محسن الشيخ راضي لم يكن صادقا في مذكراته


فاضل عباس البدراوي
2021 / 6 / 21 - 22:24     

الجزء الأول
بعد أن أكملت قراءة مذكرات القيادي السابق في حزب البعث محسن الشيخ راضي، خرجت بأنطباع مفاده بأنها تفتقد إلى الصدقية، محشوَة بكثير من المغالطات والادعاءت البعيدة عن الحقيقة وتزييف للحقائق التاريخية وتزوير فاضح للوقائع. انطلاقا من واجبي الوطني والمبدأي وتبيانا للحقائق التاريخية لمرحلة حساسة من تاريخ العراق السياسي الحديث، وجدت نفسي ملزما بالرد على معظم ما جاء في تلك المذكرات، حيث انني أبن تلك المرحلة، أحمد الله الذي مدّ في عمري لحد الان لأكون شاهدا على احداثها، لقد أصبحت عضوا في الحزب الشيوعي العراقي منذ اواسط عام ١٩٥٦ بالرغم من صغر سني، ثم أصبحت بعد الثورة بثلاثة أعوام كادرا عماليا وسطيا فيه حتى انقلاب شباط الأسود. سوف أتناول المواضيع التي جاءت في متون هذه المذكرات بكل أمانة وصدق دونما انحياز سوى للحقيقة. ليطمئن الشيخ راضي أنني لست شيوعيا مأزوما كما وصف بعض الشيوعيين الذين يحملونه ومجموعته القيادية في حزب البعث، مسؤولية الجرائم والانتهاكات التي اقترفوها بحق الشيوعيين وسائر الديمقراطيين وانصار الزعيم بعد انقلاب شباط الأسود، التي كانت تتنافى مع أبسط القيم الأخلاقية والانسانية، اذ يعتقد بأنه كان على هؤلاء الشيوعيين (المأزومين) السكوت وعدم الكشف عن تلك الجرائم التي لا تسقط الحقوق المعنوية والقانونية لضحاياها بتقادم الزمن. أقول لمحسن اطمئن أنني خارج تنظيم الحزب الشيوعي العراقي بارادتي الشخصية منذ زمن بعيد لكنني ما زلت ديمقراطيا يساريا مستقلا، لكن هذا لا يمنعني من كشف الأحداث والوقائع التي جرت بعد ثورة ١٤ تموز حتى يوم اغتيالها في ٨ شباط الاسود وما بعدها، على يد البعث الفاشي وحلفائه من الرجعيين والناصريين بدعم من مخابرات الدول الإمبريالية والأنظمة الرجعية مثلما أكدها هو من خلال سرده للأحداث التي وقعت في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ العراق الحديث، إضافة للهوامش التي دونها معد ومحرر مذكراته الدكتور طارق العقيلي التي تضمنت بالاسماء والتواريخ علاقات قادة البعث بدوائر المخابرات الاجنبية وعملائها من الانظمة الرجعية في المنطقة فهذا الاتهام ليس مني.
في صبيحة يوم 14 تموز من عام 1958 وقع حدث تاريخي كبير في العراق، أحدث انعطافة في مسار نظام الحكم فيه، عندما اعلنت الثورة وتمت الاطاحة بالنظام الملكي السعيدي، واذيع بيانها الاول الذي جاء في ديباجته، تحرير العراق من هيمنة الاستعمار واحلافه العدوانية وتشكلت حكومة وطنية من شخصيات وطنية معروفة.
اول طرف سياسي من اطراف جبهة الاتحاد الوطني خرق ميثاق الجبهة التي تشكلت من أحزاب، الشيوعي والبعث والوطني الديمقراطي والاستقلال في اذار من عام 1957، كان ذلك الطرف هو حزب البعث عندما أعاق عقد أي اجتماع للجنة العليا للجبهة بعد الثورة وافشل مساعي الحزبان الشيوعي والوطني الديمقراطي بضرورة عقدها الا ان اجابة البعث كانت بانتفاء الحاجة للجبهة بعد سقوط النظام وقيام الجمهورية بينما كان من الضروري جدا استمرار الجبهة وقيامها برسم سياسة جديدة على ضوء مستجدات الوضع السياسي الجديد في العراق بعد قيام النظام الجمهوري وتحديد مهام حكومة الثورة ووضع أسس انتقال السلطة لنظام مدني ديمقراطي برلماني، الا ان كل تلك المحاولات التي بذلت كانت تجابه بالصدود من جانب البعث، اكثر من ذلك قفز البعث على بنود ميثاق الجبهة عندما رفع شعار الوحدة الفورية مع العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر، لقد نظم البعثيون والقوميون عدة تضاهرات في بغداد ومدن اخرى رافعين فيها صور عبد الناصر مطالبين بالوحدة الفورية مع العربية المتحدة، تلك الشعارات الذي لم ترد في بنود ميثاق الجبهة. لو كان البعثيون وحلفائهم يحترمون ارادة الشعب لاحتكموا الى ارادته ذلك بالمطالبة باجراء استفتاء شعبي حر ونزيه لاخذ رأيه بتحديد موقفه من دعوتهم تلك، الا انهم كانوا يعلمون علم اليقين ان الغالبية العظمى من ابناء الشعب العراقي لم يكونوا مستعدين لاذابة عراقهم الذي يمتد تاريخه وحضاراته الى عمق التاريخ، وسوف لا يوافقون على ابتلاع العراق من قبل عبد الناصر ونظامه الدكتاتوري، بعد ان تحولت الوحدة بين مصر وسوريا الى شبه استعمار مصري لسوريا سرعان ما فشلت تلك الوحدة وعادت سوريا الى دولة مستقلة.
