المنهج الخوجي الهمّامي المناهض للماديّة الجدليّة - مقتطف من - - تحريفيّة حزب العمّال التونسي وإصلاحيّته كما تتجلّى في كتاب الناطق الرسمي بإسمه ،- مساهمة في تقييم التجربة الإشتراكية السوفياتيّة - ، الجزء الأوّل -


ناظم الماوي
2021 / 2 / 6 - 11:47     

المنهج الخوجي الهمّامي المناهض للماديّة الجدليّة - مقتطف من -
" تحريفيّة حزب العمّال التونسي وإصلاحيّته كما تتجلّى في كتاب الناطق الرسمي بإسمه ،" مساهمة في تقييم التجربة الإشتراكية السوفياتيّة " ، الجزء الأوّل "

لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية !
و الروح الثوريّة للماوية المطوَّرة اليوم هي الخلاصة الجديدة للشيوعيّة – الشيوعيّة الجديدة
( عدد 42 - 43 / أفريل 2020 )
ناظم الماوي

حفريّات في الخطّ الإيديولوجي والسياسي التحريفي و الإصلاحي
لحزب العمّال [ البرجوازي ] التونسي - الكتاب الثالث
الجزء الثاني من الكتاب الثالث :
تحريفيّة حزب العمّال التونسي وإصلاحيّته كما تتجلّى في كتاب الناطق الرسمي بإسمه ،" مساهمة في تقييم التجربة الإشتراكية السوفياتيّة " ، الجزء الأوّل
ملاحظة : الثلاثيّة بأكملها متوفّرة للتنزيل بنسخة بى دى أف من مكتبة الحوار المتمدّن .
-------------------------------------------------------------------------------------------------

" لقد شكّل تقييم الخبرة التاريخيّة فى حدّ ذاته دوما موضوع جدال كبير فى الصراع الطبقي فمنذ هزيمة كومونة باريس لم يتوقّف الإنتهازيّون و التحريفيّون عن إستغلال هزائم البروليتاريا و نواقصها بغاية قلب الخطأ و الصواب و خلط المسائل الثانويّة بالمسائل الرئيسيّة و التوصّل إلى إستنتاج مفاده أن "البروليتاريا ما كان عليها أن تحمل السلاح ". و كثيرا ما كان بروز ظروف جديدة تعلّة للإرتداد عن المبادئ الجوهريّة الماركسيّة ، مع إدّعاء إضفاء التجديد عليها ...

لقد بيّن التاريخ فعلا أنّ التجديدات الحقيقيّة للماركسيّة (على عكس التشويهات التحريفيّة) إنّما كانت متّصلة إتّصالا وثيقا بمعارك ضارية للدفاع عن المبادئ الجوهريّة للماركسيّة – اللينينيّة - الماويّة و تدعيمها . "

( " بيان الحركة الأممية الثورية " لسنة 1984)

---------------------------------

" هذه الإشتراكيّة إعلان للثورة المستمرّة ، الدكتاتوريّة الطبقيّة للبروليتاريا كنقطة ضرورية للقضاء على كلّ الإختلافات الطبقية ، و للقضاء على كلّ علاقات الإنتاج التى تقوم عليها و للقضاء على كلّ العلاقات الإجتماعية التى تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ، و للقضاء على كلّ الأفكار الناجمة عن علاقات الإنتاج هذه ".

( كارل ماركس ، " صراع الطبقات فى فرنسا من 1848 إلى 1850" ، ذكر فى الأعمال المختارة لماركس و إنجلز ، المجلّد 2 ، الصفحة 282 ).

-----------------------------------------

" و سيكون واجب القادة على وجه الخصوص أن يثقّفوا أنفسهم أكثر فأكثر فى جميع المسائل النظريّة و أن يتخلّصوا أكثر فأكثر من تأثير العبارات التقليديّة المستعارة من المفهوم القديم عن العالم و أن يأخذوا أبدا بعين الاعتبار أنّ الاشتراكيّة ، مذ غدت علما ، تتطلّب أن تعامل كما يعامل العلم ، أي تتطلّب أن تدرس . و الوعي الذى يكتسب بهذا الشكل و يزداد وضوحا ، ينبغى أن ينشر بين جماهير العمّال بهمّة مضاعفة أبدا..."
( انجلز ، ذكره لينين فى " ما العمل؟ " )
------------------------------------
" قد كان الناس و سيظلّون أبدا ، فى حقل السياسة ، أناسا سذّجا يخدعهم الآخرون و يخدعون أنفسهم، ما لم يتعلّموا إستشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك وراء التعابير و البيانات و الوعود الأخلاقية و الدينية و السياسية و الإجتماعية . فإنّ أنصار الإصلاحات و التحسينات سيكونون أبدا عرضة لخداع المدافعين عن الأوضاع القديمة طالما لم يدركوا أن قوى هذه الطبقات السائدة أو تلك تدعم كلّ مؤسسة قديمة مهما ظهر فيها من بربرية و إهتراء . "
( لينين ، " مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكوّنة الثلاثة " )
---------------------------
"... حين أزاحت الماركسية النظريّات المعادية لها ، و المتجانسة بعض التجانس ، سعت الميول التي كانت تعبر عنها هذه النظريّات وراء سبل جديدة . فقد تغيّرت أشكال النضال و دوافعه ، و لكن النضال إستمرّ . و هكذا بدأ النصف الثاني من القرن الأوّل من وجود الماركسيّة ( بعد 1890 ) بنضال التيّار المعادى للماركسيّة في قلب الماركسيّة .
...لقد منيت الإشتراكيّة ما قبل الماركسيّة بالهزيمة ، وهي تواصل النضال ، لا في ميدانها الخاص ، بل في ميدان الماركسيّة العام ، بوصفها نزعة تحريفيّة .

