أخطأ الرئيسُ ماكرون


نعيم إيليا
2020 / 11 / 21 - 16:43     

"بلدنا ليس لديه مشكلة مع أي ديانة في العالم، لأن كل الديانات تمارس بحرية في بلدنا، بالنسبة للفرنسيين المسلمين، كما للمواطنين في كل أنحاء العالم، الذين يدينون بالإسلام، وفرنسا بلد يمارس فيه الإسلام بكل حرية، وليس هناك من وصمٍ أو تفضيح، كل هذا خطأ، وكل ما يقال خطأ".
يقول الرئيس ماكرون هذا في بعض تصريحاته. فهل أصاب الرئيس فيما قاله أم أخطأ؟
الحق أن الخطأ فيما قاله، أرجحُ من الإصابة. وما يرجّح الخطأَ، هو الواقع. والواقع أصدق برهاناً من كل قول على الهواء وفيه. فلما كان كذلك وجب التعويل عليه في التمييز بين الخطأ والصواب، لا على الأقاويل والخطب المنفصمة عنه.
فماذا يقول الواقع في فرنسا؟
أيقول إن فرنسا العلمانية ليس لديها مشكلة مع الإسلام، كما يصرح بذلك الرئيس ماكرون؟
فإن كان الواقع يقول – مجازاً - بذلك، فلا بد للواقع من أن يدعم قوله بتعليل يشرح امتناع المسلمين الفرنسيين عن الاندماج في المجتمع الفرنسي.
أتراه ناشئاً من عقيدتهم، أم من شيء آخر؟ فإن كان ناشئاً من شيء آخر، فما هو هذا الشيء الآخر الذي نشأ منه الامتناع؟
أهو التطرف الديني؟
ولكن التطرف إذا نسب إلى الدين – والدين هنا هو الإسلام – فكيف السبيل حينئذ إلى فصل التطرف عن الدين (الإسلام)؟ فإن النسبة، كما هو معلوم، توافقٌ وارتباط وتماثل واتحاد بين شيئين لا يمكن الفصل بينهما حين تتحقق النسبة بينهما. هل يمكن الفصل – مثلاً - بين الوطنيّ (بياء النسبة) وبين الوطن؟
فأما إن كان امتناعهم عن الاندماج، ناشئاً من عقيدتهم، فكيف يستقيم قول الرئيس إن فرنسا ليس لها مشكلة مع الإسلام؟
كلا! إنها أزمة العلمانية في علاقتها واحتكاكها بالإسلام، قبل أن تكون أزمة الإسلام في علاقته بالعلمانية.
وأذكر خاطرة عنوانها (مأزق العلمانية) كتبت قبل تصريح الرئيس ماكرون الذي جاء عقب الأحداث الإرهابية الدامية الأخيرة في فرنسا، شبّ على هامشها نقاش بيني وبين كاتب فاضل، مثقف، حسن العبارة، آثر أن يناقشني باسمه المستعار.
قال: فالعلمانية التي تقر بحق الجميع مهما كانت عقائدهم عندما تتعارض مع حقيقة الأديان المطلقة - التي تمثل تديّن أغلب المتدينين عندنا - لا تكون هي في مأزق بل أصحاب القراءة الماضوية السلفية لأديانهم.
قلت: عقيدتي تأمرني أن أكره جاري، مثلاً، فكيف للعلمانية أن تعالج أمر كراهيتي لجاري من دون أن تدوس على مبدأ حق العقيدة هذا الذي صاغته هي بنفسها، إذا ما نهتني عن كره جاري؟ أليس كره جاري عقيدة يجب أن تحترمها؟
قال: أنت هنا نفيتَ العلمانية وألبستها ما لم تقله، لأنك افترضت أن العلمانية تقرّ بالمطلق وهي فكر نسبي: العلمانية لا تمنعك من البحث عن المطلق (حرية العقيدة) لكنها تمنعك من توهم امتلاكه (عقد إجتماعي/ ديمقراطية/ ليبرالية/ تسامح)، فهذا الذي يقول بقتل جاره فكره مطلق ويتبعه بالضرورة السعي وراء فرضه على الآخرين أي قتل هذا الجار وهو ما تمنعه العلمانية.
قلت: العلمانية في أوروبا لديها صعوبات جمة مع بعض الأديان...
