بصدد علاقة الثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية بالثورة الإشتراكية - مقتطف 5 من - تعميقا لدحض أهمّ ترّهات حزب العمّال التونسي الخوجيّة الواردة في- الماوية معادية للشيوعية - - الجزء الثاني من الكتاب الأوّل من ثلاثيّة - حفريّات في الخطّ الإيديولوجي والسياسي التحريفي و الإصلاحي لحزب العمّال [ البرجوازي ] التونسي -


ناظم الماوي
2020 / 10 / 7 - 13:04     

بصدد علاقة الثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية بالثورة الإشتراكية
- مقتطف 5 من " تعميقا لدحض أهمّ ترّهات حزب العمّال التونسي الخوجيّة الواردة في" الماوية معادية للشيوعية " - الجزء الثاني من الكتاب الأوّل من ثلاثيّة " حفريّات في الخطّ الإيديولوجي والسياسي التحريفي و الإصلاحي لحزب العمّال [ البرجوازي ] التونسي "

لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية !
و الروح الثوريّة للماوية المطوَّرة اليوم هي الخلاصة الجديدة للشيوعيّة – الشيوعيّة الجديدة
( عدد 38 - 39 / أفريل 2020 )
ناظم الماوي

ملاحظة : الثلاثيّة بأكملها متوفّرة للتنزيل بنسخة بى دى أف من مكتبة الحوار المتمدّن .

تعميقا لدحض أهمّ ترّهات حزب العمّال التونسي الخوجيّة الواردة في" الماوية معادية للشيوعية "

------------


(5)

دحض الترّهات الخوجيّة بصدد علاقة الثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية بالثورة الإشتراكية

إن من يقرأ ما أنتجه الخوجيّون لنقد الماويّة لا سيما ما يتعلّق بمرحلتي الثورة أي المرحلة الديمقراطية الجديدة وعلاقتها بالثورة الإشتراكية يندهش شديد الإندهاش ذلك أنّ الخوجيّين يلوكون جملة " الماوية تفصل مرحلتي الثورة بجدار صيني " بالرغم من أنّ المسألة كانت واضحة و لا غبار عليها فى مؤلفات ماو تسى تونغ . و فى تناولهم هذه المسألة كما فى غالبيّة تناولهم للمسائل الأخرى يعتمد الدغمائيّون التحريفيّون على إعادة إحياء خطوط صارعت الماويّة داخل الحزب الشيوعي الصيني و مُنيت بالهزيمة النكراء و على إبتداع آراء ينسبونها زورا و بهتانا لماو تسى تونغ ثمّ يشمرون على سواعدهم و ينهالون عليها نقدا مبرحا ليسقطوها أرضا فيرفعوا أيديهم تعبيرا عن إنتصارهم و هم بذلك لا يطمسون الحقيقة فحسب و إنّما يمرّرون التروتسكيّة الواردة فى برنامج حزب العمّال " الشيوعي " التونسي و مشروع برنامج الوطنيين الديمقراطيين الماركسيين - اللينينيين – أصحاب "هل يمكن إعتبار ماوتسى تونغ ماركسيّا – لينينيّا ؟ " و ما تفرّع عنهم - حيث يتحدّثون عن الثورة الديمقراطية الوطنية بالنسبة للأوّلين و الثورة الوطنية الديمقراطية بالنسبة للثانين بينما يضبطون أهداف السلطة القادمة نتيجة هذه الثورة كأهداف إشتراكيّة بكل معنى الكلمة بما يجعل الثورة الديمقراطية الجديدة دون مهام خاصة بها .( و يكفى بهذا المضمار العودة للعدد الثاني من " لا حركة شيوعية ثورية دون ماوية ! " لناظم الماوي على موقع الحوار المتمدّن للمس ذلك لمس اليد ).


1- لخبطة فكريّة :

فى الوقت الذى يصيح فيه الخوجيّون من حزب العمّال " الشيوعي " التونسي بأعلى أصواتهم بأنّ " الماويّة تفصل مرحلتي الثورة بجدار صيني "، نعثر لديهم على فقرة عجيبة غريبة فحواها : " بثّ ماو البلبلة و الغموض حول مرحلتي الشيوعيّة وذلك بدمج مرحلة " الديمقراطية الجديدة " بالمرحلة الأولى من الشيوعيّة . يقول : " تمتدّ المرحلة الإنتقاليّة من بداية تركيز مجتمع الديمقراطية الجديدة إلى حدّ إنجاز مهام البناء الإشتراكي فى الأساس ".

( محمد الكيلانى ، " الماوية معادية للشيوعيّة " ، الصفحة 80 )

و بهذا يؤكّد هؤلاء الخوجيّين عكس ما صدحوا به سابقا : ماو أقام جدار صيني بين مرحلة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية و مرحلة الإشتراكية " ونقيضه ماو " دمج مرحلة " الديمقراطية الجديدة بالمرحلة الأولى من الشيوعية " و ليفهم من يستطيع الفهم !!!

ما تخفيه هذه اللخبطة فى الحقيقة هو أنّ الخوجيين فى صراعهم ضد الماركسية - اللينينية - الماويّة يخبطون خبط عشواء كالغارق الذى يفتّش عن خشبة نجاة مهما كانت فيستنجدون بالإنتهازيّة اليساريّة التروتسكيّة من جهة ليدمجوا مرحلة الثورة الديمقراطية الجدية / الوطنية الديمقراطية بمرحلة الإشتراكية و يستنجدون من جهة أخرى بالإنتهازيّة اليمينيّة التحريفيّة السوفياتية و الصينيّة ليدمجوا الإشتراكية و الشيوعية فى مرحلة واحدة .

