10 سنوات على رحيل الجهيمان .. سادن الأساطير والأمثال


نجيب الخنيزي
2021 / 6 / 30 - 14:18     



في مطلع ديسمبر 2011 غيب الموت الذي لا مفر منه أحد رواد التنوير في بلادنا، الشخصية الوطنية البارزة الشيخ عبد الكريم الجهيمان (أبو سهيل) عن عمر ناهز المائة عام إثر عارض صحي لم يمهله طويلا.
العمر المديد والتاريخ الحافل بالعطاء لفقيدنا الراحل في شتى الميادين الأدبية والصحافية والتعليمية وفي مجال العمل الوطني والإصلاحي هو جزء ومكون رئيس في الذاكرة الوطنية، يتعين العمل على تظهيرها وتوثيقها والاحتفاء بها، على غرار كل المجتمعات الحية التي تحتفي برموزها الفكرية والأدبية والوطنية.
تعود معرفتي للجهيمان إلى عام 1964 حين كنت في سن الحادية عشرة من العمر حيث شاءت الظروف أن جمعته مع أخي الأكبر المهندس زكي الخنيزي في معتقل واحد في قضية سياسية معروفة تتعلق بتنظيم يساري .
كنت مع بعض أفراد العائلة نذهب إلى المعتقل صباح كل يوم جمعة لزيارة أقاربنا، وكنا نعتبرها نوعا من التسلية والترفيه حيث نمكث طيلة النهار ونتناول طعام الغداء الذي يعد من قبل المحتجزين.
كان المعتقل (بخلاف السجن) آنذاك هو عبارة عن عمارتين مكونة من دورين وكل دور يوجد فيه شقتان، وكل شقة تتكون من ثلاث غرف وصالة. وقد ضمت إحدى الشقق إلى جانب الشيخ الجهيمان وأخي زكي، الأستاذ الكبير عابد خزندار وآخرين.
إثر انتهاء فترة التحقيق تم نقلهم إلى هذا المعتقل ، حيث كان مسموحا لهم بقراءة الصحف واقتناء الكتب وسماع الراديو ولعب الورق بل والكتابة.
لاتزال راسخة في ذاكرتي شخصية الجهيمان الإنسان، وما يتسم به من لطف وتواضع وألفة مع الصغار قبل الكبار رغم طبيعة الوضع النفسي وظروف المكان. كانت أختي الصغرى سهام (في السادسة من العمر آنذاك) تجد سعادتها في أن تمتطي ظهره وهو يدور بها بكل حبور وتواضع في أرجاء الصالة الصغيرة.
بعد مرور عام ونصف على الاعتقال تم الإفراج عن عدد من الموقوفين من بينهم أخي زكي وعبد الكريم الجهيمان وعابد خزندار، في حين صدرت أحكام سجن متفاوتة على الآخرين، تراوحت ما بين 3 و15 عام ، ومن ثم تم نقلهم إلى السجن العام لقضاء محكوميتهم.
ومضت الأيام والسنين حيث أعدت اكتشاف شخصية الجهيمان كرائد تنويري ووطني بارز، عابرا للهويات الفرعية. فقد أسس في عام 1952أول جريدة (أخبار الظهران) في المنطقة الشرقية والتي استمرت قرابة العامين واشتهرت بإثارتها لبعض القضايا الساخنة وغير المألوفة آنذاك مثل لدفاع عن مصالح العمال ونقد عمل بعض الوزارات الخدمية ، ورفض التفرقة الطائفية ، وقد أدى نشر الجريدة لمقال يدعو فيها الكاتب ( تحت أسم مستعار تبين فيما بعد أنه السيد علي العوامي رفيقه في المعتقل في عام 1964) إلى تعليم المرأة إلى اعتقال الجهيمان لمدة 21 يوما ، وقد تم إغلاق الجريدة فيما بعد، ومما جاء في ذلك المقال " ومع ذلك فإننا لا نزال نرى الكثيرين من مواطنينا يتهيبون من تعليم بناتهم ويذهبون في تهيبهم هذا إلى ما هو أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة ويتركون بناتهم أشبه ما تكون بالببغاء التي تحكي ما تلقت فإذا خرجت بها قليلاً عما لقنت وجدتها كالعجماوات الأخرى اللاتي لديهن شيئاً من الذكاء الفطري إلاّ أنه ينقصه التوجيه العلمي والصقل الفكري. ونحن لا ندري لماذا يتخوفون.. ولماذا يتوهمون وهم يرون بأم أعينهم أن الجهل، لا يعصم من المزالق.. وأن العلم والمعرفة لا تنحدر بصاحبها بقدر ما ينحدر به الجهل.. ونظرة خاطفة إلى ما حولنا أو مقارنة سريعة تظهر لنا هذه الحقيقة واضحة جلية لا غبار عليها"
ألف فقيدنا الراحل العديد من الكتب نذكر منها "دخان ولهب" الذي تضمن مقالاته في جريدة أخبار الظهران و " آراء فرد من الشعب" وتضمن مقالاته في جريدة القصيم و " اين الطريق " التي جمع فيها مقالاته في صحيفة اليمامة ، وتطرق فيها الجهيمان إلى قضايا إصلاحية ووطنية وقومية ، كما كان بحق سادن الأساطير والأمثال وفقا للصديق محمد القشعمي فكتابه (أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب) يقع في خمسة أجزاء وكتاب (الأمثال الشعبية في قلب الجزيرة العربية) ويقع في عشرة مجلدات وضمت أكثر من تسعة آلاف مثل.
