بصدد النضال فى المدينة والريف – مقتطف 7 من - تعميقا لدحض أهمّ ترّهات حزب العمّال التونسي الخوجيّة الواردة في- الماوية معادية للشيوعية - - الجزء الثاني من الكتاب الأوّل من ثلاثيّة - حفريّات في الخطّ الإيديولوجي والسياسي التحريفي و الإصلاحي لحزب العمّال [ البرجوازي ] التونسي -


ناظم الماوي
2020 / 10 / 26 - 22:47     

لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية !
و الروح الثوريّة للماوية المطوَّرة اليوم هي الخلاصة الجديدة للشيوعيّة – الشيوعيّة الجديدة
( عدد 38 - 39 / أفريل 2020 )
ناظم الماوي

ملاحظة : الثلاثيّة بأكملها متوفّرة للتنزيل بنسخة بى دى أف من مكتبة الحوار المتمدّن .

تعميقا لدحض أهمّ ترّهات حزب العمّال التونسي الخوجيّة الواردة في" الماوية معادية للشيوعية "

------------
(7)

دحض الترّهات الخوجيّة بصدد النضال فى المدينة والريف


فى إطار سعيهم المحموم للهجوم المسعور على الماويّة ، لم يستبعد الخوجيّون المفضوحون منهم و المتستّرون أيّ أسلوب مهما كان معاديا للمنهج العلمي و للمادية الجدلية اللذان يدّعون تبنّيهما. هذا ما إتّضح لنا ممّا سبق التطرّق له و ممّا سنعالج فى المسألة المثارة هنا .

و كالعادة ينقل الخوجيّون ، البعض مباشرة و دون مداورة و البعض الآخر بدون ذكر المصدر، عن أنور خوجا و كتابه " الإمبريالية و الثورة " السيء الصيت . فمثلا الإستشهاد 86 الوارد ب " الماويّة معادية للشيوعيّة " يعيد حرفيّا ما جاء على لسان خوجا بالصفحة 444 حيث قال :

" ...بإمكان الريف الثوري محاصرة المدن ... يجب أن يلعب العمل فى الريف الدور الرئيسي فى الحركة الثورية الصينية و يحتلّ العمل فى المدينة دورا ثانويا ".

و يأتى بعد الخوجييّن المفضوحين الخوجيّون المتستّرون أصحا ب" هل يمكن أن نعتبر ماو تسى تونغ ماركسيا -لينينيا ؟ " ليكرّروا كالببغاء فى " بحثهم" هذه الفكرة ذاتها في الصفحة 31 :

" تجدر الإشارة إلى أن تركيبة الحزب الشيوعي الصيني قد غلب عليها العنصر البرجوازي الفلاحي، و البرجوازي الصغير منذ رئاسة ماو له فى 1935 و قد أدى هذا إلى التخلي عن الدور القيادي للطبقة العاملة و تكريس ما سمي " بتطويق المدينة بالريف " فهمّش دور البروليتاريا النضالي و أصبحت رافدا من روافد الفلاّحين عوض أن تضطلع بالدور القيادي فى المدينة و فى الريف معا."

1- دغمائيّة خوجيّة :

مكوّن من المكوّنات الأساسيّة لتفكير الخوجيّين يتمثّل فى خلط الأوراق فيما يتعلّق بالفروقات بين البلدان الإمبريالية و البلدان شبه المستعمرة فيلجؤون إلى مقارنة مقولات لينين الخاصة بواقع البلدان الإمبريالية بمقولات ماوتسى تونغ الخاصة بواقع الصين المستعمرة وشبه المستعمرة وشبه الإقطاعية و بالتالي المختلف نوعيّا . إنّما دغمائيّتهم هي التى تهمل الواقع الملموس و تنقلب على الفهم السليم للماركسية - اللينينية لا كعقيدة جامدة بل كمرشد عمل متطوّر أبدا يعين على فهم الواقع و تغييره إنطلاقا من الخصوصيّات فى علاقة جدليّة بالمبادئ العامة ، ذلك أنّ الحقيقة المطلقة و الحقيقة النسبيّة فى علاقة جدليّة و كذلك الشأن بين الخاص و العام . و العلاقة الجدليّة التى هي هنا وحدة أضداد أو تناقض تعنى ضمن ما تعنيه تحوّل الخاص إلى عام و تحوّل العام إلى خاص فى ظروف محدّدة .

و عندما نؤكّد أنّ طريقة حلّ تناقض أمم و شعوب مضطهَدة فى أشباه المستعمرات / إمبريالية مختلفة عن طريقة حلّ تناقض راس مال /عمل داخل الدول الإمبريالية فنحن نطبّق الماديّة الجدليّة و مفادها في هذا الشأن " إن التناقضات المختلفة من حيث النوع لا يمكن أن تحلّ إلاّ بطرق مختلفة نوعيّا . مثال ذلك أنّ التناقض بين ابروليتاريا و البرجوازية يحل بطريقة الثورة الإشتراكية و التناقض بين جماهير الشعب الغفيرة و النظام الإقطاعي يحلّ بطريقة الثورة الديمقراطيّة ، والتناقض بين المستعمرات و الإمبريالية يحلّ بطريقة الحرب الوطنية الثورية ..."

( ماو تسى تونغ ، " فى التناقض "، آب 1937؛ " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد الأوّل )

و عن علاقة الخاص بالعام و النسبيّ بالمطلق ، قال لينين :

" ...فما هو خاص هو عام ... و هكذا تكون الأضداد ( الخاص... والعام ) متماثلة : فالخاص غير موجود إلاّ فى العلاقة التى تؤدّى إلى العام . و العام غير موجود إلاّ فى الخاص ،عبر الخاص . كلّ عنصر خاص له طابعه العام ( بهذه الصورة أو تلك). و كلّ عام هو جزء أو جانب أو جوهر من الخاص . و كلّ عام لا يشمل جميع الأشياء الخاصة إلاّ على وجه التقريب. و كلّ عنصر خاص لا يشترك تمام الإشتراك فى العام . إلخ إلخ .. كلّ عنصر خاص يرتبط عبر آلاف الدرجات الإنتقاليّة بعناصر خاصة من طبيعة أخرى ( أشياء ، ظاهرات ، تفاعلات) إلخ " .

( " حول الديالكتيك "، ضمن كتاب " ماركس إنجلز ، الماركسية " دار التقدّم ، موسكو )


2- " محاصرة المدن إنطلاقا من الأرياف " فى الصين المستعمرة و شبه المستعمرة و شبه الإقطاعية :

" إنّ وجود أعداء من هذا النوع يطرح مشكل القواعد الثوريّة . ستبقى المراكز المدينيّة زمنا طويلا تحت إحتلال الإمبرياليّة العالميّة و حلفائها الرجعيّين الصينيّين . و إذا أرادت القوى الثوريّة ألاّ تجنح إلى الحلول السهلة من الإمبريالية و عملائها . لكنّها مصمّمة على مواصلة الكفاح إذا أرادت لنفسها أن تنمو و يصحّ عودها إذا كانت تنوى تجنّب المعركة الحاسمة ضد عدوّ قويّ طالما لم تصبح بالحجم الذى يخوّل لها خوضها . ينبغى عليها أن تجعل من الرّيف المتخلّف قاعدة صلبة . تكون فى طليعة التطوّر معقلا عسكريا و سياسيا و إقتصاديا و ثقافيا مقاومة عدوّ ضار يستعمل المدن لمهاجمة الجهات القرويّة لذلك جعل الثورة تنتصر خطوة خطوة فى كلّ البلاد عبر صراع طويل الأمد".

هذا ما نطق به كتاب " الماويّة معادية للشيوعيّة " على أنّه إستشهاد ( عدد 87) بآراء ماو المعبّرة عن مروقه عن الماركسية - اللينينية و إنحرافه عنها . و إعتبارا لكوننا لا نكلّ من تقصّى الحقيقة بدقائق جزئياتها ، نجد نفسنا فى حاجة إلى العودة إلى ماو نفسه لنستوعب ما ينبغى إستيعابه من الحيثيّات و التعليلات و الحقائق و الدلائل الدامغة التى تثبت مدى سداد رؤية ماو و ثوريّتها و تدين بلا أدنى ظلّ للشكّ الخوجيّين . فلننصت له يشرح بنفسه خطّه الفكري فى هذا الصدد :

" و هكذا يتّضح لنا أيضا أن أعداء الثورة الصينية أقوياء جدّا . وهم لا يضمّون الإمبرياليّة القويّة و القوى الإقطاعيّة القويّة فحسب ، بل يدخل فى عدادهم أيضا ، فى بعض الأحيان ، الرجعيّون البرجوازيّون الذين يعادون الشعب بالتواطؤ مع الإمبريالية و القوى الإقطاعية . و بالتالي ، فإنّ فكرة الإستهانة بقوّة أعداء الشعب الصيني الثوري لهي فكرة غير صحيحة .