ثم و لأنّه نزيه جدّا ، جدّا لم يُحلنا الخوجي على مرجع الجملة التى قدّمها على أنّها جملة لماو و ذلك لأنّ العودة إلى المصدر تفضحه و ألاعيبه الإنتهازيّة الفجّة فالمرجع هو المجلد الخامس من مؤلفات ماوتسى تونغ المختارة بالفرنسية ( الصفحة 108) تحت عنوان " الخط العام للحزب فى الفترة الإنتقالية "، مؤرخ فى أوت 1953 :

" تمتد الفترة الإنتقاليّة من تأسيس جمهورية الصين الشعبية إلى إنجاز التحويل الإشتراكي فى الأساس. و يتمثّل الخط ّالعام لحزبنا ، مهمّته الأساسيّة طوال هذه الفترة فى أن ينجز بالأساس ، فى حقبة زمنيّة ستكون طويلة نسبيّا ، تصنيع البلاد و التحويل الإشتراكي للفلاحة و الصناعات التقليديّة و كذلك التحويل الإشتراكي للصناعة و التجارة الرأسماليّين . يجب أن يكون هذا الخطّ المنارة التى نسترشد بها فى عملنا فى كافة الميادين، وإن حدنا عنه سنقترف أخطاءا يمينية أو " يسارية ". |"

فضلا عن كون الخوجي بكلّ أريحيّة و براحة بال من إعتاد الإنتهازية و الكذب و التزويرعوّض" تأسيس جمهورية الصين الشعبية " ب " الديمقراطية الجديدة "، فإنّ مربط الفرس هنا هو أنّ الفقرة الى جانب كونها تسفّه أكاذيب الخوجيّين بأنّ ماو تسى تونغ و الحزب الشيوعي الصيني عملا على الإبقاء على الرأسماليّة فى الصين و عدم تحوّلها إلى بلد إشتراكي، تسجّل للتاريخ التحوّل فى خطّ الحزب كافة منذ 1953 نحو مشركة جميع مجالات الإقتصاد ... و البقيّة تاريخ موثّق .

2- نقد الحجج الخوجيّة :

إذا كنّا ندرك أنّ مع كلّ تحطيم هنالك بناء فإنّ سؤالا يطرح نفسه ما هو الخطّ غير المعلن بصورة مباشرة الذى يدافع عنه الخوجيّون حين يعملون على تحطيم الخطّ الثوري لماو تسى تونغ حول العلاقة بين مرحلتي الثورة ؟ أكيد أنّهم يبنون خطّا دغمائيّا تحريفيّا سماته نكتشفها معا من الفقرة التالية :

" يقول ماو " أن تسعى إلى بناء الإشتراكية على أنقاض النظام الإستعماري و نصف الإستعماري و نصف الإقطاعي بدون دولة موحّدة للديمقراطية الجديدة ، بدون تطوير الإقتصاد الرأسمالي الخاص يكون مجرّد طوباوية " (60) و كأنّه كاوتسكي يتكلم !!! "
( " الماوية معادية للشيوعية " ، الصفحة 47)

بغضّ النظر عن التهمة الزائفة التى يلصقها الخوجيّون بماو على أنّه كاوتسكي النزعة ، نفكّك الخطاب الوارد بالفقرة التى مرّت بنا فيمدّنا بأفكار الخوجيّين :

أ- رفض " الدولة الموحّدة للديمقراطية الجديدة " و رفض " تطوير الإقتصاد الرأسمالي الخاص " هو تعبير صريح عن رفض جانب من المهام الخاصة بالمرحلة الديمقراطية الجديدة / الوطنية الديمقراطية و أيضا عن رفض الجانب الآخر الذى يتمثّل فى طريق " تحديد الرأسمال " و " تحقيق المساواة فى ملكية الأرض " أو" الجمهورية الديمقراطية الجديدة الخاضعة لقيادة البروليتاريا " و" القطاع العام ذا طبيعة إشتراكية ، وهو يشكّل القوّة القائدة فى مجموع الإقتصاد القومي" و " مصادرة أراضي ملاك الأراضي و توزيعها على الفلاحين الذين لا يملكون أرضا أو يملكون قطعا صغيرة ، و تطبق بذلك شعار الدكتور صون يات صن : " الأرض لمن يفلحها " و تلغى العلاقات الإقطاعيّة فى المناطق الريفيّة ، و تحيل ملكية الأرض إلى الفلاّحين " و" التعاونيّة التى تكون قد تطوّرت على أساس "الأرض لمن يفلحها" سوف تحتوى على عناصر إشتراكية ( " حول الديمقراطية الجديدة " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد الثانى ، الصفحة، 492). و بالتالي بالنسبة للخوجيّين لا برنامج ديمقراطي للثورة الديمقراطية الجديدة و إنّما ينبغى أن يكون برنامجها برنامج الثورة الإشتراكية لا غير وهو جوهر التروتسكيّة التى تعمل على تحقيق الثورتين / المرحلتين ب"ضربة واحدة " كما سيرد لاحقا على لسان ماو تسى تونغ ذاته.

ب- و إنكار الخوجيّين على ماو نقده المبدئي كماركسي لإمكانيّة " بناء مجتمع إشتراكي على أنقاض المستعمر و شبه المستعمر و شبه الإقطاعي" و إعتباره محاولة ذلك من الوهم الخالص ، يفيدنا بأنّ الخوجيّين يرون ذلك ممكنا تماما فيخرجون للنور الأطروحة التروتسكيّة الشهيرة أنّ لا مهام خاصة للثورة الديمقراطية الجديدة سوى القفز المباشر و فى أسرع وقت نحو تحقيق الثورة الإشتراكيّة .

ت- و بذلك لا يطعن الخوجيّون المستندين إلى التروتسكيّة فى ماو تسى تونغ و حسب و إنّما فى كلّ من لينين و ستالين و الأممية الثالثة فلينين وجه شيوعيي شعوب الشرق بإتّجاه :

" أن تأخذوا بعين الإعتبار الظروف الخاصة غير الموجودة فى البلدان الأوروبيّة كي يصبح بإمكانكم تطبيق هذه التعاليم فى الميدانين النظري و العملي فى ظروف يؤلّف فيها الفلاّحون الجمهور الرئيسي و تطرح فيها مهمّة النضال لا ضدّ رأس المال ، بل ضدّ بقايا القرون الوسطى " و ستالين عبر بصراحة عن أن

"- الخاصية الأولى تتمثّل فى أنّ الثورة الصينيّة ثورة ديمقراطية برجوازية و فى الوقت نفسه ثورة تحرّر وطني موجّهة ضد الهيمنة الإمبريالية الغربية على الصين ..." ،

" – لا يمكن للسلطة الثورية المستقبلية فى الصين أن تكون سوى سلطة معادية للإمبريالية .