... إنّ نضال الماركسيّة الثوريّة الفكري ضد النزعة التحريفيّة ، في أواخر القرن التاسع عشر ، ليس سوى مقدّمة للمعارك الثوريّة الكبيرة التي ستخوضها البروليتاريا السائرة إلى الأمام ، نحو إنتصار قضيّتها التام ، رغم كلّ تردّد العناصر البرجوازية الصغيرة و تخاذلها . "

( لينين ، " الماركسيّة و النزعة التحريفيّة " )
--------------------------------------------
" إنّ ديالكتيك التاريخ يرتدى شكلا يجبر معه إنتصار الماركسيّة في حقل النظريّة أعداء الماركسيّة على التقنّع بقناع الماركسيّة ."
( لينين ، " مصائر مذهب كارل ماركس التاريخيّة " المخطوط في مارس 1913 ، ( الصفحة 83 من " ضد التحريفيّة ، دفاعا عن الماركسية " ، دار التقدّم موسكو )
---------------------------------------------------------
" إنّ ميل المناضلين العمليين إلى عدم الإهتمام بالنظرية يخالف بصورة مطلقة روح اللينينيّة و يحمل أخطارا عظيمة على النظريّة تصبح دون غاية ، إذا لم تكن مرتبطة بالنشاط العملي الثوري ؛ كذلك تماما شأن النشاط العملي الذى يصبح أعمى إذا لم تنر النظريّة الثوريّة طريقه . إلاّ أنّ النظريّة يمكن أن تصبح قوّة عظيمة لحركة العمّال إذا هي تكوّنت فى صلة لا تنفصم بالنشاط العملي الثوري ، فهي ، وهي وحدها، تستطيع أن تعطي الحركة الثقة وقوّة التوجّه و إدراك الصلة الداخليّة للحوادث الجارية ؛ وهي ، وهي وحدها ، تستطيع أن تساعد النشاط العملي على أن يفهم ليس فقط فى أي إتّجاه و كيف تتحرّك الطبقات فى اللحظة الحاضرة ، بل كذلك فى أيّ إتّجاه وكيف ينبغى أن تتحرّك فى المستقبل القريب . إنّ لينين نفسه قال و كرّر مرّات عديدة هذه الفكرة المعروفة القائلة :
" بدون نظرية ثورية ، لا حركة ثوريّة " ( " ما العمل ؟ " ، المجلّد الرابع ، صفحة 380 ، الطبعة الروسية ) "
( ستالين ، " أسس اللينينية - حول مسائل اللينينية " ، صفحة 31 ، طبعة الشركة اللبنانية للكتاب ، بيروت )
-------------------------------------
" إن الجمود العقائدى و التحريفية كلاهما يتناقضان مع الماركسية . و الماركسية لا بد أن تتقدم ، و لا بدّ أن تتطور مع تطور التطبيق العملى و لا يمكنها أن تكف عن التقدم . فإذا توقفت عن التقدم و ظلت كما هي فى مكانها جامدة لا تتطور فقدت حياتها ، إلا أن المبادئ الأساسية للماركسية لا يجوز أن تنقض أبدا ، و إن نقضت فسترتكب أخطاء . إن النظر إلى الماركسية من وجهة النظر الميتافيزيقة و إعتبارها شيئا جامدا ، هو جمود عقائدي ، بينما إنكار المبادئ الأساسية للماركسية و إنكار حقيقتها العامة هو تحريفية . و التحريفية هي شكل من أشكال الإيديولوجية البرجوازية . إن المحرفين ينكرون الفرق بين الإشتراكية و الرأسمالية و الفرق بين دكتاتورية البروليتاريا و دكتاتورية البرجوازية . و الذى يدعون اليه ليس بالخط الإشتراكي فى الواقع بل هو الخط الرأسمالي . "
( ماو تسي تونغ ، " خطاب فى المؤتمر الوطنى للحزب الشيوعي الصيني حول أعمال الدعاية "
12 مارس/ أذار 1957 " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ، ص21-22 )
-------------------------------------
" التحريفية فى السلطة يعنى البرجوازية فى السلطة."
( ماو تسى تونغ )
-----------------------------------
" إنّكم تقومون بالثورة الاشتراكية و بعد لا تعرفون أين توجد البرجوازية . إنّها بالضبط داخل الحزب الشيوعي – أولئك فى السلطة السائرين فى الطريق الرأسمالي ".
( ماو تسى تونغ ، سنة 1976)
-----------------------------------------
كلّ ما هو حقيقة فعلا جيّد بالنسبة للبروليتاريا ، كلّ الحقائق يمكن أن تساعد على بلوغ الشيوعية .
( " بوب أفاكيان أثناء نقاش مع الرفاق حول الأبستيمولوجيا : حول معرفة العالم و تغييره " ، فصل من كتاب " ملاحظات حول الفنّ و الثقافة ، و العلم و الفلسفة " ، 2005)
==========================================
الجزء الثاني من الكتاب الثالث :

تحريفيّة حزب العمّال التونسي وإصلاحيّته كما تتجلّى في كتاب الناطق الرسمي بإسمه ،" مساهمة في تقييم التجربة الإشتراكية السوفياتيّة " ، الجزء الأوّل

مقدّمة :
1- إستمرار التزوير الخوجي للحقائق بصدد الماويّة .
2- المنهج الخوجي الهمّامي المناهض للماديّة الجدليّة .
3- المسكوت عنه و دلالاته التحريفية و الإصلاحيّة .
4- كتاب ذاتي طافح بالدغمائيّة التحريفية الخوجية .
5- الشيوعية الجديدة / الخلاصة الجديدة للشيوعية تشتمل على التقييم العلمي المادي الجدلي الوحيد للتجارب الإشتراكية للبروليتاريا العالمية و منها التجربة الإشتراكية السوفياتيّة .
خاتمة :
ملحق الجزء الثاني من الكتاب الثالث : 1- الرفيق ستالين ماركسي عظيم قام بأخطاء ، المقال الأوّل من العدد 3 – جويلية 2011 من" لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية ! " : مسألة ستالين من منظور الماركسية – اللينينية – الماويّة
ملحق الكتاب الثالث :
محتويات نشريّة " لا حركة شيوعية ثوريّة دون ماويّة ! " / من العدد 1 إلى العدد 37
=====================================================================
1- المنهج الخوجي الهمّامي المناهض للمادية الجدليّة