و إزاء أعداء كهؤلاء ، لا يمكن للثورة الصينيّة إلاّ أن تكون طويلة الأمد وضارية . و نظرا لقوّة أعدائنا الهائلة ، لا يمكن للقوى الثوريّة أن تتجمّع و يتصلّب عودها حتّى تصبح قوّة قادرة على سحق الأعداء بصورة نهائيّة إلاّ بعد أن تجتاز فترة طويلة من الزمن . و نظرا لأنّ أعداءنا يقمعون الثورة الصينيّة بضراوة نادرة ، فإنّ القوى الثوريّة لن تستطيع الصمود فى مراكزها ناهيك عن إنتزاع مراكز العدوّ إذا لم تشحذ عزيمتها و تظهر صلابتها . و بالتالي فإنّ وجهة النظر التى ترى أن القوى الثورية فى الصين يمكن تشكيلها فى رمشة عين و أنّ نضال الصين الثوريّ يمكن أن ينتصر بين ليلة و ضحاها ، لهي وجهة نظر غير صحيحة .

إزاء أعداء كهؤلاء ، يصبح فى حكم المؤكّد أنّ الوسيلة الرئيسيّة أو الشكل الرئيسي للثورة لا يمكن أن تكون سلميّة ، بل يجب أن تكون مسلّحة . ذلك لأنّ أعداءنا حرموا الشعب الصيني من إمكانيّة القيام بالنشاطات السلميّة و جرّدوه من جميع الحرّيات السياسيّة . لقد قال ستالين :

" فى الصين ، تكافح الثورة الصينيّة المسلّحة ضد الثورة المضادة المسلّحة . تلك هي إحدى خصائص الثورة الصينيّة و إحدى مميّزاتها ." إنّ هذه الصيغة فى غاية الصواب ، و لذلك فإنّ فكرة الإستهانة بالنضال المسلّح و الحرب الثوريّة و حرب العصابات و أعمال الجيش لهي فكرة غير صحيحة .

إزاء أعداء كهؤلاء ، واجهنا مسألة القواعد الثوريّة أيضا . و بما أنّ الإمبريالية القويّة و حليفها القوى الرجعيّة فى الصين ظلّت تحتلّ لمدة طويلة مدن الصين الرئيسيّة ، فلا بدّ للصفوف الثوريّة أن تحوّل المناطق الريفيّة المتأخّرة إلى قواعد متقدّمة متوطّدة ، إلى مواقع ثوريّة كبرى فى الميادين العسكريّة و السياسيّة و الإقتصاديّة و الثقافيّة ، تعتمد عليها فى النضال ضد أعدائها الشرسين الذين يهاجمون المناطق الريفيّة بالإستناد على المدن ، و فى كسب النصر الكامل للثورة تدريجيّا و خلال قتال طويل الأمد ، و ذلك إذا كانت تأبى المهادنة مع الإمبريالية و عملائها ، بل تصمّم على متابعة النضال ، و إذا كانت تنوى أن تكدّس قواها و تصلّب عودها ، و تتجنّب المعارك الحاسمة مع عدوّ قويّ قبل أن تملك القوّة الكافية لذلك . و فى الحال ، و بسبب التطوّر المتفاوت للإقتصاد الصيني ( الذى ليس إقتصادا رأسماليّا موحّدا ) ، وبسبب إتّساع الأرض الصينيّة ( حيث تجد القوى الثوريّة مجالا واسعا للمناورة ) ، و بسبب أنّ المعسكر المعادي للثورة فى الصين منقسم على نفسه و مليئ بالتناقضات ، و أن نضال الفلاّحين الذين هم القوّة الرئيسيّة فى الثورة الصينيّة يجرى تحت قيادة حزب البروليتاريا - الحزب الشيوعي ، فإنّ من الممكن أن تنتصر الثورة الصينيّة أوّلا فى المناطق الريفيّة، هذا من جهة ، و لكن ، من جهة أخرى ، سوف يسبّب ذلك تفاوتا فى تطوّرات الثورة ممّا يجعل مهمّة كسب النصر التام فيها مهمّة طويلة الأمد و شاقة . و عليه ، يصبح جليّا أنّ النضالات الثوريّة الطويلة الأمد فى هذه القواعد الثوريّة هي ، بصورة رئيسيّة ، حرب عصابات يخوضها الفلاّحون تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني . وبالتالي ، فإنّ وجهات النظر التى تهمل إستخدام المناطق الريفيّة كقواعد ثوريّة ، و التى تهمل القيام بالعمل الشاق الدؤوب بين الفلاّحين ، و التى تهمل حرب العصابات ، لهي جميعا وجهات نظر غير صحيحة .

على أنّ التشديد على أهمّية النضال المسلّح لا يعنى أنّه يجوز لنا الإعراض عن النضال بالأشكال الأخرى ، بل الأمر على النقيض من ذلك ، فإنّ النضال المسلّح لا يمكن أن ينتصر إذا لم تدعمه نضالات بأشكال أخرى . كما أنّ إيلاء إهتمام خاص للعمل فى القواعد الريفيّة لا يعنى أنّه يجوز لنا التخلّى عن عملنا فى المدن و فى المناطق الريفيّة الواسعة الأخرى التى لا تزال تحت سيطرة العدوّ ، بل الأمر على النقيض من ذلك ، إذ أنّ قواعدها الريفيّة ستصبح معزولة و أنّ الثورة ستتعرّض للهزيمة إذا لم نقم بالعمل فى المدن و فى المناطق الريفيّة الأخرى . و فضلا عن ذلك ، فإنّ الهدف النهائي للثورة هو الإستيلاء على المدن التى تشكّل القواعد الرئيسيّة للعدوّ، فلا يمكننا بلوغ هذا الغرض إذا لم نقم بما يكفى من عمل فى المدن."

( ماو تسى تونغ ، " الثورة الصينية و الحزب الشيوعي الصيني" ، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 2، الصفحة 435-438 )

فهل فى ما قرأنا و قرأتم شيئا يخالف التحليل الملموس للواقع الملموس و للماركسية - اللينينية. لاشيئ بالتأكيد و إنّما بالعكس يبرز التحليل الماوي المادي الجدلي العلمي متألّقا و خلاّقا فى التعامل مع الواقع المختلف على أكثر من صعيد عنه فى روسيا و فى حلّ التناقضات المختلفة بطرق مختلفة ممّا سيسمح بتطوير الماركسية - اللينينية وليس ماو بل الخوجيّون هم الذين يديرون ظهرهم لستالين و للأمميّة الثالثة اللّذان أكّدا على خصوصيّات الصين و منها كما قال ستالين : " فى الصين ، تكافح الثورة الصينية المسلحة ضد الثورة المضادة المسلّحة . تلك هي إحدى خصائص الثورة الصينية و إحدى مميزاتها ". و الخوجيّون هنا لا يتنكّرون لتنظيرات و ممارسات الشيوعيّين الماويّين الصينيّين و الأمميّة الثالثة و ستالين و حسب و إنّما يتنكّرون حتّى لتنظيرات و ممارسات الثورة الألبانيّة عينها حيث إضطرّ حزب العمل هناك إلى تنظيم حرب أنصار خارج المدن أي فى الريف و من هنالك عزّز نفسه ثم حاصر المدن و زحف عليها و لم يفعل ذلك إلاّ بعد ضمان القدرة على خوض المعركة الحاسمة التى أعد لها لسنوات من النضال الشاق . و للتأكّد من ذلك يكفى إلقاء نظرة على كتابين ألبانيّين هما " حرب الأنصار فى ألبانيا " لمحمد شيخو ، دار الطليعة ، بيروت و " تاريخ حزب العمل الألباني "، الطبعة الفرنسيّة.

