أعرف دينك يا .... حمار


عباس علي العلي
2021 / 9 / 13 - 17:03     

أعرف دينك يا......حمار
لم نجد من ينافس الحمار في الأدب التأريخي وحتى الديني حيوان أخر وقد تربع بالرغم مما يقال عنه أو قيل عنه على منصة ذاكرة الإنسان المعرفية، فمن الدين للقصص التاريخية للأمثال والحكايات الشعبية نجده حاضرا بقوة أكثر من حضوره الفعلي في الوجود الطبيعي له، فهو واحدا من أبطال الذاكرة البشرية منذ أن خلق الله آدم ومحنة أبنائه هابيل وقابيل فقد ورد في بعض الروايات التأريخية أن الحيوانات كانت تتكلم بلسان مبين قبل ذلك، ولما فعل قابيل فعلته النكراء قام الحمار بإخبار أدم بما رأى وصمت صمت أهل القبور من يومها، سوى أنه يجعر منزعجا كلما تذكر المشهد الدامي ذاك، مرورا بقصة الحمار الاخر الذي كان يمتطيه عيسى النبي في تنقلاته وترك أثر حافره على الأرض ليكون مزار تبريك وتشريف وتعظيم، حتى أن البعض منهم يود لو كان مثله مثل هذا الحافر أو ينتسب له أو ربما يتمنى أن يكون من سلالة التعظيم تلك، إلى السيد يعفور الحمار الذي يظن البعض أنه من سلالة نقية لا تصلح لحمد أحد إلا بمن كان من منزلة نبي أو رسول.
ويبقى حمار جحا بطلا وعملاقا تأريخيا يمثل ذكاء متميز لا يوصف عادة للحمير، فقد جاء جار لجحا يطلب منه أستعارته لقضاء حاجة له، أعتذر السيد جحا بأن حماره قد ذهب لزيارة أقارب له في مدينة أخرى وعندما يعود سينظر في الأمر، في لحظتها نهق الحمار بكل قوة ليخبر الجار الزائر أن صاحبه يكذب وأنه محبوس ومعاقب في الدار وقد ضجر من ذلك، فما كان من الجار إلا أن يعاتب جحا على كذبته تلك وها هو صوت الحمار في الداخل، فأنبرى جحا محتجا ومعاتبا جاره ( أتكذبني وتصدق الحمار؟)، لو كنت في مكان الجار لقلت نعم اصدق الحمار لأن التاريخ والواقع لم يخبرنا أن خمارا قد كذب يوما، ولكن كل ما لدينا يؤكد بالغالب أن الإنسان أكثر كذبا من الكذب نفسه..... وإلا لم يأمر الله الناس أن يكونوا صادقين ولم يخاطب غيرهم بذلك... المهم.
البعض يتندر بقصص الحمير والبعض يجعل منه سبة ومسبة عندما ينزعج أو يتبرم من أمر أو حدث، فيقول لصاحبه أو خصمه .... يا حمار... أو ينعته بالغباء ويلعن الحمير كلهم، لو عدنا للأمر ليس ذنب الحمار أن يلعن بلا سبب ودون أن يقترف ذنب أو خطيئة، الحمار الحقيقي لا يعتدي على أحد بل لا يمكن أن يكون أبا لإنسان أو مثيلا له لأنه لا يفعل ما نفعله نحن، وكان الإنسان ظلوما جهولا ولم يكن الحمار أكثر من حيوان كره البشر صوته حينما يستكره لأنه مزعج له، ولكن لا يستنكر ما تقترف يديه من جرائم وخطايا تبدأ من الدم وتنهي بكل ما هو مصان بشرع الله، هذا الأمر أفسره بأن البعير لا يرى حدبته بنفسه ولكنه يرى ما عنده أخيه ويظن أنه خال منها...
نعود لتاريخ الحمار وأبناء عمومته الحصان والبغل الذي سخرتهم الطبيعة وجعلهم الله للناس ألة تحملهم وأثقالهم إلى بلد أو لمكان (لتركبوها)، والركوب قد يعني في لغة الأستعمال الصعود على ظهر الحيوان ليتحمل الأخير المشقة فيما يكون الراكب بعيدا عنها، صحيح أن الركوب يحتاج لفن ومهارة وأحيانا تدريب وترويض ولكن في النهاية كل ذي ظهر منهم مركوب شاء أم أبى أما لقوة الظهر أو لسرعة الأرجل أو لقوة التحمل، يقال أيضا أن الحمار صابر وأبو صابر وجلد ولا ينزعج من وظيفته لأنه يعلم أنه كذلك، فهو يقدم الخدمة بكل ممنونية ويصبر على الجوع والتعب، لذلك بادر بعض البشر ليجعلوه شعارا لهم وحزبا من أحزابه ليضرب بهم المثل على التحمل وخدمة الناس والصبر على تحمل الوظيفة، فالحمار ليس كائنا بلا معنى وليس زيادة على الفرض فهو جزء من وجود متكامل لا ينبغي لأحد أن يهينه أو ينتقص من وجوده لأن ذلك يعني الأنتقاص ممن خلقه وجعله هكذا...فعندما يقوم رجل دين بزجر إنسان بسيط لأنهلا يعرف أو لا يدرك ما مطلوب منه بقوله (أعرف دينك يا حمار)، أظن أن هذا المعني بالكلام هو من لا يعرف دينه لأن الله قال (وكل قد علم صلاته وتسبيحه) إلا البشر يحتاج لمن يذكره ويحثه ويعلمه الصلاة والتسبيح ومع كل ما بذل الله لهم من وسائل تجد اكثرهم لا يفقهون.... الحمار يفقه صلاته كما يعرف تسبيحه ولا يتهم أحد بالكفر لأنه نسي أو عصى أمرا مجبولا عليه، ولم يسل سيفا ولا شرع بحرب أحد من أجل الدين.
من الموروث الشعبي أيضا حمار أم عمرو الذي ذهب بصاحبته فلم تعود ولم يعود ولا يعرف إلى أين مضى ؟ هل وصل الغاية التي تريدها أم عمرو أن ضاع في الطريق؟ وأيضا حكاية السلطان الذي ركب أتان من الطريق وصعد بها للسماء بانتظار عودته الألاف من المؤمنين، والحقيقة هذه الأتان وهي الحمارة زوجة وأبنة الحمار لا بد أنها من صنف أخر من الحمير التي لا وجود لها بين صنف الحيوانات وانها مخلوق سوبر خارق حارق كالنجم الطارق.... شخصيا انا علاقتي مع الحمار علاقة غير وديه ولا يعني أني أكره هذا المخلوق الوديع .. لكني لم أنجح أن اتقرب منه يوما ولم أفلح في امتطاؤه لذلك لا أعرف عنه شيئا سوى ما الاحظ أو أقرأ عنه، ويبقى سيد حمار الذي هو بطلا لأحدى أعمالي السردية رفيق بني الإنسان حتى في عصر التكنلوجيا فائقة التطور، فما زال حليب وأجبان الحمير هي الأغلى عالميا بين قريناتها في الأسواق، وما زال الحمار هو الطعام المفضل للحيوانات المفترسة في حدائق الحيوان في كل مكان، حتى أنبعض الناس صار يذبحه ليقدمه على أنه لحم عراقي حلال مئة بالمئة، الغريب أيضا أن لحم الحمار له ميزة عن سائر اللحوم أنه مر المذاق.... نعم لحم الحمار مر ومر جدا وأكثرهم لا يعلمون.... أنهم شبهوا أنفسهم بلا داع للتشبيه.