يهمّنا هنا أن نتطرّق إلى جوانب ( و ليس كلّ جوانب ) من منهج السيّد جيلاني الهمّامي في كتابه موضوع قراءتنا النقديّة ذلك أنّ المنهج مركزي في بلوغ الحقيقة من وجهة نظر الماركسيّة فإعتماد منهج مناهض للماديّة الجدليّة ، منهج غير علمي، لن يؤدّى إلى تحليل و تلخيص صحيحين ماركسيّا للتجربة الإشتراكيّة السوفياتيّة. وقد سقط صاحبنا الخوجي في أحابيله منهج مناهض للماديّة الجدليّة .
بادئ ذي بدء ، لمّا يتحدّث السيّد حمه الهمّامي في تقديمه لكتاب " المساهمة في تقيييم التجربة الإشتراكية السوفياتيةّ " الجزء الأوّل ، عن " تجارب إشتراكيّة " ( ص 5 ) و لا يذكر ما هي التجارب الأخرى إلى جانب التجربة السوفياتيّة و علاقة التأثير و التأثّر بينها و بين التجربة السوفياتيّة ، و لمّا يتحدّث السيّد جيلاني الهمّامي عن " الإتّحاد السوفياتي و غيره من البلدان التي خاضت غمار تجارب الإشتراكية " ( ص 12 ) و لا ينبس و لا حتّى يهمس و لو باسم بلد واحد ، تقفز إلى أذهاننا عدّة أسئلة منها لماذا هذه التعمية الهلاميّة الزئبقيّة المثاليّة ؟ لماذا هذا اللفّ و الدوران و عدم تسمية الأشياء بمسمّياتها ؟ و نلحّ في السؤال ما هي هذه التجارب الأخرى ؟ و ما تقييمكما لها ؟ و إن لم تكن لديكما تقييمات ، فلماذا لم تنجزوها إلى الآن ، ما الذى تنتظرونه ؟ إلخ
يقينا أنّ الخوجيّين يخرجون التجربة الإشتراكية الماويّة الصينيّة من تلك التجارب فجيلاني الهمّامي يشكّك كما مرّ بنا في " ماركسيّة " الماويّة و تقييمها لتجربة دكتاتورية البروليتاريا في الإتّحاد السوفياتي و يبقى الباب مفتوحا على مصراعيه لغيرها . و مجدّدا ، بتصفويّة مثاليّة تطمس الحقيقة التاريخيّة و تندثر بجرّة قلم و يفتج المجال واسعا أمام قفزات بهلوانيّة خوجيّة تروتسكيّة من مأتاها لا تستغرب . هل لدى حزب العمّال التونسي تقييم للتجربة ، لنقل مثلا ، الألبانية و كيف تحوّلت ألبانيا أنور خوجا ذات النقاء الإيديولوجي المدّعى إلى ألبانيا الرأسماليّة اليوم ؟ كيف و لماذا أعيد تركيز الرأسماليّة هناك ؟ و واجب تقييم هذه التجربة بالذات أكثر من متأكّد لأنّ حزب العمّال التونسي أشاد بها و رفعها إلى السماء لعقود إلى أن أفاق ذات يوم فوجدها تسقط على رأسه و أضرابه من الخوجيّين الذين تملّكهم الذعر و ظلّوا في ذهول ما بعده ذهول فحزب العمّال التونسي على حدّ علمنا و حدّ ما نشر علنا ما أنجز تقييما شافيا كافيا لتلك التجربة التي إعتبرها مثله الأعلى . و هذا منه هروب مثالي من مواجهة الواقع . و كذلك على حدّ علمنا ، ما من تقييم لديه للتجارب الإشتراكية الأخرى ، فلماذا هذا التهاون في القيام بالواجب من حزب يدّعى الجدّية ؟ لعلّ أبرز ما جعله يتهيّب المغامرة في مياه بحر متلاطمة أمواجه ، عدم إمتلاك ناصية مقوّمات المنهج المادي الجدلي و النظرة الشيوعية الثوريّة، و حدود الفهم الخوجي الدغمائي التحريفي، لعلّ!
و قد عرّينا الكذب المحض و التشويه المتعمّد للحقائق و للتاريخ بشأن الماويّة ، و هذا الأمر لا يدعو إلى الإستغراب ما دام صادر عن خوجيّين ، نلفت عناية القرّاء إلى وجه آخر من عدم تمكّن صاحبنا الهمّامي من الماديّة الجدليّة و تطبيقها في تحليل و تلخيص التجربة الإشتراكيّة السوفياتيّة .
لا يخفى على الماركسيّين الحقيقيّن أنّ العالم مادة في حركة و أنّ تحليل تجربة تاريخيّة يستدعى بالضرورة النظر إليها كسيرورة أي كمادة في حركة ، لا يمكن أن تكون وليدة لا شيء ، بمعنى أنّ لهذه السيرورة إمتداد و عمق تاريخي و ثانيا أنّ محرّكها هو الصراع ، حركتها هي التناقض .
و ملخّصا حقيقة عميقة و شاملة ، كتب ماو تسى تونغ :
" تعتبر الفلسفة الماركسية أن قانون وحدة الأضداد هو القانون الأساسي للكون. وهو قانون مطلق الوجود سواء فى الطبيعة أو فى المجتمع البشري أو فى تفكير الإنسان. فبين الضدين فى تناقض ما توجد وحدة و صراع فى آن واحد، و هذا ما يبعث الحركة و التغير فى الأشياء. إنّ التناقضات موجودة فى كلّ شيء ، إلاّ أنّ طبيعتها تختلف بإختلاف طبيعة الأشياء. فالوحدة بين الضدين فى التناقض الكائن فى كلّ شيء محدّد هي ظاهرة مقيدة ، و مؤقتة ، و إنتقالية ، وهي لذلك نسبية ، أمّا الصراع بينهما فإنه يبقى مطلقا دون تقييد. "
( " حول المعالجة الصحيحة للتناقضات بين صفوف الشعب " ( 27 فبراير – شباط – 1957)- ص 69 من " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " نسخه و أعدّه للنشر على الأنترنت شادي الشماوي – مكتبة الحوار المتمدّن )