3- النضال فى المدن أثناء الثورة الديمقراطيّة الجديدة الصينيّة :

بداية نعيد التذكير بما ورد أعلاه ضمن الإستشهاد بما قال ماو تسى تونغ :

-أ- " على أنّ التشديد على أهمّية النضال المسلّح لا يعنى أنّه يجوز لنا الإعراض عن النضال بالأشكال الأخرى ، بل الأمر على النقيض من ذلك ، فإنّ النضال المسلّح لا يمكن أن ينتصر إذا لم تدعمه نضالات بأشكال أخرى . كما أنّ إيلاء إهتمام خاص للعمل فى القواعد الريفيّة لا يعنى أنّه يجوز لنا التخلّى عن عملنا فى المدن و فى المناطق الريفيّة الواسعة الأخرى التى لا تزال تحت سيطرة العدوّ ، بل الأمر على النقيض من ذلك ، إذ أنّ قواعدها الريفيّة ستصبح معزولة و أنّ الثورة ستتعرّض للهزيمة إذا لم نقم بالعمل فى المدن و فى المناطق الريفيّة الأخرى. و فضلا عن ذلك، فإنّ الهدف النهائيّ للثورة هو الإستيلاء على المدن التى تشكّل القواعد الرئيسيّة للعدوّ ، فلا يمكننا بلوغ هذا الغرض إذا لم نقم بما يكفى من عمل فى المدن . "

( " الثورة الصينية و الحزب الشيوعي الصيني"،" مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 2 ، الصفحة 435-438)

-ب- " و عندما يحين الحين لشنّ الإنتفاضة و الحرب ، يجب الإستيلاء على المدن أوّلا ثم الزحف على الريف ، و ليس العكس . و على هذا النحو عملت الأحزاب الشيوعيّة فى الدول الرأسماليّة كما أثبتت ثورة أكتوبر ( تشرين الأوّل) فى روسيا صحّة ذلك...

كلّ ذلك يبيّن الفرق بين الصين و الدول الرأسماليّة . فالحرب هي الشكل الرئيسيّ للنضال فى الصين ، كما أنّ الجيش هو الشكل الرئيسي للتنظيم . أمّا الأشكال الأخرى ، كتنظيمات الجماهير الشعبيّة و نضالاتها ، فهي أيضا ذات أهمّية بالغة و لا يمكن الإستغناء عنها أو تجاهلها فى أيّ حال من الأحوال ، إلاّ أنّ الغرض منها هو خدمة الحرب ."

( ماو تسى تونغ ، نوفمبر 1938 ،" قضايا الحرب و الإستراتيجيا "، مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 2، الصفحة 305-306)

ثمّ نضيف أنّ ماو أعطي المدن مرحليّا ، فى عشرينات القرن العشرين و ثلاثيناته ، دورا ثانويّا مع أنّها تبقى محدّدة دونها " الثورة ستتعرّض للهزيمة " والنضال فيها له " أهمّية بالغة و لا يمكن الإستغناء "عنه أو " تجاهله فى أيّ حال من الأحوال ." و الماديّة الجدليّة تعلّمنا أنّ الثانوي و الرئيسي وحدة أضداد/ تناقض فى ظروف معيّنة يتحوّل الرئيسيّ إلى ثانوي و الثانويّ إلى رئيسي و هذا ما حصل فى الصين خلال السيرورة الثوريّة الديمقراطيّة الجديدة .

لقد حدّد ماو مقولة محاصرة المدن إنطلاقا من الأرياف على أساس ظروف ماديّة معيّنة هي بإختصار قوّة العدوّ المسلّح و ضعف معسكر الثورة المسلّحة و تجنّب مرحلي ل" المعركة الحاسمة " و الإعداد لها على الأمد الطويل طالما لم تصبح القوى الثوريّة بالحجم الذى يسمح لها بخوضها .

و فعلا بفضل النضال و التضحيات الجسام لسنوات مديدة تناقصت قوّة العدوّ التى إبتلعها الجيش الأحمر شيئا فشيئا و تنامت قوّة الثورة المسلّحة فتغيّرت المقولة فصارت فى أفريل 1944، أي خمس سنوات قبل الإنتصار الشامل للثورة الديمقراطية الجديدة : " يجب علينا...أن نرفع العمل فى المدن إلى نفس المكانة الهامة التى يحتلّها العمل فى مناطق القواعد".

( ماو تسى تونغ ،" دراستنا و الوضع الحالي " ، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 3 ، الصفحة 234)

و عندما أمسى بإمكان القوى الثوريّة خوض المعركة الحاسمة فى فيفري 1949 ، قبل ثمانية أشهر من الإنتصار الشامل ، كتب معلّم البروليتارية الصينيّة و العالميّة : " إنّ الصيغة المتّبعة فى ال20 عاما الأخيرة " الأرياف قبل المدن " تقلب من الآن فصاعدا و تبدّل بصيغة " المدن قبل الأرياف ".

( ماو تسى تونغ ، " لنجعل الجيش فرقة عمل " ، مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 4، الصفحة 431)

و إنتصرت الثورة الصينيّة الديمقراطية الجديدة بقيادة البروليتاريا و حزبها الشيوعي الصيني و على رأسه ماو مقدّمة طريقا جديدا فرضه وضع الثورة فى أشباه المستعمرات كتيّار ثانى للثورة البروليتارية العالميّة ، و تيّارها الأوّل يتّبع فى البلدان الإمبرياليّة طريق ثورة أكتوبر أي إنتفاضة متبوعة بحرب أهليّة . هذا ما يثبته تاريخ البروليتاريا العالميّة الذى ينكره بفجاجة ما بعدها فجاجة المثاليّون الدغمائيّون التحريفيّون الخوجيّون بجميع أرهاطهم.

4- الخوجيون يعيدون إحياء خط دغمائي فشل تاريخيا :

بهجومهم الدغمائي التحريفي على خصوصيّة الثورة الصينيّة كثورة ديمقراطية جديدة مختلفة عن الثورة الإشتراكية البلشفية، يحيى الخوجيّون الرؤى الدغمائيّة التى ناضل ماو و ستالين و الأممية الثالثة ضدّها و دحضها ماو على طول المقتطف السابق ( " وجهات النظر التى تهمل إستخدام المناطق الريفيّة كقواعد ثوريّة ، و التى تهمل القيام بالعمل الشاق الدؤوب بين الفلاّحين ، و التى تهمل حرب العصابات ، لهي جميعا وجهات نظر غير صحيحة " ).

تاريخيّا ، داخل الحزب الشيوعي الصيني ، هيمن خلال أربعة أشهر ، إلى جوان 1930، خطّ إنتهازي سمي " خطّ لي لي سان " ، العنصر الذى كان حينذاك الأكثر تأثيرا داخل اللجنة المركزيّة . و كان ممثّل هذا الخطّ لي لي سان يتجاوز السياسة التى حدّدها مؤتمر الحزب فكان ينكر ضرورة إعداد الجماهير للثورة و التطوّر اللامتكافئ للثورة فى الصين و كان يعارض أشدّ ما تكون المعارضة مقترحات ماو حول الإعتناء لمدّة طويلة رئيسيّا بإرساء قواعد إرتكاز فى الريف للإسراع فى تقدّم حركة الثورة فى كلّ البلاد و كان لي لي سان ينعت أفكار ماو بأنّها " جهويّة و فكر محافظ من الأكثر خطلا نابع من عقليّة فلاحيّة "( وهو ما أخذه عنه خوجا ، الصفحة 443 من " الإمبرالية و الثورة " و ردّده بعده كالببّغاوات الخوجيّون المفضوحون منهم و المتستّرون ). و دافع بإستماتة عن الإعداد السريع للإنتفاضة المسلّحة عبر البلاد قاطبة و كان لا يعترف بالطابع الطويل الأمد لحرب الشعب و الثورة الديمقراطية الجديدة و يروّج إلى أنّ الإنتصارات الأولى للثورة فى واحدة أو أكثر من المقاطعات تعلن منعطف المرور إلى الإشتراكية ( وهي أفكار أساسيّة لدى الخوجيّين) .

و عليه صاغ و فرض عدّة إجراءات مغامراتيّة و يسراويّة أدّت إلى فتح صراع داخل الحزب إنتهى فى سبتمبر 1930 ، إثر الإجتماع الثالث للجنة المركزية للمؤتمر السادس ، إلى أن إعترف لى لى سان بخطئه و إلى إبعاده من قيادة اللجنة المركزيّة . و رغم ذلك أعيدت الأخطاء ذاتها تقريبا على أيدى عناصر أخرى منهم تشان تشاو يو ، و وانغ مينغ ، و تسنغ بنغ سيان و آلياس بو كو ، الذين عارضوا الإجراءات التى إتّخذها الإجتماع المذكور أعلاه . فخيض معها صراعا مبدئيا و حاسما طوال أربع سنوات إنتهى فى جانفى 1935 خلال إجتماع المكتب السياسي للجنة المركزية فى تسوو نيى بهزيمة الإنتهازيّين و إنتخاب قيادة جديدة على رأسها ماو تسى تونغ .

