مرات بأنه برغماتي، ومن جيل الشباب لاعلاقة له لا بالثورة التحريرية ولا بالاستعمار، لكن وجد لوبيات عرقلته في تحقيق تقدم في ملف الذاكرة، وقد سايره الرئيس الجزائري تبون في ذلك، وتفهمه كما يظهر في العديد من تصريحاته، فتبون كان يعتقد أن ماكرون سيتنازل لصالح الجزائر في ملف الذاكرة، وممكن أن تصل تنازلاته إلى درجة تجريم رسمي للاستعمار بعد ما يتخلص ماكرون من اللوبيات المعرقلة لذلك، الا أنه علينا أن نفهم ان ملف الذاكرة قد ربطه ماكرون بتحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية لصالح فرنسا في الجزائر، لكن يبدو لنا أن هذه المصالح قد أضرت بها السلطة في الجزائر مؤخرا، وهو أحد العوامل المفسرة لتصريحاته الأخيرة وتراجعاته حول الذاكرة، لكن هذا ليس معناه دفن مشروع ملف الذاكرة، فممكن جدا أن تحدث تحولات في حالة وصوله الي الرئاسة لعهدة ثانية لأن ماكرون ليس من اليمين المتطرف، بل يمكن له أن يقنع الكثير فيما بعد بأن تصريحاته تابعة من محاولة منه لإضعاف الوعاء الانتخابي لليمين المتطرف والاصطياد فيه كي يصل إلى الرئاسة مرة ثانية، أي ان تصريحاته تدخل في إطار موقف تكتيكي، وليس استراتيجي، فمن المحتمل أن يحيى مشروعه القديم لطي ملف الذاكرة مع الجزائر وتقديم تنازلات معتبرة إن فاز بالرئاسة لعهدة ثانية، لكن كل ذلك مرتبط بما وضحناه آنفا، وهو الحصول على امتيازات إقتصادية واستراتيجية لفرنسا في الجزائر مقابل تنازلات منه في ملف الذاكرة، وأعتقد أنه هنا كله يكمن بيت القصيد، وهو ما يفرض على الجزائر القيام بحسابات دقيقة بين المسألتين، فهل ستقبل الحصول على مكاسب في ملف الذاكرة مقابل تنازلات اقتصادية واستراتيجية ممكن ان تضر كثيرا بمصالح الجزائر مستقبلا، وتربطها أكثر بفرنسا اقتصاديا وإستراتيجيا، أي تحقق فرنسا بذلك نفس هدفها الاستعماري القديم المتمثل في احتكارها السوق الجزائرية وموادها الأولية ومحروقاتها وغيرها من الأهداف الأخري؟ نعتقد ان الامور معقدة، وتتطلب حسابات دقيقة جدا وتجنب الشعبوية في هذه الأمور لان عامة الشعب لا تفهم الرهانات، وتتبع عواطفها التي تفسد، وتجهض في الكثير من الأحيان سياسات الدول وإستراتيجياتها، وهو ما من شأنه الأضرار بالجزائر ومستقبلها، وقد قالها ماكرون عدة مرات أن ما يهمه هو الملموس، وليس الرمزيات الذي هو مستعد للتضحية بها، ففي هذه الأقوال نفهم العديد من الأمور.