و في موضوع الحال ، نلفى الخوجي ينغمس مباشرة في التجربة السوفياتيّة دون ربطها بعمقها و إمتدادها التاريخي و الدروس المستخلصة سابقا و نقصد رأسا كمونة باريس . لقد ألّف ماركس ما ألّف عن كمونة باريس و أضاف إنجلز ما أضاف و أتى لينين ليغوص في دراستها بتمعّن و يحاضر حولها و يعود إليها مرارا و تكرارا لأنّها تحتلّ مكانة محوريّة في تطوّر الماركسيّة ذاتها . وقد إعتبرها إنجلز أوّل دكتاتوريّة للبروليتاريا رغم غياب الحزب الشيوعي و نسبيّة تأثير الشيوعيين فيها و عمرها القصير جدّا ، أقلّ من مائة يوم . و أنزلها لينين المنزلة التي تستحقّ ولا أدلّ على ذلك من حضورها بثقل كبير في الكتاب المنارة اللينينيّة " الدولة و الثورة ". و على من يتطلّع إلى المزيد في هذا الباب أن يدرس الكتاب الصادر باللغة العربيّة عن دار التقدّم، موسكو، " ماركس ، إنجلز ، لينين ، كمونة باريس " .
هذه هي الأرضيّة الفلسفيّة و السياسيّة لضرورة الإنطلاق من ما إعتبره إنجلز أوّل دكتاتوريّة بروليتاريا و الدروس المستخلصة منها كحجر أساس منه ( و من إختلافات مع الواقع المادي الملموس ) و بالفعل إنطلق البلاشفة في تشييد التجربة الإشتراكية السوفياتيّة من تلك التجربة و دروسها . و تجاهل هذا ينمّ بصورة جليّة عن خطأ فادح في المنهجيّة و عن عدم الإكتراث بالمادية الجدليّة ، ما يفضى بطبيعة الحال إلى طمس الحقائق و الوقائع و إلى تحليل و تلخيص خاطئين من منظور شيوعي إن لم يكن كلّيا فجزئيّا .
و إلى هذا نضيف ، عدم تكريس الخوجي للبّ الماديّة الجدليّة ، قانون التناقض / وحدة الأضداد في النظر في التجربة الإشتراكية السوفياتيّة فهو كسائر الخوجيّين من بداية الكتاب إلى نهايته يدافع عن ستالين دفاعا دغمائيّا أعمى في الأساس حيث لم يجد لديه و لا خطأ هام في النظريّة و لا في الممارسة ( عدا نقد لدستور سنة 1936 لا يسمن و لا يغنى من جوع نتفحّصه معا في حينه )، لا في الحزب الشيوعي السوفياتي و لا في الحركة الشيوعية العالميّة . و هذا الدفاع الأعمى و التنكّر التصفوي للتقييم الماوي المشخّص لعدّة أخطاء في النظريّة و الممارسة ، في الحزب و في الحركة الشيوعية العالمية ترجمة لمنهج مثاليّ ميتافيزيقيّ . مثاليّ لأنّه يقدّم على الطريقة الخوجيّة المعتادة ( مع تزويق بنقد دستور سنة 1936 ) الماركسي العظيم الذى قام بأخطاء أحيانا جدّية و كأنّه رسول أو نبيّ معصوم من الخطأ في حين رأينا ستالين نفسه إعترف ببعض أخطائه و نقد هو نفسه أخطاء أخرى أو آراء له و للينين إتّضح أنّها لم تعد تعكس الواقع المادي المتحرّك و المتبدّل أبدا . و ميتافيزيقيّ لأنّه يعمل في القضيّة نظرة إحاديّة الجانب ، ترى مظهرا واحدا من التناقض ، ترى الصواب و لا ترى الخطأ ، لا ترى صراع خطّين في الحزب وترى البروليتاريا و التحوّلات التي شهدتها و لا ترى البرجوازية و التحوّلات التي شهدتها و لا ترى صراعا طبقيّا بين البروليتاريا والبرجوازية في ظلّ الإشراكية ( موضوع لنا عودة إليه لاحقا ) .
و على الخوجيين ينسحب قول ماو تسى تونغ سنة 1976 : " إنّكم تقومون بالثورة الاشتراكية و بعد لا تعرفون أين توجد البرجوازية . إنّها بالضبط داخل الحزب الشيوعي –أولئك فى السلطة السائرين فى الطريق الرأسمالي ".
و من ثمّة ، كان من المفترض أن يطبّق السيّد الهمّامي الماديّة الجدليّة في تحليله و تلخيصه لكن هيهات أن يقوم بذلك خوجي متشبّع بالدغمائيّة – التحريفيّة ، غارق فى المثاليّة الميتافيزيقيّة !
لقد قام كتاب الناطق الرسمي باسم حزب العمّال التونسي على سرد تاريخي يكاد يكون سطحيّ لأحداث و صراعات و لم يبحث بتمعّن في أمّهات المسائل التي تتّصل بتكريس ستالين و فهمه للماديّة الجدليّة كما طوّرها لينين و مدى إلتزامه بها و بالمواقف اللينينيّة بشأن الحرب الإمبرياليّة و الدفاع عن الوطن و الشوفنيّة القوميّة إلخ و مدى صحّة أو عدم صحّة مثلا النظرة الذاتيّة لدى ستالين كما وضع ذلك عن صواب و حقّ ماو تسى تونغ و كيفيّة التعاطى نظريّا و عمليّا قبل الحرب العالمية الثانية و أثناءها و بعدها مع تناقض أو علاقة الثورة في بلد واحد مع الثورة البروليتارية العالمية و مدى صحّة سياسة الجبهة المتّحدة ضد الفاشيّة و أسبابها و نتائجها الوخيمة على الحركة الشيوعية العالميّة و تطوّر التحريفيّة و الإختلافات بين نظرة لينين و ستالين ( و تاليا ماو ) للصراع الطبقي في ظلّ الإشتراكية و مدى صحّة أو عدم صحّة ما ورد في عدّة وثائق ماويّة و منها كتاب ماو تسى تونغ " ماو تسى تونغ و بناء الإشتراكية ( نقد لكتاب ستالين " القضايا