بعد ان يأس البعث من تحقيق احلامه في الانفراد بالحكم تحت يافطة الوحدة العربية ولم تجد لدعوته تلك صدى واسعا من لدن جماهير واسعة من ابناء الشعب ومن بقية القوى الوطنية اضافة لقائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم، لجأ الى اسلوب حياكة المؤامرات على الجمهورية الوليدة وقام بوضع الكوابح في طريق تقدمها وتطورها نحو اقامة حكم مدني ديمقاطي في البلاد.
يدّعي الشيخ راضي بأن البعثيين والقوميين تعرضوا الى اضطهاد وقمع على يد الشيوعيين في فترة يسميها بالمد الشيوعي التي لم تدم سوى ثلاثة أشهر فقط، من شهر اذار حتى نهاية شهر مايس من عام 1959، ويدعي انه جرت عمليات قتل وسحل في بغداد في تلك الفترة على يد الشيوعيين، لست الان بمعرض الدفاع عن الشيوعيين لكنني أقول لمحسن لماذا لم تذكر أسما واحدا من هؤلاء الذين تزعم انهم قتلوا وسحلوا من قبل الشيوعيين وأنت تتمتع لحد الان بذاكرة جيدة؟ سأورد الان بالاسماء والتواريخ والاماكن التي تظهر من هي الجهات التي بدأت بالاغتيالات والسحل والتهجير على الهوية السياسية، لكنني لا أنكر حدوث تجاوزات من قبل بعض الشيوعيين الشباب في الوسط الطلابي حصرا الذين كانوا من حديثي العهد في العمل السياسي، لم تتجاوز تلك ألاعتداءات أكثر من الضرب باليد واحيانا المساهمة في اعتقال بعض الطلبة البعثيين والقوميين وتسليمهم الى مراكز الشرطة وليس الى أقبية التعذيب كما كان يفعل رفاق محسن، بالرغم من ذلك كانت تلك الممارسات أمرا خاطئا ومدانا كان يجب ان لا تقع خصوصا بأن حزبهم لم يكن يقود السلطة ولا حتى مشاركا فيها، وترك مسألة الدفاع عن النظام الوطني للحكومة واجهزتها العسكرية والامنية، ألا ان الشيخ راضي يعظم هذه الممارسات غير الممنهجة للتغطية على جرائم عصابات البعث واعوان عبد الناصر والرجعيين بحق الشيوعيين والديمقراطيين. أقولها بكل صدق وأمانة، بعدم وجود أي تعميم صدر عن قيادة الحزب الشيوعي في تلك الفترة تتضمن توجيهات او تعليمات شفوية كانت أم تحريرية، تطلب فيها من رفاقه القيام بأعتداءت او مطاردات ولجم نشاطات أية جهة سياسية أكان البعث أو غيره، لقد كانت جل تلك التعليمات تتضمن توجيهات لأعضاء الحزب بمراقبة النشاطات المشبوه المعادية للنظام الوطني وأخبار الحزب عنها لرفعها الى الزعيم لأتخاذ الاجراءات الامنية والقانونية بحق القائمين بها .
اول عملية أغتيال سياسي جرت بعد الثورة حدثت على يد صدام حسين التكريتي ذلك في شهر تشرين الاول من عام 58 عندما قام بتحريض من خاله الرجعي المعروف خيرالله طلفاح بأغتيال الشخصية الديمقراطية واليسارية رئيس بلدية تكريت الحاج سعدون حمودي الناصري، ثم بدأت موجة ألأغتيالات والأعتداءات والتهجير على الهوية السياسية تتوالى ضد الشيوعيين والديمقراطيين، خصوصا بعد ان قلب الزعيم عبد الكريم ظهر المجن للشيوعيين وبدأ بمهاجمتهم تلميحا في خطاباته ابتداء من اواسط تموز من عام 1959 حتى سقوط النظام الوطني في 8 شباط من عام 63، في ذات الوقت أطلق العنان لعصابات البعث والقوميين والاخوان المسلمين حلفاء البعث، كما يذكر ذلك الشيخ راضي في مذكراته، أضافة لكل أعداء الثورة وأعدائه شخصيا، كي يمارسوا القتل والاعتداءات براحتهم، فأنطلقت المجاميع الموتورة التابعة للبعثيين والقوى الرجعبة الاخرى للقيام بحملة أغتيالات واعتداءات وتهجيرات واسعة ضد الشيوعيين واصدقائهم.
في بداية الشهر التاسع من عام 59 أغتيل عامل الصياغة المندائي عزيز سوادي في ساحة الشهداء من جانب الكرخ، ثم أغتيل الطالب الشيوعي عضو اتحاد الطلبة العام في ثانوية ألاعظمية فهر نعمان الجميلي أمام باب مدرسته، أغتيل الشخصية الديمقراطية القيادي في نقابة المعلمين مدير ثانوية النضال ممدوح الالوسي من قبل الطلبة البعثيين في وضح النهار وأمام مدرسته الكائنة في منطقة السنك، تم أغتيال المدرس الديمقراطي التدريسي في ثانوية ألاعظمية شعبان صبار الراوي وسحلت جثته من أمام مدرسته والقيت في منطقة الكسرة من قبل طلابه البعثيين، في نفس الفترة كان المحامي الشيوعي سعيد الخفاجي مارا بسيارته في منطقة سوق حمادة وسوق الجديد في الكرخ قادما من بيته في الكاظمية ذاهبا الى مكتبه في بغداد تم انزاله من سيارته من قبل نفر من عصابات البعث وقتل ومثل بجثته وسحله حتى ساحة الشهداء اضافة لتحطيم سيارته، هل يريد محسن الشيخ راضي ذكر المزيد من هذه الحقائق؟ فذاكرتي ما زالت تخزن الكثير منها.
يتبع