رزكار عقراوي والدوران في مرحلة -المكارثية-!


توما حميد
2021 / 4 / 17 - 21:58     

لقد نشر الرفيق رزكار عقراوي مقطعا هو جزء من مقال قديم حول "الأحزاب اليسارية وحق الأعضاء في التعبير العلني عن الاختلاف الفكري والسياسي" بدون اي قيد او شرط، كاي نادي ثقافي او ادبي او تجمع رياضي او غيره! وبخلاف ذلك فهو دليل "شمولية"، "قمعية" و"غير ديمقراطية عفا عليها الزمن" وقصده زمن التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي.... ونشر عدد من الردود ارتباطا بالامر. وددت ان أرد على جزء منها، رغم أنى قد رديت قبل سنين بعيدة بشكل مفصل على الموضوع في الحوار المتمدن...
عن اي يسار يتحدث؟!
بدءاً، لا يعرف احد ماذا يقصد رزكار باليسار. عليه ان يوضح ماذا يقصد من استخدام هذا المصطلح. اليسار جزء لا ينفصل ان لم يكن محور منظومته الفكرية والسياسية. لماذا لهذا المصطلح تلك المكانة "المقدسة" لدى رزكار.! ففي امريكا، يعتبرون الحزب الديمقراطي حزب يساري ارتباطاً بالجمهوري، وحزب العمال البريطاني يساري (ارتباطاً بالمحافظين) والاشتراكية الديمقراطية يسارية (مقارنة باحزاب الوسط و المحافظين و...). اليسار واليسارية لا يعنيان الشيوعي والشيوعية. هناك فرق بينهما.
إذا كان يتحدث عن مشاكل الشيوعية، فالشيوعية لا تحتاج الى ديمقرطة. اما إذا كان يتحدث عن مشكلته اليسار، فاليسار هو غير شيوعي. فعن اي مشكلة يتحدث تحديداً: عن مشكلة اليسار ام الشيوعية؟ قد يحتاج اليسار غير الشيوعي للديمقرطة. هذه قضية اليسار وهذه مسالته ولا ربط للشيوعيين بها. مصطلح اليسار مصطلح غير دقيق وواسع وفضفاض ولا صلة له بالماركسية.
الشيوعية مفعمة بالحرية فلا حاجة لها ب"الديمقراطية"!
انا اعلم ان اي كلام حول "الديمقراطية"، "الحرية" و"عدم القيود" هو امر جذاب وتطرب له الاذان، اذان اوساط المثقفين عموماً.... وينال المتحدث بها ثناءاً كبيراً...
بالنسبة لي شخصيا، هذا المقطع كان يمكن ان انظر له كألاف المسائل التي تمر علينا يوميا، ولكن وجدت من الضروري توضيح راي بخصوص فكرة هذا المقطع لأنها اثارت انتباه العشرات من الرفاق الاخرين وهي بعيده كل البعد عن تشخيص مشكلة الشيوعية.
منذ عقود والرفيق رزكار عقراوي يركز على مسالة "غياب الديمقراطية" في الأحزاب اليسارية. ليست" غياب الديمقراطية" من بين مشاكل الشيوعيين في يومنا الحاضر. انها ليست مشكلة من الاساس بالنسبة للشيوعية. انها مشكلة رزكار نفسه، مشكلة اليسار غير الشيوعي، مشكلة الديمقراطيين او اصحاب التصور الديمقراطي البرجوازي او الذين لهم تصور ديمقراطي وليس شيوعي عن ماركس. انه تصور الشيوعية البرجوازية عن ماركس.
ليس للديمقراطية مكان في منظومتنا الشيوعية. ان الديمقراطية هي نزعة برجوازية لتحجيم مفهوم الحرية. ان الحرية بالمعنى الشامل للكلمة هي جزء لاينفك عن منظومتنا الفكرية، وليس للديمقراطية اي مكان في هذه المنظومة. لا تحتاج شيوعية ماركس ومنصور حكمت الى الديمقراطية.
بنظري حتى مشكلة اليسار هي ليست غياب الديمقراطية، وانما عدم صلته بالشيوعية وبالثورة العمالية. ليست شيوعيتهم اداة للثورة العمالية من الاساس.