الإقتصادية للإشتراكية في الإتحاد السوفياتي " و لكتاب الاقتصاد السياسي ، السوفياتي ") " ( العدد 32 / ديسمبر 2018 من مجلّة " الماوية : نظريّة و ممارسة " – مكتبة الحوار المتمدّن ) وفيه كما يعلن العنوان نقد لكتاب ستالين" القضايا الاقتصادية للإشتراكية في الإتحاد السوفياتي " و لكتاب " الاقتصاد السياسي ، السوفياتي " الذى أشرف ستالين على وضع خطوطه العامة إن لم يصغ جوانبا كثيرة منه وهو بالتأكيد يعكس وجهة نظر ستالين في جلّ المسائل إن لم يكن في كلّها ؛ و الكثير و الكثير من القضايا الأخرى كأسباب إنتصار التحريفيّة بشكل غير متوقّع و مذهل أصلا و أيضا الدروس المستخلصة من ذلك و كيفيّة الحيلولة دون إعادة تركيز الرأسماليّة في قادم التجارب الإشتراكيّة ... هذا الضرب من القضايا الحيويّة و المصيريّة لا علاج له في كتاب السيّد الهمّامي الزاعم أنّه مساهمة في تقييم ! أيّة مساهمة هذه ! هي مساهمة في تلميع وجه الخوجيّة بإضافة بعض النقد لدستور سنة 1936 ، لا غير ! و بهذه الصورة تظلّ المسائل المحوريّة ( التي بحثها الماويّون الصينيّون و قدّموا إجابات عنها و بنوا على أساسها ممارسات ثوريّة ذروتها الثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى كأعلى قمّة بلغتها الإنسانيّة في تقدّمها على طريق الشيوعية ، و سيمضى بوب أفاكيان مهندس الخلاصة الجديدة للشيوعية / الشيوعية الجديدة إلى أبعد من ذلك في البحث النقدي للتجربة السوفياتية والصينيّة و غيرها من التجارب للتوصّل إلى تلك الخلاصة ، إلى الشيوعية الجديدة ، شيوعية اليوم الثوريّة حقّا، قولا و فعلا ) بلا إجابة كأنّنا أمام خدعة سينمائيّة توهم المتفرّج بأنّ الشخصيّة تسير و الحال أنّها تراوح مكانها ! الخدع السينمائيّة فنّ مقبول و محبّذ و مطوب أحيانا ، أمّا الخداع في البحوث الموصوفة زورا و بهتانا بأنّها ماركسيّة فهو مدعاة لأشدّ الإستنكار العلمي و الماركسي .
هاجس كتاب السيّد الهمّامي ليس البحث عن الحقيقة مهما كانت بحلوها و مرّها و تطبيق المنهج المادي الجدلي لبلوغها و بناء صرح نظريّ ثوري أرقى عليه تشيّد ممارسة ثوريّة أرقى في علاقة تطوّر جدليّة بين الممارسة و النظريّة ، و إنّما هو خدعة القرّاء بوعود تقييم نقدي موضوعي جوهره في الواقع من جديد ذاتي ، الدفاع الخوجي الأعمى عن ستالين ( مع مسحة نقد لدستور سنة 1936 على أنّه الإكتشاف العظيم السحريّ - بعد تشخيص الماويّة لتلك الأخطاء في دستور سنة 1936 بأكثر من نصف قرن !!!- الذى ما بعده إكتشاف سيعالج نهائيّا و عفويّا أمّهات القضايا العالقة دون تفسير ) للظهور بمظهر ماركسي – لينينيّ متميّز عن الماويّة بل و معادى لها و الحال أنّه على حدّ مضامين كتابه ، غريب بأتمّ معنى الكلمة عن الماركسيّة – اللينينيّة و منهجها المادي الجدلي كما دلّلنا على ذلك و سندلّل أكثر في الآتى من مقالنا هذا .
و يتحفنا صاحب مقدّمة الكتاب ، السيّد حمه الهمّامي ، بانّ الكتاب جاء نتيجة بداية عودة قويّة إلى الساحة " لأفكار ماركس و لينين " ( ص 5 ) و بعودة " الوله بالإشتراكية " ( ص 6 ) و بداية تراجع " الصورة البشعة التي قدّمتها الدعاية الإمبرياليّة الغربيّة ..." ما يسمح " بإجراء تقييم موضوعي للتجارب الإشتراكية للقرن العشرين ..." و أنّ " العودة إلى التجربة الإشتراكية للاتحاد السوفياتي ، تعريفا و تقييما و نقدا ، هي اليوم جزء لا يتجزّأ من الصراع الأيديولوجي ضد ابرجوازية الإحتكاريّة ، الإمبريالية ..." ( ص 7 ) .
و من ناحيته ، ينزّل السيّد جيلاني الهمّامي كتابه ضمن " مهمّة تقتضيها حاجتنا اليوم لفهم ما حصل و فرز الحقيقي فيه من الأكاذيب التي ألصقت بالتجربة بهدف إعادة الإعتبار للإشتراكية العلميّة ..." ( ص 10).
فنغض النظر عن مدى صحّة الوله بالإشتراكية ، لا سيما في البلدان العربيّة و نسوق بسرعة ملاحظة عابرة هي أنّ مصطلح الإشتراكية العلمية نقيض الإشتراكية الطوباوية لم يعد يعبّر عن علم الشيوعية منذ عقود و قد خضنا جدالات عديدة بهذا الباب و بيّننا أنّ علم الثورة البروليتارية العالمية ، علم الشيوعية قد تطوّر منذ زمن إنجلز و صار ماركسية – لينينيّة و تاليا ماركسيّة – لينينيّة – ماويّة و اليوم الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعيّة الجديدة . و سقنا هذه الملاحظة للفت النظر إلى أنّ الناطق الرسمي باسم حزب العمّال التونسي يستخدم منهجا إنتقائيّا ففيما تناسى كمونة باريس و دروسها كأوّل دكتاتوريّة للبروليتاريا ، بنكوصيّة يعود بنا إلى الخلف ، إلى تحديد علم الشيوعية بالإشتراكية العلمية ، إلى ما قبل اللينينيّة التي حدّدت بوضوح ما بعده وضوح أنّ الإشتراكية العلمية مصدر و قسم فقط من مصادر و أقسام الماركسيّة الثلاثة .