و عسكريّا ، نجمت عن هذا الخطّ الإنتهازي للى لى سان مآسي عدّة : خسارة ما يقارب التسعين بالمائة من عناصر الحزب الشيوعي و الجيش الأحمر و تعرّض عشرات الملايين من الصينيّين فى القواعد الثوريّة إلى القمع الوحشيّ للكومنتنغ . و فى أفريل 1945 ، صادق الإجتماع السابع للجنة المركزيّة للمؤتمر السادس للحزب الشيوعي الصيني على " مقرّرات حول بعض المسائل التاريخية " وهي وثيقة نقديّة ضد الإنحراف الدغمائيّ أو الإنتهازيّة اليسراويّة .

و بينما إعترف لى لى سان بخطإ توجّهه و أثبت الواقع و دلّلت الممارسة مرارا مدى الأذى الذى ألحقه بالثورة و أدّت الصراعات إلى دفن هذا التوجّه الإنتهازي ، يأتى الخوجيّون بعد عقود ليبعثوا فيه الحياة وهو رميم و ليجعلوا منه الخطّ الماركسي - اللينتيني الذى عنه حاد ماو ! و هكذا بدغمائيّة فجّة يجد الخوجيّون أنفسهم يزوّرون التاريخ و يحلّون أمانيهم محلّ وقائعه فهنيئا لهم بماركسيّتهم – اللينينيّة هذه التي لا تمتّ بصلة لعلم الشيوعيّة !

5- الفرق بين الإستراتيجيا العسكريّة فى بلد إمبريالي و فى بلد شبه مستعمر شبه إقطاعي :

و حتّى نبيّن بأكبر قدر من الجلاء مدى هشاشة الخطّ الإيديولوجي و السياسي اللّذان يقودان الخوجيّين المفضوحين منهم و المتستّرين نعطى الكلمة من جديد لماو ليحلّل " خصائص الصين و الحرب الثوريّة " و يشرح الإختلافات النوعية ( لا في " الدرجة " كما يقول أنور خوجا فى " الإمبريالية و الثورة " و حزب العمّال " الشيوعي " التونسي فى برنامجه و " الوطنيّون الديمقراطيّون الماركسيون-اللينينيون فى مشروع برنامجهم ) بين النضال و الثورة فى البلدان الإمبرياليّة و النضال و الثورة فى المستعمرات و أشباه المستعمرات أو المستعمرات الجديدة :

" إن إنتزاع السلطة بواسطة القوّة المسلّحة ، و حسم الأمر عن طريق الحرب ، هو المهمّة المركزيّة للثورة و شكلها الأسمى . و هذا المبدأ الماركسي- اللينيني المتعلّق بالثورة صالح بصورة شاملة ، صالح للصين و لغيرها من الأقطار على حد سواء. إن المبدأ سيبقى هو ذاته إلاّ أنّ الأحزاب البروليتاريّة التى تعيش فى ظروف مختلفة تطبّقه بصورة مختلفة تبعا لإختلاف الظروف . فظروف الدول الرأسماليّة ، حين لا يسودها الحكم الفاشستي أو لا تكون فى حالة حرب ، هي : فى داخل البلاد لم يعد للنظام الإقطاعي وجود ، فالنظام المطبّق فيها هو النظام الديمقراطي البرجوازي، و فى المجال الخارجي لا تعانى هذه الدول الإضطهاد القومي ، بل هي التى تضطهِد أمما أخرى . و نظرا لهذه الخصائص ، فإنّ مهمّة الأحزاب البروليتاريّة فى الدول الرأسماليّة هي تثقيف العمال و تجميع القوى عبر فترة طويلة من النضال الشرعي إستعدادا للإطاحة بالرأسماليّة نهائيا . فالمسألة فى هذه الدول هي مسألة شنّ نضال شرعي طويل الأمد ، والإستفادة من منبر البرلمان، و القيام بالإضرابات الإقتصاديّة و السياسيّة ، و تنظيم النقابات و تثقيف العمّال . و أشكال النضال غير دامية ( أي غير حربيّة ). إنّ الأحزاب الشيوعيّة فى الدول الرأسماليّة ، فيما يتعلّق بمسألة الحرب ، تعارض الحروب الإمبرياليّة التى تشنّها بلدانها ، فإذا ما نشبت مثل هذه الحروب ، فإنّ سياسة هذه الأحزاب هي السعي لهزيمة الحكومات الرجعيّة القائمة فى بلدانها . و إنّ الحرب الوحيدة التى تريد هذه الأحزاب خوضها هي الحرب الأهليّة التى تعدّ لها العدّة . إلاّ أنّه يجب ألاّ تشنّ الإنتفاضة و الحرب الأهليّة قبل أن تصبح البرجوازية عاجزة بالفعل و قبل أن تعقد أغلبية البروليتاريا عزمها على القيام بالإنتفاضة المسلّحة و خوض الحرب ، و قبل أن تصبح جماهير الفلاّحين مستعدّة لتقديم المساعدة إلى البروليتاريا بمحض إرادتها . و عندما يحين الحين لشنّ الإنتفاضة و الحرب ، يجب الإستيلاء على المدن أوّلا ثمّ الزحف على الريف ، و ليس العكس . و على هذا النحو عملت الأحزاب الشيوعيّة فى الدول الرأسماليّة كما أثبتت ثورة أكتوبر ( تشرين الأول) فى روسيا صحّة ذلك .

بيد أنّ الأمر يختلف بالنسبة إلى الصين . فخصائص الصين هي أنّها ليست دولة ديمقراطية مستقلّة ، بل هي بلد شبه مستعمر و شبه إقطاعي لا يوجد فيه نظام ديمقراطي بل إضطهاد إقطاعي ، و لا يتمتّع فى علاقاته الخارجيّة بالإستقلال الوطني ، بل يتعرّض للإضطهاد من قبل الإمبرياليّة . و تبعا لذلك ، لا يوجد فى الصين برلمان نستطيع الإفادة منه ، و لا حقوق شرعيّة تسمح لنا بتنظيم العمّال من أجل الإضراب . فمهمّة الحزب الشيوعي هنا، من الناحية الأساسيّة ، ليست هي الإستيلاء على المدن أوّلا ، ثم إحتلال الريف، بل هي العمل على النقيض من ذلك .

و عندما لا تكون هناك هجمات مسلّحة من قبل الإمبرياليّة ، فإنّ مهمّة الحزب الشيوعي الصيني هي إمّا أن يخوض حربا أهليّة بالإشتراك مع البرجوازية ضد أمراء الحرب ( عملاء الإمبرياليّة ) ، مثل حرب قوانغدونغ و الحملة الشماليّة ، بين عام 1924 و عام 1927 ، إمّا أن يتّحد مع الفلاّحين و البرجوازية الصغيرة فى المدن لخوض حرب أهليّة ضد طبقة ملاك الأراضي و البرجوازية الكومبرادورية (عملاء الإمبريالية أيضا ) ، و مثال ذلك حرب الثورة الزراعية بين عام 1927 و عام 1936. أمّا حين تشنّ الإمبرياليّة هجمات مسلّحة على الصين ، فإنّ مهمّة الحزب هي أن يتّحد مع جميع الطبقات و الفئات داخل البلاد ، التى تقاوم المعتدين الأجانب لشنّ حرب وطنيّة ضد العدوّ الأجنبيّ ، كما هي الحال فى حرب المقاومة الراهنة ضد اليابان .