تلك الأساطير والأمثال تمثل بحق تجليات للوعي الاجتماعي السائد بأحلامه وأوهامه حيث يتداخل الواقع مع المتخيل ، الإحباط مع الأمل ، و يشير الجهيمان في هذا الصدد " ان الكتابين اعتبرهما كنزين ثمينين لمن أراد الرجوع اليهما لكي يعرف ملامح من تاريخنا الماضي من حياة اجتماعية وسياسية أو اقتصادية " كما يذكر " " اما الاساطير والامثال فأنها في نظري ادق من التاريخ المكتوب في رسم الحياة الاجتماعية ، فلكي تعرف على تاريخ بلد ما ، ولكي تكون عنه صورة وافية فلن تجد ادق وأصدق من الامثال التي هي زبدة تجارب ذلك المجتمع ولا أقرب إلى الصدق من الأساطير التي هي فضاء خياله الرحب وأفق تطلعاته " .
يمكن القول هنا ان الأسطورة هي حكاية شعبية شفاهية وقد تكون مكتوبة في حالات اخرى ، وتستمد مكوناتها أما من أحداث أو شخصيات واقعية يجري تضخيمها وتحويرها عبر المخيال الشعبي ، أو حكايات من نسج الخيال الفردي أو الجمعي، ونشير هنا إلى بعض الأساطير المشهورة كأسطورة العنقاء وأسطورة الزير سالم وأسطورة عنترة بن شداد وأساطير ألف ليلة وليلة ، كما نذكر ملحمة جلجامش وأسطورة أدونيس وأسطورة الخلق والطوفان السومرية ، وأساطير الآلهة البابلية و اليونانية والمصرية والصينية والهندوسية والرومانية القديمة ، وهناك أسطورة الملك أرثر وفرسان الدائرة المستديرة المشهورة لدى البريطانيين ، ومع ان الحضارات والشعوب كافة لها أساطيرها الخاصة بها غير انها تشترك في خاصة مشتركة كونها مستودعا للقيم والمثل والوعي الجمعي كالبطولة والتضحية والكرم والحرية وبكلمة انها تعكس بشكل أو بآخرذلك الصراع الأزلي بين الخير والشر.
كما ينسب للجهيمان الفضل في تأسيس مكتبة الطفل في الجزيرة العربية، وقد كرم الجهيمان من قبل الدولة حيث تم اختياره الشخصية الأدبية المكرمة خلال المهرجان الوطني للتراث والثقافة السادس عشر لعام 1421هجري2001 ميلادي.
التقيت الفقيد الراحل في عدة مناسبات اجتماعية ووطنية كما زارني في منزلي وزرته في منزله وذلك بمعية الصديق المشترك الأستاذ محمد القشعمي. وقد تسنى لي تقديم واجب العزاء لأسرة الراحل الكبير في منزله بالرياض بمعية عدد من مثقفي المنطقة الشرقية.
الفقيد الراحل كان وسيظل أحد أعمدة التنوير والانفتاح والتسامح والتعددية في بلادنا