و نمضى إلى التعليق على أقوال الأمين العام و الناطق الرسمي لحزب العمّال التونسي فمّما صدحا به نستشفّ أنّ الحزب إيّاه لم يع قبلا ضرورة و لا إمكانيّة " تقيم موضوعي " للتجربة السوفياتيّة و أنّ هذه المهمّة برزت اليوم أكثر من أي وقت مضى . و هذا منهما إنكار مثالي للتاريخ و لحاجة ماسة منذ عقود تجاهلوها كلّ التجاهل الخوجي و اليوم لظروف على الأرجح ذاتيّة مرتبطة بصراعاتهما مع تصوّرات قريبة منهم أو متضاربة داخلهم و ربّما ، لا نجزم ، مع الكتلة الجديدة التي ظهرت في صفوف الحزب قبل المؤتمر الأخير للحزب ، و مع محمّد الكيلاني أحد مؤسّسي الحزب و الذى إنشقّ منذ سنوات ليكوّن ما صار معروفا بالحزب الإشتراكي و كتابه " التجربة السوفياتية ، إشتراكية ام رأسماليّة ؟ " يطلعون علينا بما أطلقوا عليه تقييما وهو ليس كذلك . بضربة واحدة سحريّة مثاليّة مديرة ظهرها للواقع التاريخي ، يكنسان التقييمات السابقة جميعها فهي ضمنيّا غير موضوعيّة و يجعلان الكتاب لبنة من لبنات الصراع الإيديولوجي العالمي لإعادة الإعتبار للشيوعية التي أوقفاها عند الإشتراكية العلمية .
و في الواقع هذا منهما إنكار مثالي نكاد نصفه بالعدميّة للتاريخ و لفيض الدراسات و البحوث السابقة و الماركسيّة حقّا و على رأسها البحوث و الدراسات الماويّة ، وإنكار مثالي لحاجة ماسة منذ عقود تجاهلانها كلّ التجاهل الخوجي . كانت الحاجة ماسة و ملحّة و إستعجاليّة للقيام بتقييم التجربة الإشتراكية السوفياتيّة بوجه خاص غداة المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي سنة 1956 و هجومه الضاري على ستالين و من ورائه على تجربة دكتاتورية البروليتاريا . لقد كانت المهمّة أكيدة عندها أكثر ممّا هي أكيدة اليوم و كانت أكيدة أكثر أيضا مع نهاية ثمانينات و بداية تسعينات القرن العشرين أكثر ممّا هي أكيد اليوم . و للتبسيط نرتّب درجات الإستعجالية في الردهات الزمنيّة الثلاث المذكورة ، فتكون الرتبة 1 في الخمسينات ، و 2 في بداية التسعينات و 3 الآن . و هذا لا يعنى أنّها مهمّة فرغ منها اليوم فهي تظلّ قائمة مع تطوّر المعارف و تجميع المعلومات و تنطلق بفكر نقدي ممّا تمّ بلوغه تأكيدا و نفيا لتضيف ما يمكن إضافته على أساس راسخ .
و هكذا نلمس موضوعيّا لمس اليد كيف أنّ الهمّامي مقدّم الكتاب و الهمّامي مؤلّف الكتاب لا يطبّقان المادية الجدلية بل المثاليّة الميتافيزيقيّة و يطوّعان الأمور ببراغماتيّة نفعيّة خدمة لأغراض و صراعات خاصة لا خدمة لعلم الشيوعية .
في خمسينات القرن الماضي ، نهض الحزب الشيوعي الصينين بالمهمّة الملحّة و الإستعجاليّة و أبلى البلاء الحسن في الدفاع عن الماركسيّة – اللينينيّة و في تطويرها كذلك و الوثائق التي ذكرنا آنفا و الوقائع التاريخية للصراع الطبقي في الصين و عالميّا في خمسينات القرن الماضي و ستّيناته و سبعيناته تشهد بذلك . كلّ هذا يرميه الخوجيون بمثالية ميتافيزيقية عرض الحائط . الواجب الشيوعي الأكيد نهض به الماويّون الصينيّون المتحلّين بالجرأة و المالكين للوضوح النظري كما رأينا لدى ماو تسى تونغ وقتها و وفّروا للحركة الشيوعية العالمية تقييما موضوعيّا بداية من 1956 إستمرّوا في تطويره لاحقا ، دون تأخّر و لا تبريرات واهية للتهرّب من القيام بالواجب حينيّا . وفى ذلك إتبعوا خطى ماركس الذى قيّم كمونة باريس في الحين و لينين الذى أنجز تقييما لثورة 1905 بالضبط فور هزيمتها ، و قد أشار في نوفمبر 1920 ، في " أضواء على تاريخ مسألة الديكتاتوريّة ( نبذة ) " ( ص 122 من المختارات ، المجلّد 10 ، دار التقدّم ، موسكو ، باللغة العربيّة ) إلى إنصراف : " البلاشفة و المناشفة على السواء ، فور هزيمة الإنتفاضة المسلّحة في كانون الأوّل ( ديسمبر ) 1905 ، إلى إستخلاص نتائج هذه التجربة ".
و بما أنّ خوجيي حزب العمّال التونسي ما كانوا موجودين في الخمسينات و الستّينات و السبعينات من القرن الفارط ، و بما أنّ حتّى أنور خوجا إلى نهاية سبعينات ذلك القرن تبنّى فى الأساس التقييم الماوي ، و بما أنّ حزب العمّال أهمل هذه المهمّة لعقود ، أفضل شيء بالنسبة للمثاليين الميتافيزيقيين للخروج من المأزق هو محو ذلك التاريخ بأحداثه و وثائقه و إعادة كتابته بأداتية مطوّعة له لأهدافهم الذاتيّة . بأقلّ من جرّة قلم ، لا بل بممحاة مثاليّة غليظة يتمّ فسخ صفحات تاريخ الحركة الشيوعية طوال عقود و النضالات المجيدة لأجيال من الشيوعيين و الشيوعيّات في شتّى المجالات و الحقول و على شتّى الجبهات لا لشيء إلاّ لتزيين وجه الخوجيّة الدغمائيّة التحريفيّة المتعفّن عالميّا .