- ستكون سلطة إنتقاليّة نحو تطوّر غير رأسمالي أو بأكثر دقّة نحو تطور إشتراكي للصين ".

( ستالين ،" آفاق الثورة الصينية " ، 30 نوفمبر 1926)
و حتّى تدركوا لوحدكم مدى فظاعة الدغمائيّة التحريفيّة الخوجيّة بعقد مقارنة بين ما يدّعيه الخوجي و ما كتبه ماو فعلا ، إليكم الفقرة التى إنتزع منها الخوجيّ كلام ماو إنتزاعا بإطارها و دقائق مفرداتها :

" و من القواعد الماركسيّة أنّه لا يمكن بلوغ الإشتراكية إلاّ بعد إجتياز مرحلة الديمقراطيّة . و بدون دولة متّحدة و موحّدة للديمقراطية الجديدة ، و بدون تطوّر الإقتصاد الرأسمالي الخاص والإقتصاد التعاوني ، و بدون تطوّر الثقافة الوطنية و العلميّة و الجماهيريّة أي ثقافة الديمقراطيّة الجديدة ، و بدون تحرّر و تطوّر المبادرة الفرديّة لمئات الملايين من أبناء الشعب ، و بإختصار ، بدون ثورة ديمقراطية شاملة ، جديدة الطراز، متّسمة بطابع البرجوازية ، يقودها الحزب الشيوعي ، فإنّه وهم خالص أن نحاول بناء مجتمع إشتراكي على أنقاض المستعمر وشبه المستعمر و شبه الإقطاعي ."

( ماو تسى تونغ ،" حول الحكومة الإئتلافية "، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد الثالث ، الصفحة 317)

3- ماو يعالج المسألة :

لأنّ غايتنا مزدوجة بمعنى أنّنا نودّ كشف الحقيقة و الدفاع عن الماويّة و فضح الدغمائية التحريفية الخوجيّة إلى جانب التعريف بالماوية و مواقفها البروليتاريّة الثوريّة سنحتاج إلى مقتطفات من أهمّ مؤلفات ماو قد تبدو للبعض مطوّلة نوعا ما و لكنّها بلا ريب ضروريّة لرفع الضبابيّة التى بثتها و تبثّها الخوجيّة لتشويه الماويّة .

-1-" إنّنا نوافق كلّ الموافقة على قرار الأمميّة الشيوعيّة المتعلّق بقضيّة الصين . و من المؤكّد أنّ الصين فى الوقت الحاضر لا تزال فى مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية . و إنّ برنامج الثورة الديمقراطية الشاملة فى الصين يتضمّن، على الصعيد الخارجي ، الإطاحة بالإمبريالية فى سبيل تحقيق التحرّر الوطني التام ، وعلى الصعيد الداخلي، إستئصال ما لطبقة الكومبرادوريين فى المدن من نفوذ و سلطة ، و إكمال الثورة الزراعيّة ، و القضاء على العلاقات الإقطاعية فى القرى ، و الإطاحة بحكومة أمراء الحرب . و لا بدّ أن نمرّ عبر هذه الثورة الديمقراطية قبل أن نستطيع وضع أساس حقيقيّ من أجل الإشتراكية " .

( ماو تسى تونغ ، نوفمبر 1928 ،" النضال فى جبال جينغقانغ " نقطة " مسألة طبيعة الثورة "، مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد الأوّل ، الصفحة 139)

هكذا الخطوط العامة للثورة الديمقراطية الجديدة محلّ إتّفاق بين الحزب الشيوعي الصيني و ماو تسى تونغ من جهة و الأمميّة الثالثة من جهة ثانية و لهذه الثورة مهام خاصة عليها إنجازها قبل المرور إلى الثورة الإشتراكية و هو ما يعيد ماو التشديد عليه فى ماي 1937 لما تحدث عن " مسألة مستقبل الثورة " فقال :

-2-" إنّ القيادة الحازمة للثورة الديمقراطية هي شرط لكسب إنتصار الإشتراكيّة . إنّنا نناضل من أجل الإشتراكيّة ، و هذا ما يميّزنا عن جميع أنصار مبادئ الشعب الثلاثة الثوريّة . و إنّ جهدنا الحاضر موجّه نحو الهدف العظيم فى المستقبل ، و إذا غاب هذا الهدف عن نظرنا فلن نظلّ شيوعيّين إذن . لكنّنا إذا تراخينا فى جهدنا الحاضر ، فلن نكون كذلك شيوعيّين .

إنّنا من دعاة النظريّة القائلة بتحوّل الثورة ، و ندعو إلى تحوّل الثورة الديمقراطية نحو الإشتراكيّة . إنّ الثورة الديمقراطية ستجتاز مراحل عديدة من التطوّر ، و جميعها تحت شعار الجمهوريّة الديمقراطيّة . و إنّ الإنتقال من تفوّق البرجوازيّة إلى تفوّق قوى البروليتاريا سيكون عمليّة طويلة من النضال ، عمليّة من النضال من أجل كسب القيادة ، وسيتمّ ذلك بالإعتماد على عمل الحزب الشيوعي فى سبيل رفع مستوى الوعي السياسي و المستوى التنظيمي لكلّ من البروليتاريا و طبقة الفلاّحين و البرجوازية الصغيرة فى المدن .

إنّ الحليف المتين للبروليتاريا هو طبقة الفلاّحين ، و تأتى بعدها البرجوازية الصغيرة فى المدن . إنّ البرجوازية هي التى تنازعنا القيادة . و إنّ التغلّب على تذبذب البرجوازية و عدم مثابرتها على الثورة يعتمد على قوّة الجماهير و صواب سياستنا ، و إلاّ فسينقلب الوضع و تتغلّب البرجوازية على البروليتاريا . و ما نرجوه هو أن يتحقّق هذا التحوّل من دون إراقة الدماء ، وهذا ما يجب أن نناضل فى سبيله بعزم ، أمّا النتيجة فهي متوقّفة على قوّة الجماهير.

إنّنا دعاة نظريّة تحوّل الثورة ، لكن لسنا من دعاة النظرية التروتسكيّة عن " الثورة الدائمة ". و إنّنا ننادي بالوصول إلى الإشتراكية عبر جميع المراحل الضروريّة للجمهورية الديمقراطية . إنّنا نعارض الذيليّة ، لكنّنا نعارض أيضا المغامرة و داء التسرّع .