لا اعرف لماذ يبالغ رزكار بمكانة الديمقراطية؟ الم نر كيف داست الديمقراطية نفسها على اصوات الناخبين، وشن امثال بلير وبوش الحروب بالضد من احتجاج الاغلبية الساحقة للمجتمعات؟! وفرضوا القرارات تلو القرارات الاقتصادية والمعيشية والتقشفية المعادية للجماهير في بلدان الديمقراطية نفسها عبر الديمقراطية بالضبط؟! في امريكا مثلا النسبة المطلقة من السياسات والقوانين التي يتم تبينها تمثل مصالح ورغبات الأغنياء، بينما لا تصبح معظم القضايا التي لها دعم جماهيري واسع سياسات وقوانين.
الدوران في مرحلة المكارثية:
اريد ان اوكد ان تركيز الرفيق رزكار على غياب الديمقراطية داخل الأحزاب " اليسارية"، "وفي دربه" يلقي هذا على الشيوعية هو نابع من حقيقة ان الرفيق رزكار عقراوي لم يتجاوز دعاية البرجوازية لمرحلة الحرب الباردة وخاصة دعاية الحركة المكارثية في أمريكا.
عندما كان المواطن الأمريكي يذهب الى دائرة البريد اثناء الحرب العالمية الثانية، حين كانا حلفاء ضد المانيا النازية، كان يجد صورة كبيرة معلقة على الحائط تجمع جوزيف ستالين والعم سام، وتحمل الطوابع البريدية صورهما سوية. في غضون فترة قصيرة جدا من انتهاء الحرب، وابان هرولة كل من المنتصرين نحو مصالحه الامبريالية الخاصة، قامت أمريكا بتحويل الاتحاد السوفيتي من حليف قوي الى "امبراطورية شر".
كانت هناك عدة أسباب مهمة منها حاجة أمريكا الى خلق عدو وحشد الغرب وقيادته ضد هذا العدو في صراعهم على النفوذ. ولكن اهم سبب هو محاولة البرجوازية الامريكية مصادرة المكتسبات العظيمة التي حققتها الطبقة العاملة الامريكية. فعندما انهار الاقتصاد الرأسمالي في 1929 وبداية ما سمي بـ"الكساد العظيم"، اتجه الملايين من الأمريكيين الى الاشتراكية. لقد تشكل تحالف قوي من اتحاد النقابات العمالية الذي عرف اختصارا بـ"سي أي او" وحزبين اشتراكيين وحزب شيوعي. لقد تمكن هذا التحالف من حشد الملايين من الأمريكيين، وقاد احتجاجات ضخمة شكلت خطر على مصير مجمل النظام الرأسمالي. لقد عقد الرئيس الأمريكي في وقتها، روزفلت، اتفاقا غير مكتوب مع هذا التحالف أدى لأول مرة الى تشريع "ضمان البطالة"، "الراتب التقاعدي"، "الرعاية الصحية المجانية"، " الحد الأدنى للأجور" واستحداث بين 12 -15 مليون وظيفة والازمة في اوجها مقابل التخلي عن النضال من اجل الثورة الاشتراكية.
بانتهاء الحرب، قررت البرجوازية مصادرة تلك المكاسب. وكان لابد من تفكيك وملاحقة القوى التي فرضت تلك المكاسب على البرجوازية وممثلها، الرئيس روزفلت. فبدأت حملة، سميت بالمكارثية، على اسم السناتور "جوزيف مكارثي" الذي قادها. قامت بالبداية بملاحقة الشيوعيين، ومن ثم الاشتراكيين، وفي النهاية النقابات العمالية. لقد كانت واحدة من اسوأ حملات ملاحقة المعارضين في تاريخ البشرية بلغت حد التصفيات الجسدية والسجن والاقصاء واغتيال الشخصية ومصادرة حق التعبير. لقد كانت مسالة العداء للشيوعية والاشتراكية والأفكار الماركسية جزء أساسي من تلك الحملة. لقد وصلت الامور الى اعتبار أي شخص يحمل الآراء الماركسية كشخص "مختل عقليا"، "خائن" او "عميل"!!. لقد قامت هذه الحملة بتحويل الشيوعية والاشتراكية الى بعبع ومصدر لكل الشرور. لقد وصمت الأحزاب الاشتراكية والشيوعية بالدكتاتورية وغياب الديمقراطية عن طريق تشبيها بالنظام الستاليني، رغم ان الحزبين الاشتراكيين والحزب الشيوعي في امريكا كانت أكثر ديمقراطية من الأحزاب البرجوازية الامريكية الحاكمة بمسافات شاسعة.
لقد استمرت تلك الحملة بأشكال معينة الى حد 2008. بعد انهيار الاقتصاد الأمريكي وتلقي الرأسمالية صفقة قوية، انهارت المكارثية. لأول مرة منذ الحرب الباردة يفوق عدد الأمريكيين دون سن الثلاثين الذين يفضلون النظام الاشتراكي على الذين يفضلون النظام الرأسمالي.