أخبرني هل للعلمانية أن (تعلمن) مسلماً يؤمن بأنه لا يجوز لتلميذة مسلمة أن تشارك في دروس السباحة المختلطة، دون أن ترغمه على الكفر بإيمانه؟ وإرغامه على الكفر بإيمانه مخالف في نظر العلمانية ، كما تعلم، لحقه في أن يؤمن بعقيدته ويمارس تعاليمها في حياته.
قال: كلامك صحيح أن العلمانية تجبر المؤمن على التنازل عن كثير من معتقداته، لكن هذا الإجبار مبني على أدلة مستمدة من قيم العصر ومن أخلاقه المتطورة والنسبية. هذا الذي ينادي بمنع ابنته من دروس السباحة ستجده يرفض العبودية وتعدد الزوجات وتزويج الصغيرة وقتل المرتد وهي عقائد ثابتة في دينه، لكنها تطورت مع الزمن.
لنكن صرحاء، المشكلة ليست في العلمانية وليست حتى في الدين نفسه لكن في القراءة السلفية للدين؛ الدين نصوص ينظر لها المتدينون بطريقة مختلفة، أغلب المسيحيين الغربيين اليوم لا يهتمون للعهد القديم بل لا يعنيهم هل هو الله أو هو ابنه أو خاله، لكن للأسف لا يزال المسلمون يعتمدون النظرة الأصولية وهم في ذلك يتبعون ما يُفرض عليهم داخليا (الدول الإسلامية) وخارجيا (الغرب) فلا أحد من ملاك السلطة والقرار اليوم يريد علمنة الإسلام ولذلك تصعب مهمة التنويريين لأنها تصطدم بالقراءة السلفية بل والشيزوفرينية المنافقة للنصوص الإسلامية، ومنافقة لأن الذي مثلا يرغم المرأة على الحجاب ويمنع مساواتها بالرجل هو نفسه يرفض ضربها وأن يعدد عليها أو يمنعها من العمل.
قلت: قولك: „ العلمانية تجبر المؤمن على التنازل عن كثير من معتقداته" يؤيد رأيي في أن العلمانية الأوروبية في مأزق. إنها ممزقة بين أن تظل وفية للمبادئ التي أرستها، وبين أن تنقض هذه المبادئ في مواجهة الأديان التي تتهددها بالانهيار. الإجبار ديكتاتورية. فإذا العلمانية الأوروبية أجبرت، فقدت علمانيتها، وصارت ديكتاتورية مثل نظام كوريا الشمالية الإلحادي المتطرف.
قال: أراكَ تعيد نفس الفهم المنقوص للعلمانية التي هي منظومة فكرية شاملة تجد تحتها التنوير والعقلانية والديمقراطية والعقد الإجتماعي إلخ، العلمانية تخفض جناح الذل من الرحمة للمتدين الذي لا يزال يعيش بوهم خرافة أصّلها لاهوتيون بدائيون، وتعطيه الفرصة ليتمدّن دون أن تُسيء له كإنسان، نعم هي (تُجبره) لكن ليس تعسفا عليه لأنّ معتقداته بالية وتتنافى مع التعايش الصحي مع الآخر. في أوروبا الأزمة أزمة الإسلام السلفي وليست أزمة العلمانية، هذا الدين كغيره من الأديان يجب أن يلتزم بالقوانين.
قلت: كي يكون السلفي هو المأزوم في أوروبا لا العلمانية، يجب أن تكون العلمانية الأوروبية تضطهده، فالمأزوم هو الذي يعاني الشدة.
في كوريا الأديان مضطهدة من نظام الملاحدة المتطرفين، ولهذا يصح أن يقال إن الأديان هناك هي المأزومة.
قولك: "هذا الدين كغيره من الأديان يجب أن يلتزم بالقوانين" لا يعبر إلا عن رأيك الشخصي، وعن رغبتك أنت. قضيتنا هنا ليست مرتهنة بالرأي الشخصي، والرغبات الشخصية الخاصة. ثم أسألك:
ماذا لو لم يلتزم هذا الدين بالقوانين؟

وعند هذا السؤال، انقطع حبل النقاش بيننا. صمت صاحبي، لم يجب عن السؤال.