و عقب وفاة ماو تسى تونغ و الإنقلاب التحريفي في الصين و تغيير لون ذلك البلد من صين ماويّة إشتراكية إلى صين رأسمالية ، ثابر الماويّون في أصقاع العالم على الدراسات و البحوث تقييما نقديّا للإشتراكية فى الإتحاد السوفياتي و الصين الماوية و ثابروا على الدفاع عن الصائب و نقد الأخطاء و التصدّى إلى التشويهات الخسيسة من جانب الرجعية و الإمبريالية و كذلك من جانب التحريفيين جميعا. و أعطت هذه الجهود أكلها وأثمرت تطويرا لعمل الشيوعية بلغ أوجه مع بوب أفاكيان، رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية ، مهندس الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة .
و وجه آخر من وجوه المنهج المثالي الميتافيزيقي لصاحب كتاب " مساهمة ..." هو إنكار ضرورة النضال ضد التحريفيّة نضالا لا هوادة فيه .
في مقدّمة السيّد حمه الهمّامي و في توطئة السيّد جيلاني الهمّامي ، ينزّل الكتاب ضمن مهمّة " العودة إلى التجربة الإشتراكية للاتحاد السوفياتي ، تعريفا و تقييما و نقدا " أو " إعادة الإعتبار للإشتراكية العلمية ". ( ص 7 و 10 تباعا ). و مدى تحقيق الكتاب للهدف المرسوم نقطة سنتناولها لاحقا لكن الآن نبرز للعيان أنّ لا في المقدّمة و لا في التوطئة ثمّة حديث عن النضال ضد التحريفيّة و الدغمائيّة نقيضي الماركسية اللذين لا يمكن الحديث عنها دون الإشارة إليهما . الماركسية من جهة و الدغمائيّة و التحريفيّة من الجهة الأخرى تناقض ، وحدة أضداد ، مظهرى تناقض . و قد أكّد ماو تسى تونغ أنّ :
" إن الجمود العقائدى و التحريفية كلاهما يتناقضان مع الماركسية . و الماركسية لا بد أن تتقدّم ، و لا بدّ أن تتطور مع تطور التطبيق العملى و لا يمكنها أن تكف عن التقدم . فإذا توقفت عن التقدّم و ظلت كما هي فى مكانها جامدة لا تتطور فقدت حياتها ، إلا أن المبادئ الأساسية للماركسية لا يجوز أن تنقض أبدا ، و إن نقضت فسترتكب أخطاء . إن النظر إلى الماركسية من وجهة النظر الميتافيزيقة و إعتبارها شيئا جامدا ، هو جمود عقائدي ، بينما إنكار المبادئ الأساسية للماركسية و إنكار حقيقتها العامة هو تحريفية . و التحريفية هي شكل من أشكال الإيديولوجية البرجوازية . إن المحرفين ينكرون الفرق بين الإشتراكية و الرأسمالية و الفرق بين دكتاتورية البروليتاريا و دكتاتورية البرجوازية . و الذى يدعون اليه ليس بالخط الإشتراكي فى الواقع بل هو الخط الرأسمالي . "
( ماو تسي تونغ ، " خطاب فى المؤتمر الوطنى للحزب الشيوعي الصيني حول أعمال الدعاية "
12 مارس/ أذار 1957 " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ، ص21-22 )
إنّ النضال ضد التحريفيّة و الدغمائيّة نضال مبدئي لا يتوقّف داخل المنظّمة أو الحزب الشيوعي و داخل الحركة الشيوعية العالمية و خارجهم و دونه لا تستطيع الماركسيّة التقدّم و قد تتحوّل إلى نقيضها . و في واقع الحركة الشيوعية العربيّة و الحركة الشيوعية العالمية اليوم ، في غاية الوضوح أنّ التحريفيّة سائدة و خانقة لنموّ و تطوّر حركة أو حركات ثوريّة بقيادة شيوعية ثوريّة حقّا. و من أوكد واجبات الشيوعيين و الشيوعيّات على الجبهتين النظريّة و السياسيّة خوض النضال بصفة دائمة و مبدئيّة و صارمة ضد التحريفيّة و الإصلاحية لأنّه دون ذلك لن تتّضح للمناضلين و المناضلات و الجماهير الشعبيّة الواسعة خطوط التمايز بين الماركسيّين الثوريّين الحقيقيين و الماركسيّين الزائفين ، التحريفيين ، أو المتمركسين الإصلاحيين و لن نتمكّن من تفسير العالم تفسيرا علميّا رسم خطّ نضال شامل قولا و فعلا لتغييره شيوعيّ ثوريّا .
و من الأكيد و الملموس أنّ للتحريفيين عربيّا و عالميّا أصناف من التقييمات للتجربة الإشتراكية للاتحاد السوفياتي و لها ركائز و أعمدة ينبغي إعمال النقد الماركسي فيها و تحطيمها و ليس إعلان إستهدافهم بسهام النقد الماركسي فحسب . و بالمناسبة ، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ صاحب الكتاب الذى ننقد لم يولى إهتماما يذكر إلى نهاية ما ألّف بدحض الخروتشوفيّة و تفسير منبعها و لماذا تمكّنت من الإنتصار و من تصدّى لها و كيف يجب مواصلة فضحها و بأيّ أشكال تتواصل اليوم و لم يقيّم نقديّا أطروحات من تصدّوا تاريخيّا لهذه الخروتشوفية و ما تلاها من تلوينات أخرى من التحريفية المعاصرة لا سيما السوفياتية لأنّها موضوع بحثه و بحثنا . و لكم التفكير في الدلالات النظريّة و السياسيّة لمثل هذا السلوك الإنتهازي.
