تعطيل العقل العربيّ


حسن مدن
2021 / 9 / 25 - 14:03     

الذكاء معطى اجتماعي – تربوي في المقام الأول قبل أن يكون أمراً وراثياً أو معطى بالفطرة. صحيح أن قدرات الناس الذهنية متفاوتة، ولكن حتى لو كانت هذه القدرة الذهنية عالية عند بعضهم بالفطرة، فإنها إن لم تجد الحاضنة الاجتماعية – التربوية، التي تبدأ من محيط العائلة الصغيرة لتشمل المدرسة والجامعة والمحيط الاجتماعي عامة، فإنها عرضة للتآكل والتلاشي، أو التحوّل إلى طاقة شريرة تتغذى على الجهل والتعصب.

وبالمقابل، فإن الأمر يكون مختلفاً حتى لدى من قدراتهم الذهنية أقل، فإن توفرت لهم البيئة الحاضنة الخصبة، المتفتحة والمتسامحة، فإنهم قابلون لتطوير هذه القدرات وبلوغ مراتب أعلى في حياتهم اللاحقة على الصعد التعليمية والمهنية والاجتماعية.

ذكر يوسف إدريس واقعة عاشها بصفته طبيباً وليس قاصاً، حين أشار إلى أن اختبارات للذكاء أجريت بمستشفى «هامر سميث» لطفل عربي يفحص من إصابة، فلاحظ الطبيب أن نسبة درجاته أعلى بكثير من المعتاد في هذه السن، حتى إن إدريس ظنّ أن هذا الطفل مشروع نابغة، لكن الطبيب خيب أمله حين قال له إن أطفالكم يظلون كذلك إلى حوالي الخامسة ثم تبدأ نسبة ذكائهم في الهبوط، بينما تأخذ نسبة أقرانهم الإنجليز أو غيرهم في الارتفاع بحيث يتفوقون عليهم بمراحل.

قدّم يوسف إدريس معطيات فحواها أنّ الذكاء الآسيوي، ويقصد به ذكاء شعوب الشرق الأقصى، هو ذكاء متوسط، ولكن الأفراد هناك ينشأون في مجتمعات ذكية تتيح لأذكياء كثر أن يعملوا معاً، ما ينشأ عنه التعاون الذكائي الكامل، الذي يصنع أية حضارة أو صناعة أو حتى فن، وبالتالي يصنع الإنسان ويدربه ليكون أذكى.
سلامة موسى تحدث بدوره عما أسماه «الخوف من الذكاء»، فمع أن دنيانا تحفل بالذكاء لكنها تفتقر إلى الشجاعة اللازمة للتطور، وغياب هذه الشجاعة هو الذي يحول بيننا وحرية الذهن والابتكار والتقدّم. ولو قارنا بين طفلين أحدهما رُبي على الخوف، فيما توفرت للآخر حوافز التشجيع سنجد الفرق واضحاً في شخصيتيهما عندما يكبران.

لو وسعنا دائرة النظر لنرى تجليات الخوف من الذكاء مجتمعياً وسياسياً، فلن نجد ما نستشهد به أفضل من مقابلة تلفزية مع القائد الوطني التونسي شكري بلعيد، أجريت قبل سنة من اغتياله، تناول فيها هذه المسألة بالذات، وهو يتحدث عن الوضع في بلاده تونس، وفيها رأى أن من أتوا إلى السلطة بعد حكم زين العابدين بن علي يشتركون معه في أمر أساسي هو عداؤهم لما وصفه ب«الذكاء التونسي»، وتفضيلهم للتسطيح وتعميم الجهل. وما تونس إلا مثال لحالات أخرى كثيرة.

نشير هنا إلى تقسيم أقامه الفيلسوف الألماني شبنجلر (1880 – 1936) حول ما وصفه هو بثلاثة أنواع من الروح، هي على التوالي: الأبولونية ويعني بها اليونانية القديمة، والفاوستية، أي الروح الأوروبية، وأخيراً: السحرية التى قصد بها الروح العربية.

لم تكن غاية شبنجلر من هذا التقسيم إقامة مفاضلة بين الأنواع الثلاثة من الروح، وإنما إبراز ما بينها من فوارق، ليستخلص من ذلك استنتاجات تعين على معرفة التنوع القائم في الثقافات والحضارات، وهو تنوع مفيد ومثرٍ، ويجب السعي لأن نجعل منه كذلك دوماً، لا أن يتحول إلى عامل لزرع الكراهية والنزاعات بين الأقوام.
إلى هذا التقسيم عاد الأديب العربي الراحل جبرا إبراهيم جبرا في حديث له لمجلة «التبيين» الجزائرية قبل نحو ربع قرن، ليفيدنا بأن بعض أهل الفكر من العرب، وهم يتحدثون عن العقل العربي، لم يروا هذا الجانب في الأمر، وإنما جنحوا إلى وصف هذا العقل بالصوتي والتقليدي وغير التركيبي أو التحليلي، من دون أن يبحثوا ملياً في الظروف المحيطة بنشاط أصحابه.

مرة أخرى، فالخلل ليس في أن نسبة ذكاء العقل العربي كمعطى فطري أقلّ من بقية عقول خلق الله، وهذا ما نقله يوسف إدريس عن الطبيب البريطاني الذي أجرى تحليلاً لنسبة ذكاء طفل عربي، وإنما لأن الظروف التي نعيشها هي التي تعطل قدرات هذا العقل.

وفي الحوار المشار إليه مع جبرا لاحظ أن التحولات التاريخية التي مرت بالعالم العربي زعزعته وعزلته، ومنعت عنه القدرة على اللحاق والمتابعة، ويرى جبرا أن سقوط بغداد بأيدي المغول في القرن الثالث عشر بداية عصر الأفول الذي استمر إلى أواخر القرن التاسع عشر، وأصابنا بضمور عقلي جعلنا غير قادرين على متابعة القضايا الفكرية.

وفي التفاصيل أشار جبرا إلى أن الأميّة نخرت في الجسم العربي نحو ثمانية قرون، فكيف يمكن لعقل لا يقرأ أن يكون فاعلاً ومفكراً؟ وعندما وصلنا إلى العصر الحديث كان معظمنا أميين أبجدياً، أو أميين موقفاً، وحاولنا أن نأخذ بتقدم الغرب التكنولوجي قبل أن نستعيد قدرتنا على استعمال الكلمة على النحو الصحيح.

العقل لا يموت أبداً. هذا ما يخلص إليه جبرا، وكل من ذهب مذهبه من أهل المعرفة، لكن هذا العقل بحاجة لتفعيل وإيقاظه من سباته، وهؤلاء جميعاً لا ينطلقون من فراغ، ولا يقولون كلاماً مرسلاً، لأن العقل العربي المعطل اليوم هو نفسه الذي أوجد قروناً من الازدهار العمراني والفكري والحضاري في جزء كبير من العالم.