كلّ ذلك يبيّن الفارق بين الصين و الدول الرأسماليّة . فالحرب هي الشكل الرئيسيّ للنضال فى الصين ، كما أنّ الجيش هو الشكل الرئيسي للتنظيم . أمّا الأشكال الأخرى ، كتنظيمات الجماهير الشعبيّة و نضالاتها ، فهي أيضا ذات أهمّية بالغة و لا يمكن الإستغناء عنها أو تجاهلها فى أيّ حال من الأحوال ، إلاّ أنّ الغرض منها هو خدمة الحرب . إنّ الهدف من كلّ التنظيمات و النضالات قبل إندلاع الحرب ، هو الإستعداد للحرب ، كما كانت الحال خلال الفترة ما بين حركة 4 مايو ( أيار) 1919و حركة 30 مايو ( أيار )1925. أمّا بعد إندلاع الحرب ، فيجب أن تتعاون جميع التنظيمات و النضالات مع عمليّات الحرب بصورة مباشرة و بصورة غير مباشرة ، كما حدث خلال فترة الحملة الشماليّة حيث تعاونت كلّ التنظيمات و النضالات مع عمليّات الحرب بصورة مباشرة فى مؤخّرة الجيش الثوري و بصورة غير مباشرة فى المناطق الخاضعة لحكم أمراء الحرب الشماليّين . كذلك كان الأمر خلال مرحلة حرب الثورة الزراعيّة حيث تعاونت كلّ التنظيمات و النضالات مع عمليّات الحرب بصورة مباشرة فى المناطق الحمراء و بصورة غير مباشرة فى المناطق الأخري . و كذلك الحال بالنسبة للمرحلة الراهنة - مرحلة حرب المقاومة ضد اليابان ، حيث تتعاون كلّ التنظيمات و النضالات فى مؤخّرة القوّات المناهضة لليابان و فى المناطق التى يحتلّها العدوّ مع عمليّات الحرب بصورة مباشرة و غير مباشرة على التوالي .

" فى الصين تكافح الثورة المسلّحة ضد الثورة المضادة المسلّحة . تلك هي إحدى خصائص الثورة الصينيّة و إحدى مميزاتها ." إنّ إستنتاج الرفيق ستالين هذا صحيح تماما ، بالنسبة للحملة الشماليّة ، و حرب الثورة الزراعيّة ، و حرب المقاومة الراهنة ضد اليابان على حد سواء ."

( ماو تسى تونغ ، نوفمبر 1938 ،" قضايا الحرب و الإستراتيجيا "، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 2 ، الصفحة 303- 306)

منطلق ماو كما رأينا هو التحليل الملموس للواقع الملموس فلا يقدّم أطروحة إلاّ و يدعمها بمثال من واقع الصراع الطبقي الدائر رحاه على أرض الصين و عالميّا . و الفارق و الميزة التى إعترف بها ستالين و إعترفت بها الأمميّة الثالثة ليست بالمسألة الهيّنة و إنّما هي فارق فى الإستراتيجيا العسكريّة لنوعين مختلفين من البلدان بمعنى حلّ مختلف لتناقضات مختلفة. و مع ذلك تلخيص التجربة و الممارسة كمنبع للمعرفة لإستخلاص الدروس فى الإسترتيجيا العسكريّة فى خضم الحرب و في أتونها لم يجد القبول و الترحيب اللازم بالحقيقة التى وحدها هي الثورية بل لقد لاقى معارضة شديدة داخل الحركة الشيوعيّة العالميّة لا سيما من قبل التروتسكيّين مثلما لاقى معارضة دغمائيّة قويّة داخل الحزب الشيوعي الصيني كنّا فصلنا بعض نتائجها الوخيمة على الثورة أعلاه . و بعد عقود من فرض الحقيقة نفسها عقب صراع مرير يأتى الخوجيّون ليعيدوا الدفاع عن الأفكار الدغمائيّة البالية التى فنّدتها تجربة البروليتاريا العالميّة ، فى تناغم خوجي تام من جهة مع الأطروحات التروتسكيّة التى إلى اليوم لا ترى فرقا بين الثورة الوطنية الديمقراطية و الثورة الإ شتراكية و مهام كلّ منهما فى عالم رأسمالي فيه الإختلافات بين البلدان فى الدرجة فحسب لا فى النوع ؛ و تعارض لا أتمّ منه من جهة أخرى مع ستالين و الأمميّة الثالثة فحق على أتباع خوجا و أشياعه نعتهم بالدغمائيين - التحريفيين .

الأسلحة السحريّة الثلاثة نابعة من التجربة الميدانيّة و الممارسة العمليّة :

" يمكن القول بأنّ تاريخ حزبنا هو تاريخ النضال المسلّح . لقد قال الرفيق ستالين : " فى الصين تكافح الثورة المسلّحة ضد الثورة المضادة المسلّحة. تلك هي إحدى خصائص الثورة الصينيّة و إحدى مميّزاتها ". و هذا الكلام صحيح تماما . و إن هذه الخاصيّة المحدّدة للصين شبه المستعمرة هي الأخرى خاصيّة لم تعرف أو لم تعرف بهذا الشكل فى تاريخ الثورات التى قادتها أحزاب شيوعيّة فى البلدان الرأسماليّة. و هكذا توجد خاصيّتان أساسيّتان فى مجرى الثورة الديمقراطية البرجوازية الصينية : أولاهما أن تنشئ البروليتاريا جبهة وطنية متّحدة ثوريّة مع البرجوازيّة أو تضطر إلى فضّ هذه الجبهة ، و ثانيهما أنّ النضال المسلّح هو شكل الثورة الرئيسيّ. هنا لم نعتبر علاقات الحزب مع طبقة الفلاّحين أو مع البرجوازية الصغيرة فى المدن خاصيّة أساسيّة ، و ذلك يعود أوّلا إلى أنّ هذه العلاقات هي ، من حيث المبدأ ، نفس العلاقات التى تواجه الأحزاب الشيوعيّة فى أرجاء العالم ، و ثانيا إلى أنّه كلّما ذكرنا النضال المسلّح فى الصين قصدنا به فى الجوهر الحرب الفلاحية ، فالعلاقة الوثيقة بين الحزب و الحرب الفلاحيّة هي فى حد ذاتها العلاقة بين الحزب و الفلاّحين .

و بسبب هاتين الخاصيّتين الأساسيّتين ، بسببهما على وجه التحديد ، يسير بناء حزبنا و تبلشفه فى ظروف خاصة ...

و عليه فإنّ الجبهة المتّحدة و النضال المسلّح و بناء الحزب هي القضايا الأساسيّة الثلاث التى تواجه حزبنا فى الثورة الصينيّة . و الفهم الصحيح لهذه القضايا الثلاث و الروابط القائمة بينها هو بمثابة القيادة الصحيحة للثورة الصينيّة بأكملها . وقد أصبح فى مقدورنا أن نستخلص إستنتاجات صحيحة حول هذه القضايا الثلاث ، مستعينين بخبراتنا الزاخرة التى تمّ الحصول عليها خلال السنوات الثماني عشرة من تاريخ حزبنا ، هذه الخبرات الغنيّة العميقة المستقاة من الفشل و النجاح ، التراجع و التقدّم ، التقلّص و التوسّع . و هذا يعنى أنّه أصبح فى مقدورنا الآن أن نعالج قضايا الجبهة المتّحدة و النضال المسلّح و بناء الحزب معالجة صحيحة . و كذلك يعنى أن خبرات الثمانى عشرة سنة الماضية قد علّمتنا أنّ الجبهة المتّحدة و النضال المسلّح و بناء الحزب هي الأسلحة السحريّة الثلاثة للحزب الشيوعي الصيني ، أسلحته السحريّة الرئيسيّة الثلاثة لقهر أعداء الثورة الصينيّة . وهذا إنجاز عظيم للحزب الشيوعي الصيني و للثورة الصينيّة كذلك."

(ماوتسى تونغ، أكتوبر 1939- " تقديم لمجلة "الشيوعي" "، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 2، الصفحة 395-398)

جيش التحرير الشعبيّ مهامه و مميّزاته :

بدون جيش شعبي ، لن يكون هناك شيء للشعب - ماو تسى تونغ

بحكم أن، فى الثورة الديمقراطية الجديدة، الحرب هي الشكل الرئيسي للنضال و الجيش هو الشكل الرئيسي للتنظيم، أوكل ماو للجيش الأحمر فضلا عن مهام القتال مهام أخرى :

" الجيش الأحمر الصيني هو جماعة مسلّحة تؤدّى المهمّات السياسيّة للثورة و خصوصا فى الوقت الراهن ،لا يمكن بأيّ حال من الأحوال قصر مهمّة هذا الجيش على القتال وحده ، إذ تقع على عاتقه ، عدا مهمّة القتال من أجل سحق قوّة العدوّ العسكريّة ، مهمّات أخرى عظيمة الشأن ، هي القيام بالدعاية وسط الجماهير و تنظيمها و تسليحها و مساعدتها على إقامة سلطة الحكم الثوري و حتّى تأسيس منظّمات للحزب الشيوعي ."