إنّ رفض مساهمة البرجوازية فى الثورة بحجّة أنّ هذه المساهمة ذات صفة مؤقّتة ، و وصف الإتّحاد مع الجماعة المقاومة لليابان من البرجوازية ( فى بلد شبه مستعمر ) بأنّه إستسلاميّة ، هو وجهة نظر تروتسكيّة و نحن لا نوافق عليها . إنّ مثل هذا الإتّحاد اليوم هو بالضبط الجسر الذى لا بدّ لنا من عبوره فى طريقنا نحو الإشتراكية . "

( " لنناضل فى سبيل كسب عشرات الملايين من الجماهير " ، مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد الأوّل ، الصفحة، 492-423) .

الثورة الديمقراطية الجديدة " جسرنحو الإشتراكية " هكذا تكلّم ماو و الدغمائيّون التحريفيون الخوجيّون يحوّلون بطريقة سحريّة الجسر إلى جدار صينيّ و يسوّقون الأفكار التروتسكيّة التى أشبعها ماو نقدا من منطلق علم الثورة البروليتارية العالمية !

و من شروط إقامة ذلك الجسر قيادة البروليتاريا للثورة الديمقراطية الجديدة و ماو لم ينبّه إلى ذلك فحسب بل دعا و عمل وسعه لإنتزاع القيادة من البرجوازية ممّا سيخلق وضعا مواتيا لخّصه ماو فى آب 1937 فى ما يلى :

-3- " إذا نظرنا إلى عمليّة الثورة الديمقراطية فى الصين ، التى بدأت بثورة 1911 ، وجدنا لها أيضا مراحل خاصة متعدّدة . فالثورة فى فترة قيادة البرجوازيّة لها و الثورة فى فترة قيادة البروليتاريا لها تتمايزان على الأخصّ، كمرحلتين تاريخيّتين مختلفتين إختلافا كبيرا. ذلك أنّ القيادة التى مارستها البروليتاريا غيّرت وجه الثورة بصورة جذريّة ، و أدّت إلى ترتيب جديد فى العلاقات الطبقيّة ، و إلى إنطلاق عظيم فى ثورة الفلاّحين ، و منحت الثورة الموجّهة ضد الإمبرياليّة و الإقطاعيّة صفة الحزم الذى لا يعرف المهادنة ، وجعلت من الممكن الإنتقال من الثورة الديمقراطية إلى الثورة الإشتراكية و هلم جرّا. و ما كان يمكن أن تحدث هذه الأشياء كلّها عندما كانت الثورة بقيادة البرجوازية ."

( " فى التناقض "،" مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد الأوّل ، الصفحة 473-474) .

و فى أكتوبر1939 ، لخّص ماو تسى تونغ تاريخ الحزب الشيوعي الصيني المليئ بالإنتصارات العظيمة و كذلك بالهزائم الجسيمة و الممتدّ على ثماني عشرة سنة كاملة إعتبارا من مؤتمره الوطني الأوّل عام 1921 فأبرز القضايا الجوهريّة التى تواجه الحزب الشيوعي الصيني لتجسيد القيادة السليمة للثورة ( الأسلحة السحرية الثلاثة ) ودروس سيرورة الثورة الديمقراطية الجديدة الصينية التى ستستغل للمضيّ قدما فى تحقيق المرحلة الأولى للثورة و ستمهّد لمرحلتها الثانية الإشتراكية :

-4- يمكن القول بأنّ تاريخ حزبنا هو تاريخ النضال المسلّح . لقد قال الرفيق ستالين : " فى الصين تكافح الثورة المسلّحة ضد الثورة المضادة المسلّحة . تلك هي إحدى خصائص الثورة الصينيّة و إحدى مميّزاتها ". و هذا الكلام صحيح تماما. و إنّ هذه الخاصيّة المحدّدة للصين شبه المستعمرة هي الأخرى خاصيّة لم تعرف أو لم تعرف بهذا الشكل فى تاريخ الثورات التى قادتها أحزاب شيوعية فى البلدان الرأسماليّة . و هكذا توجد خاصيّتان أساسيّتان فى مجرى الثورة الديمقراطية البرجوازيّة الصينيّة : أولاهما أن تنشئ البروليتاريا جبهة وطنية متّحدة ثوريّة مع البرجوازيّة أو تضطرّ إلى فضّ هذه الجبهة ، و ثانيهما أنّ النضال المسلّح هو شكل الثورة الرئيسي . هنا لم نعتبر علاقات الحزب مع طبقة الفلاّحين أو مع البرجوازية الصغيرة فى المدن خاصيّة أساسيّة ، و ذلك يعود أوّلا إلى أنّ هذه العلاقات هي ، من حيث المبدأ ، نفس العلاقات التى تواجه الأحزاب الشيوعيّة فى أرجاء العالم ، و ثانيا إلى أنّه كلّما ذكرنا النضال المسلّح فى الصين قصدنا به فى الجوهر الحرب الفلاحيّة ، فالعلاقة الوثيقة بين الحزب و الحرب الفلاحيّة هي فى حدّ ذاتها العلاقة بين الحزب و الفلاّحين .

و بسبب هاتين الخاصيّتين الأساسيّتين ، بسببهما على وجه التحديد ، يسير بناء حزبنا و تبلشفه فى ظروف خاصة ...

و عليه فإنّ الجبهة المتّحدة و النضال المسلّح و بناء الحزب هي القضايا الأساسيّة الثلاث التى تواجه حزبنا فى الثورة الصينيّة. و الفهم الصحيح لهذه القضايا الثلاث و الروابط القائمة بينها هو بمثابة القيادة الصحيحة للثورة الصينيّة بأكملها . وقد أصبح فى مقدورنا أن نستخلص إستنتاجات صحيحة حول هذه القضايا الثلاث ، مستعينين بخبراتنا الزاخرة التى تمّ الحصول عليها خلال السنوات الثماني عشرة من تاريخ حزبنا ، هذه الخبرات الغنيّة العميقة المستقاة من الفشل و النجاح ، التراجع و التقدّم ، التقلّص و التوسّع . و هذا يعنى أنّه أصبح فى مقدورنا الآن أن نعالج قضايا الجبهة المتّحدة و النضال المسلّح و بناء الحزب معالجة صحيحة . و كذلك يعنى أن خبرات الثمانى عشرة سنة الماضية قد علّمتنا أنّ الجبهة المتّحدة و النضال المسلّح و بناء الحزب هي الأسلحة السحريّة الثلاثة للحزب الشيوعي الصيني ، أسلحته السحريّة الرئيسيّة الثلاثة لقهر أعداء الثورة الصينية . وهذا إنجاز عظيم للحزب الشيوعي الصيني و للثورة الصينية كذلك."