و إن قيل لنا إنّ الناطق الرسمي باسم حزب العمّال التونسي قد وجّه نقدا للتروتسكيّة و الماويّة ، يكون ردّنا بملاحظات ثلاث هي أنّنا نقصد بالتحريفيّة المعاصرة أساسا الأحزاب و المنظّمات العربيّة و العالميّة التي كانت تدور في فلك التحريفية السوفياتية ( الخروتشوفيّة و ما تلاها ) ، و عربيّا لنا منها الكثير . و ثانيا ، التروتسكيّة التي أعادها السيّد الهمّامي بحركة بهلوانية مثيرة إلى حضيرة الماركسيّة خرجت عن الماركسية – اللينينيّة و قطعت معها منذ ما يناهز القرن و بشكل عام ليست مقصودة بالتحريفيّة المعاصرة و إن كانت تحريفيّة على طريقتها الخاصة . و لا يفوتنا أن ننبّه القرّاء إلى أنّ الكاتب وعدنا بالصفحة 21 بملحق عن التروتسكيّة لم نجده أصلا : " نخصّص للطرح التروتسكي في الثورة البلشفيّة ملحقا خاصا نورده في آخر هذا النصّ ، و لا ملحق و لا هم يحزنون ( و لا هم يفرحون ) ! و ثالثا ، عايننا معا تشويه الدغمائي التحريفي الخوجي للماويّة صاحبة التقييم العلمي الماركسي – اللينيني الوحيد الصحيح في أساسه للتجربة الإشتراكية السوفياتية . فعن أيّ نقد للتحريفيّة يجرى الكلام إذن ؟!!!
بمثاليّة ميتافيزيقيّة لا يحسد عليها، يتجاهل الناطق الرسمي باسم حزب العمّال التونسي ( وأيضا الأمين العام لذلك الحزب ) واقع التحريفية و ضرورة النضال ضدّها و فضحها بلا هوادة و رسم الفروقات بينها و بين الشيوعية الثوريّة رسما بالغ الوضوح ؛ وعلى العكس من هؤلاء الخوجيين و أمثالهم ، إنبرى الماويّون الصينيّون لخوض حرب ضروس ضد التحريفية داخل الإتحاد السوفياتي و الحركة الشيوعية العالمية و كذلك داخل صفوف الحزب الشيوعي الصيني عينه ، طوال عقود الخمسينات و الستّينات و السبعينات إلى الإنقلاب التحريفي الدامي سنة 1976 الذى غيّر لون الحزب و الدولة من حزب بروليتاري لى حزب برجوازي و من دولة إشتراكية إلى دولة رأسماليّة . و رفع الماويّون عبر العالم راية الماويّة عقب وفاة ماو تسى تونغ و إعادة تركيز الرأسمالية في الصين ، و واصلوا المشوار مواجهين في معارك محتدمة ألوانا من التحريفية و الدغمائيّة حتّى منها تلك التي ظهرت في صفوف بعض الماويّين الذين حوّلوا بعض الأخطاء إلى مبادئ و جرت عمليّة فرز أظهرت أنّ أنصار الخلاصة الجديدة للشيوعية أو الشيوعية الجديدة الذين شخّصوا الأخطاء و قطعوا معها و طوّروا الإرث الثوري إعتمادا على تقييم التجارب البروليتارية و بالإستفادة من شتّى مجالات النشاط الإنساني ، هم ممثّلو الروح الثوريّة للماوية و مطوّروها لتغدو الشيوعية الجديدة الإطار النظري الجديد الأرسخ علميّا في يوم الناس هذا للمرحلة / الموجة الجديدة من الثورة البروليتارية العالمية أو الثورة الشيوعية .
و بناءا على ما تقدّم ، يتجلّى أنّ صاحب كتاب " مساهمة ..." أغرب ما يكون عن اللينينيّة التي يدّعى تبنّيها وهو في الحقيقة يطعنها طعنات تصيب منها مقتلا . لقد أعمت البراغماتيّة / النفعيّة و المثاليّة الميتافيزيقيّة التي زرعتها الخوجيّة السيّد الهمّامي و حالت دونه و ضرورة إستيعاب و تطبيق ما سلّط عليه لينين الكثير من الضوء منذ عقود :
- "... حين أزاحت الماركسية النظريّات المعادية لها ، و المتجانسة بعض التجانس ، سعت الميول التي كانت تعبر عنها هذه النظريّات وراء سبل جديدة . فقد تغيّرت أشكال النضال و دوافعه ، و لكن النضال إستمرّ . و هكذا بدأ النصف الثاني من القرن الأوّل من وجود الماركسيّة ( بعد 1890 ) بنضال التيّار المعادى للماركسيّة في قلب الماركسيّة .
... لقد منيت الإشتراكيّة ما قبل الماركسيّة بالهزيمة ، وهي تواصل النضال ، لا في ميدانها الخاص ، بل في ميدان الماركسيّة العام ، بوصفها نزعة تحريفيّة .
... إنّ نضال الماركسيّة الثوريّة الفكري ضد النزعة التحريفيّة ، في أواخر القرن التاسع عشر ، ليس سوى مقدّمة للمعارك الثوريّة الكبيرة التي ستخوضها البروليتاريا السائرة إلى الأمام ، نحو إنتصار قضيّتها التام ، رغم كلّ تردّد العناصر البرجوازية الصغيرة و تخاذلها . "
( لينين ، " الماركسيّة و النزعة التحريفيّة " )

- " إنّ ديالكتيك التاريخ يرتدى شكلا يجبر معه إنتصار الماركسيّة في حقل النظريّة أعداء الماركسيّة على التقنّع بقناع الماركسيّة ."
( لينين ، " مصائر مذهب كارل ماركس التاريخيّة " المخطوط في مارس 1913 ، الصفحة 83 من " ضد التحريفيّة ، دفاعا عن الماركسية " ، دار التقدّم ، موسكو )
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------