ما اريد ان أقوله ان المكارثية لم تكن تحارب "دكتاتورية" و"غياب ديمقراطية حقيقية" داخل الحزبين الاشتراكيين والحزب الشيوعي في أمريكا، ولم تكن غياب الديمقراطية مشكلة، بل كانت وسيلة من اجل مصالح أخرى وهي مصالح البرجوازية الامريكية في مواجهة الطبقة العاملة الامريكية وتشويه راية الشيوعية والشيوعيين واحزابهم وقادتهم. انها كانت محاولة سلب الطبقة العاملة من رايتها ومن وسيلة تنظيمها. لقد كانت محاولة تخويف الناس من الشيوعية.
من الواضح ان الرفيق رزكار عقراوي ابتلع طعم الدعاية البرجوازية في الربط بين الاشتراكية والشيوعية وبين الدكتاتورية وغياب الديمقراطية بعد وصمها وتشبيهها بالستالينية وغيرها. ان تصويره يلقي ضلال الشك بداهة على القادة الشيوعيين، مسؤولي الاحزاب الاشتراكية مقدماً. انهم "متهمين" الى ان يثبتوا عكس ذلك في يوم ومستقبل غير معلوم، "مفتوح"، وان القمعية والاستبداد "جرثومة" موجودة دون شك، من الوارد انفجارها في اي لحظة، من أقرب الرفاق، من اشرف الناس، من اناس ناضلوا في ابشع الظروف، ودفع ملايين حياتهم ثمن لامانيهم واهدافهم! للاسف لم يعبر رزكار لحد الان منطق الحرب الباردة. انه لم يتجاوز منطق " الديمقراطية الامريكية"، ديمقراطية امثال رامسفيلد وديك تشيني وغيرهم. من مصلحة البرجوازية محاربة تحزب الشيوعية والطبقة العاملة. اثمة خدمة اكبر من هذه للبرجوازية؟! ان هذه التصورات هي معادية للشيوعية.
اللاتحزب "فضيلة"!!
ان احدى مشكلات الشيوعيين الجدية اليوم برأيي عموما هي غياب التحزب، وليست الدكتاتورية وغياب الديمقراطية. ان اللاتحزب هو افة الشيوعية اليوم. وان دعوات الديمقرطة تؤدي عمليا الى تقديم خدمات جليلة للبرجوازية وادامة اللاتحزب والتهرب من الحزبية بحجة القمع والاستبداد و"نفذ ثم ناقش!" من التي يعلكها الكثيرون، ومنهم الرفيق رزكار. وان أكبر ضربة للشيوعية هو محاربة التحزب بأشكال صريحة وعلنية، وبأشكال غير علنية ذات النظريات "المفذلكة" و"المنمقة" التي كثرت هذه الايام للاسف والتي تعكس ضغط البرجوازية قبل اي شيء اخر على ذهن المجتمع.
انا من بين الذين يؤمن بالتحزب، وفي الوقت ذاته غير راض عن وضع الحزب الذي انا عضو فيه ولا عن الحركة الشيوعية. ولكن على الأقل اسعى، وغيري كثر، للدفع بتصورات، وليس لدينا "منّة" على احد ولا نعتبر انفسنا "اكبر" او "فوق" احد، ولكن مشكلة الكثير من هذا "اليسار غير المتحزب"، يرى في عدم تحزبه "فضيلة"، "منّة" على الاخرين، "يتبخترون" بلاحزبيتهم على غيرهم، المتحزبين، الذين يربط الكثير منهم الليل بالنهار من اجل الدفع بعمل شيوعي ذا برنامج، وهادف وجمعي.
وبشكل واعي او غير واعي، وارتباطاً بحملة البرجوازية على التحزب والحزبية، يقوم اليسار بادارة ماكنة البرجوازية، بالاخص بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. لقد تحول الى جزء من هذه الماكنة البرجوازية، يديرها ويحركها. بيد ان التحزب الشيوعي المفعم بالحرية اوسع كثيراً من اشكال التجني هذا.