(ماوتسى تونغ، أكتوبر 1939، " تقديم لمجلّة " الشيوعي" "، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد 2 ، الصفحة 395-398)

و بعد شهرين من صياغة ذلك التقديم لمجلّة " الشيوعي"، فى ديسمبر 1939، نشر ماو تسى تونغ مقاله القيّم " الثورة الصينية و الحزب الشيوعي الصيني " حيث عالج مجدّدا " مستقبل الثورة الصينية " فأعرب عن أنّه :

-5- " يمكننا أن نتفهّم بسهولة مسألة مستقبل الثورة الصينيّة ، أي مسألة العلاقة بين الثورة الديمقراطيّة البرجوازيّة و الثورة الإشتراكيّة البروليتاريّة فى الصين ، أو مسألة العلاقة بين المرحلة الراهنة و المرحلة المقبلة من الثورة الصينيّة .

طالما أنّ ثورة الصين الديمقراطية البرجوازيّة فى المرحلة الراهنة ليست ثورة ديمقراطية برجوازية من الطراز القديم و العام ، بل هي ثورة ديمقراطية من طراز جديد و خاص ، أي ثورة الديمقراطية الجديدة ، و طالما أنّ الثورة الصينيّة تجرى فى وضع دولي جديد - خلال ثلاثينيات و أربعينيات القرن العشرين - حيث تزدهر الإشتراكيّة و تتدهور الرأسماليّة، تجرى فى عهد الحرب العالميّة الثانية و عهد الثورات ، فلا شكّ أنّ الثورة الصينية لن تنتهي، فى آخر الأمر، إلى الرأسماليّة بل إلى الإشتراكيّة و الشيوعية .

و لمّا كان هدف الثورة الصينيّة فى مرحلتها الحاضرة هو تبديل وضع المجتمع الراهن كمجتمع مستعمر و شبه مستعمر و شبه إقطاعي ، أي النضال فى سبيل إنجاز ثورة الديمقراطية الجديدة ، فلا شكّ أنّه ستتاح للإقتصاد الرأسمالي فى المجتمع الصينيّ درجة معيّنة من النموّ بعد إنتصار الثورة حيث تكون العقبات التى تعرقل تطوّر الرأسماليّة قد أزيلت ، و هذا أمر يمكن تصوّره و ليس فيه ما يدعو إلى الإستغراب . إنّ حصول الرأسماليّة على درجة معيّنة من النموّ هو نتيجة حتميّة لا يمكن للصين المتخلّفة إقتصاديا أن تتجنّبها بعد إنتصار الثورة الديمقراطية . و لكن ذلك لا يمثّل سوى جانب من نتيجة الثورة الصينيّة و ليس كلّ نتيجتها . إنّ كلّ نتيجة الثورة الصينيّة هي : نموّ العناصر الرأسماليّة من جهة ، و نموّ العناصر الإقتصاديّة من جهة أخرى . فما هي هذه العناصر الإشتراكيّة ؟ إنّها تعاظم نسبة الأهميّة التى تتمتّع بها البروليتاريا و الحزب الشيوعي بين قوى البلاد السياسيّة ، و إنّها إعتراف الفلاّحين و المثقّفين و البرجوازيّة الصغيرة فى المدن أو إعترافها المتوقّع بقيادة البروليتاريا و الحزب الشيوعي ، و إنّها القطاع العام من الإقتصاد الذى يملكه الشعب الكادح . هذه جميعا عناصر إشتراكيّة . و إذا أضفنا إلى ذلك الظروف الدوليّة الملائمة ، وجدنا من الممكن جدّا أن تجتنب ثورة الصين الديمقراطيّة البرجوازيّة ، فى نهاية المطاف ، طريق الرأسماليّة ، و أن تسير فى طريق الإشتراكية . "

و يستطرد ماو تسى تونغ متحدّثا عن مهمّة الثورة الصينيّة المزدوجة و الحزب الشيوعي الصيني :

" يمكننا أن نتبيّن أنّ الثورة الصينيّة بمجموعها تشتمل على مهمّة مزدوجة . و هذا يعنى أنّ الثورة الصينيّة تشتمل على هاتين المهمّتين : الثورة ذات الطابع الديمقراطي البرجوازي ( ثورة الديمقراطية الجديدة ) و الثورة ذات الطابع الإشتراكي البروليتاري ، أي الثورة فى المرحلة الحاليّة و الثورة فى المرحلة المقبلة. وإنّ قيادة هذه المهمّة الثوريّة المزدوجة هي واجب يقع كلّيا على عاتق حزب البروليتاريا الصينيّة - الحزب الشيوعي الصيني ، و بدون قيادة الحزب الشيوعي الصيني، لن تتمكّن أيّة ثورة من الثورتين من الظفر .

