96 عاماً يتجدد


سمير دياب
2020 / 10 / 27 - 09:26     


بحث "ماركس" في بنية النظام الرأسمالي فرأى وحشاً مفترساً في صورة إنسان يسحق تعب ودماء الفقراء ويحولها إلى أرباح. لم يخاف، بل ناضل بفكره ومؤلفاته، فكتب البيان الشيوعي عام 1847ووضع شعاره "يا عمال العالم اتحدوا". لم يكن الشعار هو الهدف بقدر ما كان الوسيلة لفهم خطة مواجهة العمال والفقراء لبناء البديل الاشتراكي الثوري.

وما أن نجحت ثورة اكتوبر العمالية الاشتراكية في روسيا عام 1917بقيادة لينين حتى أصبحت قضية الامبريالية تصب في إطار القضاء على الاشتراكية. وصارت شغلها الشاغل من تدخلات وإنقلابات وإحتلالات وحروب وفتن وصراعات أهلية وتسليح وأزمات اقتصادية واجتماعية وصحية وبيئية.. لا تعد ولا تحصى.

ولإن الاشتراكية رفيقة العامل والكادح والمزارع والفلاح والمثقف الثوري وكل فئات المجتمع تتضمن العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية والديمقراطية والغاء الاستغلال الطبقي والتمييز والظلم، فقد التقى بتاريخ 24 تشرين الأول من العام 1924 في بلدة الحدث اللبنانية مجموعة من الرفاق العمال والمثقفين، واتفقوا على تأسيس "حزب الشعب" أو الصيغة العلنية للحزب الشيوعي اللبناني من أجل وطن حر وشعب سعيد، لتبدأ رحلة نضال حزب الاستقلال والتحرير والتغيير الديمقراطي منذ 96 عاماً.

ستة تسعون عاماً يتجدد، بنضاله وشبابه وقيمه ومبادئه ومقاومته لكل أشكال الالتحاق والتبعية والارتهان.. يؤمن بقدرة شعبه على التغيير كما آمن بقدرته على الاستقلال من المستعمر الفرنسي والاساطيل الاميركية والمحتل الصهيوني.

من الحدث وساحة البرج وساحة الشهداء والبسطا والنويري والبربير والاشرفية وفرن الشباك والشياح وخندق الغميق والصيفي إلى الجنوب والبقاع والشمال والجبل وكل الساحل.. في القرى والبلدات والمدن، وفي المعامل والمصانع والقطاعات العمالية والمهنية إلى الثانويات والمعاهد والجامعات.. كان يعمل وينظم ويناضل حول كل قضية وطنية واجتماعية وسياسية من أجل قضية التحرر الوطني، والحق في التعليم والصحة والعمل والسكن والمرأة والضمان وحرية الكلمة والتعبير.. ناضل من أجل وحدة لبنان وعروبته وتطوره الديمقراطي.. ثم قاوم المحتل الصهيوني وحرر أرضه إلى جانب هذا الشعب.

لقد جسد هذا الحزب بمسيرته فلسفه نضاله بالفكر العلمي والممارسة الوطنية ومن موقعه الطبقي ودوره الوطني ناضل وقاوم ضد اشكال الايديولوجيات الفكرية والسياسية البرجوازي الطائفية والعدمية والتبعية والرجعية والسلفية والتكفيرية وكل محاولات تحريف الصراع عن مساره الطبقي.

اليوم، ومع مناسبة الذكرى ال96 لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني، فإن البلاد تشهد أخطر مرحلة في تاريخها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتربويا وصحيا وتدخلا خارجيا بالجملة، مع استمرار سيطرة نظام سياسي تبعي ينخره الفساد وتحتل المحاصصات الطبقية والطائفية سلم أولوياته فيما البلد مفلس والديون باطنان الدولارات.. وإقتصاد ريعي التهمت المصارف والطغمة المالية الاخضر واليابس.. ومرفأ محروق، وعمل غير موجود، وبطالة غير مسبوقة، وغلاء لا يطاق، ودولار يحلق أسرع من صاروخ، ليرة تغرق في بحر فساد السلطة واحزابها ونظامها ومافياتها... رغم كل ذلك، فإن الانتفاضة الشعبية التي شكلت قاعدة متجددة للإنطلاق نحو إسقاط هذا النظام يجب أن تنضح بالخطة والبرنامج والقيادة من أجل إكمال مهامها الوطنية لبناء الوطن الديمقراطي العلماني المقاوم.

التحديات خطيرة جداً، من مسلسل التطبيع والمفاوضات مع العدو الصهيوني، إلى شروط صندوق النقد الدولي (الاميركي – الفرنسي – النفطي)، إلى مشروع الشرق الاوسط الجديد، و"صفقة القرن" وتصفية القضية الفلسطينية ومعها تصفية كل قوى التغيير الحقيقي المناضلة ضد إنظمة البؤس والتخلف والاستبداد العربية.

قد يتقدم الحزب حيناً، أو قد يتراجع حيناً آخر، لكن هذا الحزب لا يمكن أن يعرف السكون أو الهدوء في نضاله. لن يحيد عن مبادئه وثوابته وقيمه، ولن يتراجع عن مواقفه الفكرية والسياسية الوطنية والطبقية وعن استقلاليته، ولن ينكث بعهد الوفاء لشهداء النضال الديمقراطي وجبهة المقاومة الوطنية.. وسيبقى حزبا للحاضر والمستقبل من أجل وطن حر وشعب سعيد.

ستة وتسعون وردة حمراء للشهداء. وتحية لكل الرفيقات والرفاق.