( ديسمبر 1929 ، " حول تصحيح الأفكار الخاطئة فى الحزب " ، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 1، الصفحة 155 - التسطير منا )

" لدينا جيش للقتال و " جيش" آخر للعمل الإنتاجيّ . و فيما يتعلّق بجيش القتال فإنّ لدينا الجيش الثامن و الجيش الرابع الجديد ، إلاّ أنّه يجب على جيش القتال هذا أن يقوم بمهمّة مزدوجة هي القتال و الإنتاج . و بوجود هذين النوعين من الجيوش و بقدرة جيش القتال على أداء هاتين المهمّتين بالإضافة إلى قدرته على العمل الجماهيري ، سوف نستطيع أن نتغلّب على المصاعب و نقهر الإمبرياليّة اليابانيّة ".

( نوفمبر 1943، " إلى التنظيم "، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة "، المجلّد 3/ و" مقتطفات من أقوال ماو تسي تونغ"، الصفحة108 )

فى فيفري 1949 ، بعد أن إنتهت المعارك الكبرى إثر الحملات الكبرى الثلاث و تكبيد العدوّ ضربات قصمت ظهره، و الإستعداد لإفتكاك السلطة فى المدن الكبرى ، دعا ماو إلى جعل الجيش رئيسيّا فرقة عمل : " و الجيش ليس فرقة قتال فحسب وإنّما بصورة رئيسيّة فرقة عمل . و على جميع كوادر الجيش أن يتعلّموا الإستيلاء على المدن و إدارتها ، ينبغى لهم فى المدن أن يعرفوا جيّدا كيف يعاملون الإمبرياليّين و رجعيّى الكومنتنغ ، و كيف يعاملون البرجوازيّة و كيف يمارسون قيادة العمّال و تنظيم النقابات و تعبئة الشبيبة و تنظيمها و الإتّحاد مع كوادر المناطق المحرّرة الجديدة و تدريبهم و إدارة الصناعة و التجارة و إدارة المدارس و الجرائد و وكالات الأنباء ..."

( " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 4 ، الصفحة431-432 )

و بعد شهر ، فى مارس 1949 ، متحدّثا عن الجيش أكّد ماو " أنّ دوره كفرقة عمل سوف يزداد بقدر ما تقلّ العمليّات العسكريّة بالتدريج و هنالك إحتمال هو أن يتحوّل جيش التحرير الشعبي كلّه ، فى المستقبل غير البعيد، إلى فرقة عمل و علينا أن نضع هذا فى تقديرنا. إنّ 53 ألفا من الكوادر المستعدّين الآن للذهاب مع الجيش إلى الجنوب هم أبعد ما يكونون عن كفاية المناطق الجديدة الواسعة جدّا التى سوف نستولى عليها فى مستقبل قريب ، فعلينا أن نستعدّ لتحويل جميع الجيوش الميدانيّة البالغ عددها مليونين و مائة ألف رجل إلى فرقة عمل . وهكذا يصير عدد الكوادر كافيا ، و يمكن تطوير العمل فى المناطق الواسعة . علينا أن نتّخذ الجيوش الميدانيّة البالغ عددها مائة ألف رجل كمدرسة كبرى للكوادر."

( " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 4 ، الصفحة 460)

و نشدّد هنا على ثلاث من أهمّ ميزات جيش التحرير الشعبيّ الذى كان تحت إمرة ماتسى تونغ الا وهي :

1/ جيش ينجز المهام السياسية التى يحدّدها الحزب الشيوعي : " على الضباط و الجنود فى جيشنا كلّه أن يتذكّروا دائما أنّنا جيش التحرير الشعبي العظيم ، و أنّنا قوّات يقودها الحزب الشيوعي الصيني العظيم . ومن المؤكد أنّ النصر سيكون حليفنا إذا راعينا توجيهات الحزب فى كلّ وقت ".

( أكتوبر 1948، " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسى تونغ " ، الصفحة 109)

2/ تملك عناصر الجيش الأحمر وعيا طبقيّا متقدّما : " إنّ جميع جنود الجيش الأحمر قد أصبحوا واعين طبقيّا بعد التثقيف السياسي ، وعرفوا ضرورة توزيع الأرض و إقامة السلطة السياسيّة و تسليح العمّال و الفلاّحين و غير ذلك ، و أدركوا جميعا أنّهم يحاربون من أجل أنفسهم و من أجل الطبقة العاملة و طبقة الفلاّحين . و لهذا أصبح بوسعهم تحمل مشاق النضال المرير دون أي شكوى . وقد نظّمت فى كلّ سريّة أو كتيبة أو فوج لجنة للجنود تمثّل مصالحهم و تقوم بالعمل السياسي و الجماهيري " .

( " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 1، الصفحة 115)

3/ وهو جيش يسترشد " بثلاثة مبادئ أساسيّة هي : أوّلا ، مبدأ الوحدة بين الضبّاط و الجنود ، ويتحقّق ذلك عن طريق إستئصال شأفة النفوذ الإقطاعي فى الجيش ، و حظر شتم الجنود و ضربهم و بناء نظام واع ، و تقاسم السرّاء و الضرّاء معهم فى المعيشة ، و بنتيجة ذلك فإنّ الجيش بمجموعه يصبح متّحدا إتّحادا وثيقا . ثانيا ، مبدأ الوحدة بين الجيش والشعب ، و يتحقّق ذلك عن طريق تطبيق نظام دقيق فى التعامل مع الجماهير يحظر أي إعتداء على مصالحها ، و القيام بالدعاية بين الجماهير و تنظيمها و تسليحها ، و تخفيف الأعباء الماليّة عن كاهلها ، و تسديد الضربات للخونة و العملاء الذين يلحقون أضرارا بالجيش و الشعب ، و بفضل ذلك نجد الجيش متّحدا مع الشعب إتّحادا وثيقا ، و يلقى منه الترحاب فى كلّ مكان. ثالثا ، مبدأ تفكيك قوّات العدوّ و التساهل فى معاملة أسرى الحرب ."

( " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 2 ، الصفحة 68-69 )

6- لينين و ستالين بصدد الثورة فى المستعمرات و أشباه المستعمرات :

بما هم دغمائيّون تحريفيّون و تروتسكيّون في عدّة أطروحات يعمد الخوجيّون المفضوحون منهم و المتستّرون على الدوام إلى طمس الفرق بين الثورة فى البلدان الإمبريالية و الثورة فى المستعمرات و أشباه المستعمرات و يغيّبون عامدين خصوصيّات الثورة الصينية الديمقراطية الجديدة ضاربين عرض الحائط بتعاليم لينين و ستالين فى هذا المضمار.

لم يعش لينين ليشهد سيرورة الثورة الصينيّة فى أهم مراحلها لكنّه كمنظّر ماركسي شرع فى الإهتمام بالثورات فى بلدان الشرق المستفيقة كالإعصار بفضل ثورة أكتوبر المجيدة . و من أهمّ الأطروحات الأولى التى طوّرها لينين ما يلى :

فى تقرير فى المؤتمر الثاني لعامة روسيا للمنظمات الشيوعية لشعوب الشرق فى 22 نوفمبر 1919 ، ورد على لسانه الآتى ذكره :

" أنتم تمثّلون منظمات شيوعيّة و أحزابا شيوعيّة تنتسب لمختلف شعوب الشرق . و ينبغى لى أن أقل إنّه إذا كان قد تيسّر للبلاشفة الروس إحداث صدع فى الإمبريالية القديمة ، إذا كان قد تيسّر لهم القيام بمهمّة فى منتهى العسر وإن تكن فى منتهى النبل هي مهمّة إحداث طرق جديدة للثورة ، ففى إنتظاركم أنتم ممثّلى جماهير الكادحين فى الشرق مهمّة أعظم و أكثر جدّة ...