إنّ إنجاز ثورة الصين الديمقراطية البرجوازية ( ثورة الديمقراطية الجديدة ) و الإنتقال منها إلى الثورة الإشتراكيّة عندما تتوفّر جميع الشروط الضروريّة - إنّ هذا ليشكّل كلّ المهمّة الثوريّة المجيدة و العظيمة التى تقع على كاهل الحزب الشيوعي الصيني . إنّ من واجب كلّ عضو من أعضاء الحزب الشيوعي أن يناضل فى سبيل ذلك ، و لا يجوز له فى أي حال من الأحوال أن يتوقّف فى منتصف الطريق . إنّ بعض الأعضاء السذّج فى الحزب الشيوعي يحسبون أنّ مهمّتنا تقتصر على الثورة الديمقراطية الحالية دون الثورة الإشتراكية فى المرحلة المقبلة ، أو يحسبون أنّ الثورة الحالية أو الثورة الزراعية هي الثورة الإشتراكية بالذات . يجب أن نؤكّد أن وجهات النظر هذه خاطئة . و ينبغى لكلّ عضو من أعضاء الحزب الشيوعي أن يعلم أنّ الحركة الثوريّة الصينيّة التى يقودها الحزب الشيوعي الصيني هي فى مجموعها حركة ثوريّة كاملة تشتمل على مرحلتين : الثورة الديمقراطية و الثورة الإشتراكية ، و هما عمليّتان ثوريّتان مختلفتان من حيث طبيعتهما، و لا يمكن إنجاز العمليّة الثانية إلاّ بعد إتمام الأولى . فالثورة الديمقراطية هي التمهيد اللازم للثورة الإشتراكية ، و الثورة الإشتراكية هي النتيجة الحتميّة للثورة الديمقراطية . و الهدف النهائي لجميع الشيوعيّين هو أن يحقّقوا بكلّ الجهود مجتمعا إشتراكيا و مجتمعا شيوعيا تحقيقا كلّيا. و لا يمكننا قيادة الثورة الصينيّة قيادة صحيحة إلاّ إذا فهمنا جيّدا أوجه الخلاف و الروابط على السواء بين الثورة الديمقراطية و الثورة الإشتراكية.

إذا إستثنينا الحزب الشيوعي الصيني ، فلن نجد أيّ حزب سياسي آخر (سواء أكان حزبا سياسيا للبرجوازية أم حزبا سياسيا للبرجوازية الصغيرة ) يستطيع النهوض بمهمّة قيادة هاتين الثورتين العظيمتين، ثورة الصين الديمقراطية و ثورة الصين الإشتراكية ، و إنجازهما بصورة كاملة . و لقد أخذ الحزب الشيوعي الصيني ، منذ اليوم الأوّل لتأسيسه ، هذه المهمّة المزدوجة على عاتقه ، و ناضل ، طوال ثمانية عشر عاما ، بجهد جهيد من أجل تحقيقها ."

( " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " ، المجلّد 2 ، الصفحة 455-458)

و مرّة أخرى يمسك ماو بناصية الحقيقة فيرسم الخطّ الصائب فى علاقة المرحلتين و ينقد الخطأ الإنتهازي اليميني الذى يريد إيقاف الثورة الصينيّة فى مرحلتها الديمقراطية الجديدة كما ينقد الخطأ الإنتهازي اليساري التروتسكي الذى يودّ القفز على المرحلة و ما تفرضه من شروط ضرورية للمرور للإشتراكية . و أدرك ماو جيّدا بحكم نار التجربة الزاخرة للثورة الصينية بإنتصاراتها العظيمة و خسائرها الجسيمة و بفذاذة تنظيراته المعتمدة على الممارسة العمليّة للصراع الطبقي المسلّح " أوجه الخلاف و الروابط على السواء بين الثورة الديمقراطية و الثورة الإشتراكية ". ولخّص فهمه العميق فى التالي " الثورة الديمقراطية و الثورة الإشتراكية ... عمليّتان ثوريّتان مختلفتان من حيث طبيعتهما ، و لا يمكن إنجاز العمليّة الثانية إلاّ بعد إتمام الأولى . فالثورة الديمقراطية هي التمهيد اللازم للثورة الإشتراكية ، و الثورة الإشتراكية هي النتيجة الحتميّة للثورة الديمقراطية . و الهدف النهائي لجميع الشيوعيّين هو أن يحقّقوا بكلّ الجهود مجتمعا إشتراكيا و مجتمعا شيوعيا تحقيقا كلّيا ".

و عندما تطرّق ماو تسى تونغ لإقتصاد الديمقراطية الجديدة الذى سيخوّل المرور للمرحلة الثانية الإشتراكية إضافة إلى العوامل السياسيّة ، صرّح فى جانفى 1940 :

-6- " ... ففى جمهوريّة الديمقراطية الجديدة الخاضعة لقيادة البروليتاريا ، سيكون القطاع العام ذا طبيعة إشتراكية، وهو يشكّل القوّة القائدة فى مجموع الإقتصاد القومي ، بيد أن هذه الجمهورية لا تصادر الأملاك الرأسماليّة الخاصة الأخرى ، و لا تحظر تطوّر الإنتاج الرأسمالي الذى " لا يسيطر على وسائل معيشة الشعب " ، و ذلك لأنّ إقتصاد الصين لا يبرح متخلّفا جدّا .

و ستتّخذ هذه الجمهورية بعض التدابير اللازمة من أجل مصادرة أراضي ملاك الأراضي و توزيعها على الفلاّحين الذين لا يملكون أرضا أو يملكون قطعا صغيرة ، و تطبّق بذلك شعار الدكتور صون يات صن : " الأرض لمن يفلحها " و تلغى العلاقات الإقطاعيّة فى المناطق الريفيّة ، و تحيل ملكية الأرض إلى الفلاّحين . أمّا إقتصاد الفلاّحين الأغنياء فى المناطق الريفيّة فوجوده مسموح به . تلك هي سياسة " تحقيق المساواة فى ملكية الأرض ". و فى هذه المرحلة لن نسعى على العموم إلى إقامة الزراعة الإشتراكيّة ، بيد أنّ أنواعا مختلفة من الإقتصاديّات التعاونيّة التى تكون قد تطوّرت على أساس " الأرض لمن يفلحها " سوف تحتوى على عناصر إشتراكيّة .

و هكذا فلا بدّ للإقتصاد الصيني أن يتّبع طريق " تحديد الرأسمال " و " تحقيق المساواة فى ملكيّة الأرض " و لا يجوز أبدا أن يكون " شيئا تستأثر به الأقلّية " ، و لا أن نسمح للرأسماليّين و ملاك الأراضي القلائل بأن " يسيطروا على وسائل معيشة الشعب "، ولا أن نبني مجتمعا رأسماليّا من النمط الأوروبي الأمريكي أو نسمح ببقاء المجتمع شبه الإقطاعي القديم . و كلّ من يجرؤ على معارضة هذا الإتّجاه ، لن يستطيع التوصّل إلى هدفه بالتأكيد ، بل سيرتطم بجدار من الصخر .