حول حرية التعبير العلني في الاحزاب:
اؤكد على ما سبق حول ان الشيوعية تعني الحرية بالمعنى الكامل للكلمة. واني اعتبر اي نقض لهذه الحرية هو عمل غير شيوعي. ولكن الشيوعية اليوم هي ليست شيوعية وقت ماركس ولا لينين بمعنى ما. البرجوازية غدت طبقة مجربة الى ابعد الحدود جراء خبرات مئات الثورات العمالية وغير العمالية والانتفاضات والعصيانات و...في العالم. اصبح معاداة الشيوعية فن. لا يستطيع حزب ان يطيح بطبقة الراسمال دون ان يكون حزباً منضبطاً، متراصاً حديدياً. حزب تتوفر فيه اوسع الحريات، يوفر اوسع المجال لابداء الاراء بلا حدود، وفي الوقت ذاته تسود فيه اعلى درجات الانضباط، الصلابة، ولا يسمح باي مجال لعدم الانضباط. تقول في الحزب ما تريد قوله، ولكن في العمل نظهر فريق واحد. بدون الانضباط وبحزب مهلهل لا تستطيع ان تتحدث عن تغيير جدي في الحزب نفسه، دع جانبا المجتمع. ينبغي ان يستند الحزب الى "تعدد الاراء ووحدة الارادة"! هل في هذا تناقض؟ كلا! اطلاقاً! ان اغلب اعضائنا يكتبون في الحوار المتمدن، هل تمت محاسبة احد ما على ما نشره في الحوار مثلا؟! هل وضع احد ما فلتر على ما يكتبون؟! كلا، اطلاقاً! لقد كتبت انا شخصيا 126 مقالة وبحث في الحوار المتمدن فقط وحول مواضيع متنوعة ولم يعترض احد في الحزب على ما كتبته، فما بالك بالمحاسبة او المنع.
ان منصور حكمت مَنْ ابتكر تقليد في منتصف تسعينيات القرن المنصرم، تقليد كان جديدا في تاريخ الحركة الشيوعية عموماً لحد اطلاعي. ان هذا التقليد هو "ضرورة اصدار الكوادر لبيانات باسمائهم الشخصية" وتوضيحا لهذا القرار قال: ( كادر الحزب، قبل ان يكون عضو حزب، هو في المطاف الاخير انسان، يعيش في مجتمع ومن حقه ان يبدي رايه الخاص تجاه مسائل المجتمع بصفته الشخصية، وان صفته الحزبية لا ينبغي ان تسلب منه حق اتخاذ المواقف تجاه امور المجتمع. الحزب يرى حل مسالة فلسطين كذا، انا ارى ان الحل الفلاني انسب! اين المشكلة في هذا؟! واي شخص يلقي نظرة على النظام الداخلي يرى حقوق لدى عضو الحزب لا يتمتع بها كلنتون، على قول منصور حكمت.
خاتمة:
والان حيث اصبح امراً واضحا الفرق بين اليسار والشيوعية، وبصفتي كشيوعي، لا ارى من واجبي ان اشكر رزكار ابداً "على مساهمته في ديمقرطة اليسار" مثلما يقوم به البعض. انه ليس عمل شيوعي، ولا مهمة شيوعية، ولا يعرف أحد ثمارها رغم "انهماك" رزكار بها لما يقارب العقدين! وبصراحة، هذه المساهمة والسعي الى "وحدة اليسار" وغيرها لا ربط لها بعمل شيوعي بالطريقة التي يتحدث بها ماركس عنه! للاسف، ان رزكار مشغول باليسار و"ديمقرطة اليسار" والشؤون الداخلية لليسار اكثر مما هو مشغول بعمل سياسي جدي وواضح وهادف ومتحزب ضد البرجوازية. ان مشكلته في مكان والشيوعية في مكان اخر. هو مشكلته اليسار، نحن مشكلتنا تكمن في كيف جعل الشيوعية راية سياسية من بين الرايات بوسع الطبقة العاملة والمجتمع ان يختارها. والادهى من هذا، رغم كل تاكيده على "وحدة اليسار" الا انه اول من يهلل لانشقاق ما في اليسار، لانه يضيف برهان اخر على "تصوره"! اي لا بد من ان يكون مَنْ انشق على حق!! ولا بد انها بسبب "غياب الديمقراطية" و...!! غدت "غياب الديمقراطية" عند الرفيق رزكار مثل "نظرية المؤامرة" عند الكثير من الكتاب والمحللين في المنطقة!!
واخيراً، ما اود قوله: يستحيل تغيير العالم الا عبر احزاب سياسية. ليس بوسع الف جريدة، شخصيات، مشاهير، سايتات، حلقات، قنوات فيديوية، يوتوب و.... مع اهميتها، ناهيك عن الوقوف "الواعظ" و"الحكيم" فوق الاحزاب وطرح "الارشادات" لها، ان ترد على هذه الحاجة الحياتية ولا ان تكون اداة التغيير. لا يملى هذا الفراغ الا باحزاب سياسية.