و فى هذا الحقل تواجهكم مهمّة لم تواجه الشيوعيّين فى العالم كلّه من قبل : ينبغى لكم أن تستندوا فى الميدانين النظري و العملي إلى التعاليم الشيوعيّة العامة و أن تأخذوا بعين الإعتبار الظروف الخاصة غير الموجودة فى البلدان الأوروبيّة كي يصبح بإمكانكم تطبيق هذه التعاليم فى الميدانين النظري و العمليّ فى ظروف يؤلّف فيها الفلاّحون الجمهور الرئيسي و تطرح فيها مهمّة النضال لا ضد رأس المال ، بل ضد بقايا القرون الوسطى . وهذه مهمّة عسيرة ذات طابع خاص ، غير أنّها مهمّة تعطى أطيب الثمرات ، إذ تجذب إلى النضال تلك الجماهير التى لم يسبق لها أن إشتركت فى النضال ، و تتيح لكم من الجهة الأخرى الإرتباط أوثق إرتباط بالأمميّة الثالثة بفضل تنظيم الخلايا الشيوعية فى الشرق . ينبغى لكم أن تجدوا أشكالا خاصة لهذا التحالف بين البروليتاريّين الطليعيّين فى العالم كلّه و جماهير الكادحين و المستثمَرين فى الشرق الذين غالبا ما يعيشون فى ظروف القرون الوسطى ...

هذه هي القضايا التى لا تجدون حلولا لها فى أيّ كتاب من كتب الشيوعيّة ، و لكنّكم تجدون حلولها فى النضال العام الذى بدأته روسيا . لا بدّ لكم من وضع هذه القضيّة و من حلّها بخبرتكم الخاصة و سيساعدكم فى ذلك من جهة التحالف الوثيق مع طليعة جميع الكادحين فى البلدان الأخرى ، ومن الجهة الأخرى ، معرفة التقرّب من شعوب الشرق التى تمثّلونها هنا . لا بدّ لكم أن تستندوا إلى القوميّة البرجوازيّة التى تستيقظ لدى هذه الشعوب و التى لا بدّ لها أن تستيقظ و التى لها مبرّر تاريخي و ينبغى لكم فى الوقت نفسه أن تشقّوا طريقكم إلى جماهير الكادحين و المشتثمَرين فى كلّ بلد من البلدان و أن تعلنوا لها باللغة التى تفهمها أنّه لا سبيل إلى الخلاص غير سبيل إنتصار الثورة العالميّة ، و أنّ البروليتاريا العالميّة هي الحليف الوحيد لجميع جماهير الكادحين و لمئات الملايين من المستثمَرين من شعوب الشرق .

هذه هي القضية التى تواجهكم ، وهي قضية ذات أبعاد غير عادية ..."

( لينين ، " حركة شعوب الشرق الوطنيّة التحرريّة " الصفحات 361-366، دار التقدم ، موسكو )

و لو أنّ الحزب الشيوعي الصيني حينذاك لم يتشكّل بعد فإنّه لمّا تأسّس عمل طبعا كمنظّمة ضمن الأمميّة الثالثة و وفق تلك التوجيهات التى تخص شيوعيّي الشرق كافة . و الصين أحد البلدان التى تتجلّى فيها بوضوح المميّزات التى ذكرها لينين :

-1-" الظروف الخاصة غير الموجودة فى بلدان أوروبا " ؛ و بكلمات ماو " خصائص الصين هي أنّها ليست دولة ديمقراطية مستقلّة ، بل هي بلد شبه مستعمر و شبه إقطاعي لا يوجد فيه نظام ديمقراطي بل إضطهاد إقطاعي ".

-2-" فى ظروف يؤلّف فيها الفلاحون الجمهور الرئيسي"؛ و بكلمات ماو : قوّة الفلاحين هي القوة الرئيسيّة للثورة الصينيّة.

-3-" تطرح فيها مهمّة النضال لا ضد رأس المال "؛ ما يساوى بكلمات ماو " حربة الثورة موجهة ضد الإمبريالية و الإقطاعية لا ضد الرأسمالية و الملكية الرأسمالية الخاصة "( " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 2، ص451).

-4-" لا بدّ لكم أن تستندوا إلى القوميّة البرجوازية التى تستيقظ لدى هذه الشعوب و التى لا بدّ لها أن تستيقظ و التى لها مبرّر تاريخي" ؛ " مهمة الثورة الصينية هي خوض ثورة وطنية و ثورة ديمقراطية " ( ماو، نفس المصدر السابق ).

-5- " لا سبيل إلى الخلاص غير سبيل إنتصار الثورة العالمية."؛ " إن ثورة الديمقراطية الجديدة هذه جزء من الثورة الإشتراكية العالمية " ( ماو ، نفس المصدر السابق).

ونهض الشيوعيّون الصينيّون و على رأسهم ماو بالمهمّة التى دعا إليها لينين، هذه المهمّة " الأعظم و الأكثر جدّة "، و " العسيرة ذات الطابع الخاص " و " وجدوا أشكالا خاصة " – حرب الشعب الطويلة الأمد و محاصرة الريف للمدينة و الأسلحة السحريّة الثلاثة - ف"حلّوا القضية ذات الأبعاد غير العادية " "بخبرتهم الخاصة ". و كانت "أطيب الثمرات " إنتصار الثورة الديمقراطية الجديدة التى خطّت طريقا جديدا للثورة فى المستعمرات و أشباه المستعمرات مثرية علم الثورة البروليتارية العالمية ثم جاءت الثورة الثقافية البروليتارية الكبري لتخط ّ طريقة و وسيلة لمواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا و من هنا تطوّرت الماركسية -اللينينية إلى مرحلة ثالثة جديدة و أرقى هي الماركسية - اللينينية - الماوية التي ما إنفكّت هي الأخرى ككلّ علم تتطوّر على يد الماويّين عبر العالم بعد وفاة ماو تسى تونغ سنة 1976.

و كتب ستالين المقال الذى سنعتمد ونعرب أجزاءا منه ،" مستقبل الثورة الصينية " فى 30 نوفمبر 1926 . فى الباب المفرد ل" طبيعة الثورة الصينية " ، إثر التأكيد على أنّها تختلف عن ثورة 1905(فما بالك بثورة أكتوبر ! )، متحدّثا عن خصوصيّات الثورة الصينيّة ، قال :

"- الخاصية الأولى تتمثّل فى أنّ الثورة الصينيّة ثورة ديمقراطيّة برجوازيّة و فى الوقت نفسه ثورة تحرّر وطني موجّهة ضد الهيمنة الإمبرياليّة الغربيّة على الصين ...

- الخاصيّة الثانية للثورة الصينيّة تتمثّل فى أنّ البرجوازية الوطنية الكبرى فى الصين ضعيفة جدّا بل بلا مقارنة أكثر ضعفا من البرجوازية الروسية لفترة 1905 ... ينبغى أن يستقرّ دور المبادر و القائد للثورة الصينيّة ، دور قيادة الفلاّحين الصينيّين بالضرورة بأيدي البروليتاريا الصينيّة و حزبها .

- و لا يجب نسيان أن الخاصيّة الثالثة للثورة الصينية تتمثّل فى أنّه إلى جانب الصين يوجد و يتطوّر إتّحاد سوفياتي بتجربته الثوريّة و بمساندته لا يمكنه إلاّ أن ييسّر نضال البروليتاريا الصينيّة ضد الإمبرياليّة و ضد بقايا إقطاعيّة القرون الوسطى فى الصين . "

و هكذا نلمس معا أنّ من هذه الميزات التى عددها ستالين ما تعيد تقريبا فى صيغة أخرى ما سبق و أن صرّح به لينين و ما يؤكّد بما لا يدع مجالا للشكّ أنّها ثورة من نوع جديد ، ثورة ديمقراطية جديدة كما سمّاها ماو تسى تونغ تختلف عن الثورات الديمقراطية البرجوازية السابقة و كذلك عن ثورة أكتوبر الإشتراكية وهو ما يشدّد على طمسه الدغمائيّون التحريفيّون الخوجيّون جميعا المفضوحون منهم و المتستّرون و التروتسكيّون .

ثم متطرّقا للجيش الثوري ، كتب ستالين :

" فى السابق ، فى القرون 18 و 19 ، كانت الثورات تتمّ بصفة عامة بإنتفاضة الشعب ، فى غالبيّته دون أسلحة أو بقليل منها و الذى كان يواجه جيشا من النوع القديم كان يحاول [ الشعب] تفكيكه أو على الأقلّ جلب جزء منه إلى جانبه . هذا هو الشكل الخاص بالإنفجارات الثوريّة فى الماضي . الشيء ذاته حَصل فى روسيا 1905. وفى الصين أخذت الأشياء منحى آخر. فى الصين تكافح الثورة المسلّحة ضد الثورة المضادة المسلّحة . تلك هي إحدى خصائص الثورة الصينيّة و إحدى مميزاتها..."