تلك هي العلاقات الإقتصادية الداخليّة التى يجب على الصين الثوريّة والمقاومة ضد اليابان أن تقيمها ، و سوف تقيمها حتما. و هذا الإقتصاد هو إقتصاد الديمقراطية الجديدة . "

( " حول الديمقراطية الجديدة " ، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد 2 ، الصفحة 492)

-7- فى أفريل 1945 ، صاغ ماو " حول الحكومة الإئتلافية " و من هذا النصّ نقتطف ما يتّصل بالمسألة التي نحن بصددها :

" نحن الشيوعيّين لا نخفى آراءنا السياسية أبدا. إنّ منهاجنا للمستقبل أو منهاجنا الأقصي هو دفع الصين إلى الأمام حتّى تبلغ المجتمع الإشتراكي و الشيوعي و هذا أمر مؤكّد لا يتطرّق إليه أدنى شكّ . و إسم حزبنا ذاته و نظرتنا الماركسيّة إلى العالم يشيران بكلّ جلاء إلى المثل الأعلى للمستقبل ، مثل أعلى فى غاية الإشراق و الروعة . إنّ كلّ شيوعي ليكن فى قلبه ، يوم ينضمّ إلى الحزب ، هذين الهدفين الواضحين : النضال فى سبيل ثورة الديمقراطية الجديدة الحاليّة ، و النضال فى سبيل تحقيق الإشتراكية و الشيوعية فى المستقبل ، دون أن يبالي عداء خصوم الشيوعيّة و إفتراءاتهم و شتائمهم و سخريّتهم البلهاء و السافلة ، إنّ هذه الأشياء لا بدّ أن نصدّها بكلّ حزم . أمّا المتشكّكون ذوو النوايا الحسنة ، فيجب أن نوضّح لهم أمرنا عن حسن نيّة و بصبر بدلا من أن نصدّهم . و كلّ هذه فى غاية الوضوح و الثبات و ليس فيها أدنى إبهام أو غموض.

لكنه يجب على جميع الشيوعيّين و المتعاطفين مع الشيوعيّة فى الصين أن يناضلوا فى سبيل هدف المرحلة الحاضرة ، يجب عليهم أن يناضلوا فى سبيل مقاومة الإضطهاد القومي والإضطهاد الإقطاعي و إنقاذ الشعب الصيني من حالته الأليمة، حالة المجتمع المستعمر و شبه المستعمر و شبه الإقطاعي ، وبناء صين مستقلّة حرّة ديمقراطيّة موحّدة مزدهرة و قويّة تتمتّع بطابع الديمقراطية الجديدة و تخضع لقيادة البروليتاريا و يكون مضمونها الرئيسي تحرير الفلاّحين ،أي صين تتمتّع بطابع مبادئ الشعب الثلاثة الثوريّة التى وضعها الدكتور صون يات صن. لقد عملنا هكذا بالفعل ، إذ ناضلنا نحن الشيوعيّين ببطولة جنبا إلى جنب مع الجماهير العريضة من الشعب الصيني من أجل هذا الهدف أربعة و عشرين عاما.

إذا لم يكافح أيّ شيوعي أو متعاطف مع الحزب الشيوعي من أجل هذا الهدف ، و إذا إستخفّ بهذه الثورة الديمقراطيّة البرجوازية و بالتالي أبدى تجاهها حتّى و لو قليلا من الفتور و التواني أم عدم الإخلاص و التحمّس ، و لم يستعدّ لبذل دمائه و حياته من أجلها ، بل يثرثر عن الإشتراكيّة و الشيوعيّة ، فإنّه يخون الإشتراكيّة و الشيوعيّة بدرجات متفاوتة، عن إدراك أو عن غير إدراك ، و بذلك لا يمكن أن يعدّ شيوعيّا واعيا و مخلصا . و من قواعد الماركسيّة أنّه لا يمكن بلوغ الإشتراكيّة إلا بعد إجتياز مرحلة الديمقراطية . و بدون دولة متّحدة و موحّدة للديمقراطية الجديدة ، و بدون تطوّر الإقتصاد التعاوني ، و بدون تطوّر الثقافة الوطنيّة و العلميّة و الجماهيريّة أي ثقافة الديمقراطية الجديدة ، و بدون تحرّر و تطوّر المبادرة الفرديّة لمئات الملايين من أبناء الشعب ، و بإختصار ، بدون ثورة ديمقراطية شاملة ، جديدة الطراز، متّسمة بطابع البرجوازية ، يقودها الحزب الشيوعي ، فإنّه وهم خالص أن نحاول بناء مجتمع إشتراكي على أنقاض المستعمر و شبه المستعمر و شبه الإقطاعي .

لا يفهم بعض الناس السبب فى أنّ الشيوعيين أبعد من أن يكونوا خائفين من الرأسماليّة ، بل ينادون بتنميتها تحت شروط محدّدة . إنّ جوابنا بكلّ بساطة : إنّ إحلال درجة معيّنة من التطوّر الرأسمالي محلّ الإضطهاد الإمبريالي الخارجي و الإقطاعي الداخلي ليس تقدّما فحسب ، بل هو عمليّة لا مفرّ منها . و ذلك لا يعود بالفائدة على البرجوازية وحدها بل على البروليتاريا أيضا ، أو يمكن القول إنّه يعود على البروليتاريا بفائدة أكثر . إنّ ما تستغنى عنه الصين اليوم هو الإمبريالية الخارجية و الإقطاعية الداخلية و ليس الرأسماليّة الوطنيّة ، بل بالعكس ، فإنّ الرأسماليّة فى الصين ضئيلة جدّا. و من الغريب أنّنا نجد بعض االناطقين بإسم البرجوازية الصينيّة لا يجرؤون على أن يدعوا علانية إلى تنمية الرأسماليّة ، بل يتحدّثون عن ذلك فى لفّ و دوران . ثمّة أناس آخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك فينكرون تماما أنّه يجب على الصين أن تسمح بما يلزمها من التطوّر الرأسمالي ، بل يدعون بأنّه يمكن الوصول إلى المجتمع الإشتراكي بخطوة واحدة ، و تحقيق مبادئ الشعب الثلاثة و الإشتراكية " بضربة واحدة ". و من الواضح أنّ مثل هذه الآراء بعضها إنعكاس لضعف البرجوازيّة الوطنيّة الصينيّة ، و بعضها الآخر هو حيلة تدبّرها طبقة كبار ملاك الأراضي و البرجوازية الكبيرة لتضليل جماهير الشعب . إنّنا نحن الشيوعيّين نعلم يقين العلم ، على أساس معرفتنا الماركسيّة للقوانين الخاصة بالتطوّر الإجتماعي، أنّه تحت ظروف الصين و فى ظلّ نظام دولة الديمقراطية الجديدة يجب أن تعطى ، إلى جانب الإقتصاد الحكومي ، و الإقتصاد الفردي و الإقتصاد التعاوني الخاصّين بالكادحين ، التسهيلات لتطوّر الإقتصاد الرأسمالي الخاص بشرط ألاّ يسيطر على وسائل معيشة الشعب ، و ذلك فقط يمكن أن ينفع التطوّر الإجتماعي . نحن الشيوعيّين الصينيين لن نترك لأيّة ثرثرة و حيلة مجالا لتضليل أذهاننا الحصيفة ."