و يواصل :

" حسنا الآن ، من ذلك يستنتج أنّه على الشيوعيّين فى الصين أن يعيروا إهتماما خاصا للعمل داخل الجيش . أوّلا على الشيوعيّين أن يضاعفوا إلى أقصى حدّ العمل السياسي داخل الجيش و أن يتوصّلوا إلى أن يغدو الحامل الحقيقي و الأمثل لأفكار الثورة الصينيّة ... و ثانيا ، على الثوريّين الصينيّين و من ضمنهم الشيوعيّين أن يعملوا بكلّ ما أوتوا من جهد على دراسة الفن العسكري ".

" إنّ إستنتاج الرفيق ستالين هذا صحيح تماما " هكذا علّق ماو تسى تونغ على ملاحظة الرفيق ستالين حول " فى الصين تكافح الثورة المسلحة ضد الثورة المضادة المسلحة " أماّ عن " على الثوريّين الصينيّين و من ضمنهم الشيوعيين أن يعملوا بكل ما أوتوا من جهد على دراسة الفن العسكري " فيؤكّد التاريخ أنّ هذه من أوكد المهام و المشاكل التى واجهها الحزب الشيوعي الصيني فى خوضه غمار الصراع الطبقي المسلّح لأكثر من عشرين سنة دون إنقطاع وهي حالة فريدة من نوعها فى تاريخ الثورات خلال النصف الأوّل من القرن العشرين . و هذه المهمّة العسيرة إضطرّت بالفعل الماويّين إلى دراسة فنّ الحرب تاريخيّا و حسب " تجربتهم الخاصة " و " جاءت أطيب الثمرات " أعمالا لامعة أثرى بها ماو تسى تونغ الخطّ العسكري البروليتاري ومن أهمّ مؤلفات ماو بهذا المضمار " قضايا الإستراتيجيا فى الحرب الثورية الصينية " و " قضايا الإستراتيجيا فى حرب العصابات المناهضة لليابان " و" حول الحرب الطويلة الأمد " و " قضايا الحرب و الإستراتيجيا ".

و فى الباب الموالي ، كتب ستالين بصدد " طبيعة السلطة المستقبلية فى الصين " :

" - لا يمكن للسلطة الثوريّة المستقبليّة فى الصين أن تكون سوى سلطة معادية للإمبرياليّة .

- أعتقد أنّه نظرا لطابعها سيظلّ للسلطة الثوريّة المستقبليّة فى الصين شبه عامة مع السلطة التى أقيمت فى بلادنا فى 1905 بمعنى أن تكون نوعا من الدكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا و الفلاّحين مع إختلاف أولي هو أنّها ستكون سلطة معادية للإمبريالية .

- ستكون سلطة إنتقاليّة نحو تطوّر غير رأسمالي أو بأكثر دقّة نحو تطوّر إشتراكي للصين ".

أكيد أنّكم لاحظتم معنا و لا ريب تشديد ستالين على أنّها ستكون سلطة معادية للإمبريالية و أنّ التطور اللاحق ، غير الرأسمالي سيكون نحو الإشتراكية ممّا يعنى و عنى فعلا و تاريخيّا أن مهمّة النضال ليست فى المرحلة الديمقراطية الجديدة ضد رأس المال الوطني ، خاصة و أنّ ستالين فى فترة معيّنة عمليّا شجّع على التحالف مع البرجوازية الوطنية الممثّلة فى الكومنتنغ و قال " سيكون خطأ كبيرا أن يغادر الشيوعيّون حاليّا الكومنتنغ ". و فى خضم الحرب الأهليّة و حرب التحرّر الوطني و إنطلاقا من التجربة العمليّة و النظريّة ، طوّر ماوتسى تونغ تلك الأطروحات الأوّلية لكلّ من لينين و ستالين فى العشرينات فأثمر بالأساس مؤلّفات ثلاث ذات قيّمة تاريخيّة بهذا الصدد هي " الثورة الصينية و الحزب الشيوعي الصيني -1939 " و " حول الديمقراطية الجديدة -1940 " و " حول الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية -1949".

و ينهى ستالين مقاله ب" بعض الإستنتاجات " :

" يجب الأخذ بعين الإعتبار أيضا أفق تأميم المصانع الأهمّ . هكذا يطرح قبل كلّ شيء تأميم المؤسّسات التى تمتاز بمعارضتها و عدائها للشعب الصينيّ . يجب دفع مسألة الفلاّحين دامجين إيّاها مع مستقبل الثورة الصينيّة . وأعتقد أنّه يتعيّن التوجّه بإختصار نحو مصادرة أراضي الإقطاعيّين لصالح الفلاّحين و نحو تأميم الأرض ...".

و التاريخ شاهد على أنّ الحز ب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسى تونغ أمّم المصانع الأهمّ و حوّلها إلى قطاع عام سواء فى المناطق المحرّرة أو فى البلاد بأسرها حين إفتكّ السلطة ( أمّم مؤسسات البرجوازية الكمبرادورية ، المعارضة للشعب الصيني و عدوّته ، حسب ستالين ) و صادر " أراضي الإقطاعيين " ليوزّعها على الفلاّحين الفقراء و أمم أراضي جعلها تعاونيّات فلاحيّة أو تابعة للدولة إلخ تمهيدا للمرور إلى التحويل الإشتركي الذى دشّن منذ 1953 ...( أنظروا كتاب " بناء الإشتراكية فى الصين " لشارل بتلهايم ، بالفرنسية ، نشر مسبيرو، باريس 1972 – وقد أضحى منذ مدّة متوفّرا باللغة العربيّة على موقع مكتبة الشيوعيين العرب ، على الأنترنت ).

7- و غدت الثورة الديمقراطيّة الجديدة المظفّرة فى الصين نموذجا للثورة فى المستعمرات وأشباه المستعمرات :
" الثورة الديمقراطيّة البرجوازيّة الجارية حاليا فى الصين ، ليست ثورة ديمقراطيّة برجوازيّة من الطراز القديم و العام ، إذ أنّ هذا الطراز من الثورة قد فات أوانه ، بل هي ثورة ديمقراطيّة برجوازيّة من طراز جديد و خاص . و يأخذ هذا الطراز من الثورة فى النهوض حاليّا فى الصين و فى كافة البلدان المستعمرة و شبه المستعمرة الأخرى، و نحن نسمّيه ثورة الديمقراطية الجديدة . إنّ ثورة الديمقراطية الجديدة هذه جزء من الثورة الإشتراكية البروليتارية العالمية ."

( ماو تسى تونغ ، ديسمبر 1939 ،" الثورة الصينية و الحزب الشيوعي الصيني "، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة "، المجلّد 2 ، الصفحة 451).

صائب هو تحليل ماوتسى تونغ للواقع و ثاقبة هي نظرته للتطوّرات المستقبليّة للثورة البروليتاريّة العالميّة . و بالفعل إنتصرت الثورة الديمقراطية الجديدة الصينيّة و ركّزت دولة من نمط إنتقالي جديد نحو التحوّل الإشتركي كجزء من الثورة العالميّة . وأكثر من ذلك شكّلت الثورة الديمقراطيّة الجديدة ممارسة و تنظيرا سياسيّا و عسكريّا نموذجا إحتذت به عموما الثورة فى كلّ من ألبانيا و كوريا و الفتنام و كوبا ( رغم ما يمكن أن نوجّهه من نقد ماوي لهذه التجارب التى لم ترتق إلى مستوى التجربة الماويّة فى الصين ). و اليوم ، فى القرن الواحد و العشرين ، بينما تتخبّط الخوجيّة التى إفتضح أمرها عالميا كدغمائيّة تحريفية فى الوحل ، تتألّق من جديد ، فى حيويّة باهرة الماوية التي ما إنفكّت تتطوّر لا سيما على يد مهندس الخلاصة الجديدة للشيوعيّة أو الشيوعيّة الجديد ، شيوعيّة اليوم ، بوب أفاكيان ، رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتّحدة الأمريكيّة .

و معترفا بالمساهمات الخالدة لماو تسى تونغ في تطوير علم الشيوعيّة ، قال هوشي منه سنة 1951 :

" لنا فى الإنسانية شقيقان و صديقان كبيران فائقا الإحترام و لهما نظر ثاقب هما الرفيق ستالين و الرفيق ماوتسى تونغ ".

( هو شي منه ، " مختارات حرب التحرير الفتناميّة "، الصفحة 346-347 ، دار الطليعة ، بيروت)

------------------------------------------------------------------------------------------------------------