( ماو تسى تونغ ، " حول الحكومة الإئتلافية " ، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد 3، الصفحة 315-318)

-8- قبيل الإنتصار الشامل للثورة الديمقراطية الجديدة وإفتكاك السلطة فى البلاد بأسرها و كانت سياسة الديمقراطيّة الجديدة بعدُ قد طُبّقت أحيانا منذ سنوات فى المناطق الواقعة تحت سلطة الحزب الشيوعي الصيني و جيشه الأحمر ، طوّر ماو مفهومه للدكتاتوريّة التى تمارسها دولة الديمقراطية الجديدة الممهّدة لدكتاتورية البروليتاريا والمرحلة الإشتراكيّة فسمّاها " الدكتاتورية الديمقراطية الشعبية " و قال :

" إنّ الدكتاتوريّة الديمقراطيّة الشعبيّة تقوم على تحالف الطبقة العاملة و طبقة الفلاّحين و طبقة البرجوازيّة الصغيرة فى المدن ، وبصورة رئيسيّة تقوم على تحالف العمّال و الفلاّحين ، لأنّ هاتين الطبقتين تؤلّفان 80 إلى 90 بالمائة من مجموع سكّان الصين . إنّهما القوّة الرئيسيّة فى الإطاحة بالإمبرياليّة و زمرة الكومنتتنغ الرجعيّة ، كما أن الإنتقال من الديمقراطية الجديدة إلى الإشتراكية يتوقّف أساسا على تحالفهما .

إنّ الدكتاتوريّة الديمقراطيّة الشعبيّة تتطلّب قيادة الطبقة العاملة ، لأنّها هي الطبقة الوحيدة النافذة البصيرة ، و أكثر الطبقات إنكارا للذات ، كما أنّها أكثر الطبقات حزما فى الثورة . و يبرهن تاريخ الثورات بأكمله على أنّ الثورة تفشل إذا كانت بدون قيادة الطبقة العاملة و أنّها تنتصر إذا قادتها هذه الطبقة . و فى عصر الإمبريالية ، لا يمكن لأيّة طبقة أخرى ، فى أي بلد كان ، أن تقود ثورة حقيقيّة إلى النصر. و الدليل على ذلك أنّ الثورات العديدة التى قادتها البرجوازيّة الصغيرة و البرجوازية الوطنية فى الصين فشلت جميعا."

( ماو تسى تونغ ،30 يونيو - حزيران 1949، " حول الدكتاتوريّة الديمقراطيّة الشعبيّة "، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد 4 ، الصفحة 532)


4- الثورة الديمقراطيّة الجديدة جزء من الثورة البروليتاريّة العالميّة :

" وعلى الرغم من أنّ الثورة الصينيّة فى المرحلة الأولى هذه ( بمراحلها الصغيرة المتعدّدة ) هي ، من حيث طبيعتها الإجتماعيّة ، ثورة ديمقراطيّة برجوازيّة من نمط جديد و لم تصبح بعد ثورة إشتراكيّة بروليتاريّة ، إلاّ أنّها قد أصبحت منذ زمن طويل جزءا من الثورة العالميّة الإشتراكيّة البروليتاريّة ، بل أصبحت بالأحرى فى الوقت الحاضر جزءا بالغ الأهمّية من هذه الثورة العالميّة و حليفا عظيما لها . إنّ الخطوة الأولى أو المرحلة الأولى لهذه الثورة لن تكون ، و لا يمكن أن تكون إقامة مجتمع رأسماليّ خاضع لدكتاتورية البرجوازيّة الصينية ، بل ستنتهى هذه المرحلة الأولى بإقامة مجتمع للديمقراطيّة الجديدة خاضع للدكتاتوريّة المشتركة لجميع الطبقات الثوريّة فى الصين بزعامة البروليتاريا الصينيّة . و من ثمّ ستتطوّر هذه الثورة إلى المرحلة الثانية التى سيقام فيها مجتمع إشتراكي فى الصين ."

( ماو تسى تونغ ، جانفى 1940، " حول الديمقراطية الجديدة "، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد 2، الصفحة 484)

" الحرب الإمبرياليّة العالميّة الأولي و الثورة الإشتراكيّة الظافرة الأولي ، ثورة أكتوبر ، قد غيّرتا إتّجاه تاريخ العالم كلّه و إفتتحتا عصرا جديدا .

ففى العصر الذى إنهارت فيه الجبهة الرأسماليّة العالميّة فى جزء من الكرة الأرضيّة ( سدس مساحة الأرض ) بينما ظهر للعيان تفسّخ الرأسماليّة فى أجزاءها الأخري ، العصر الذى أصبحت هذه الأجزاء الرأسماليّة الباقية لا تستطيع أن تحيا فيه بدون مزيد من الإعتماد على المستعمرات و شبه المستعمرات ، العصر الذى قامت فيه دولة إشتراكية و أعلنت رغبتها فى خوض النضال من أجل دعم حركة التحرّر فى جميع المستعمرات و شبه المستعمرات ، العصر الذى تتحرّر فيه البروليتاريا فى البلدان الرأسماليّة يوما فيوما من نفوذ الأحزاب الإشتراكيّة الديمقراطيّة - الأحزاب الإشتراكيّة الإمبريالية - و تعلن تأييدها لحركة التحرّر فى المستعمرات و شبه المستعمرات ، فى هذا العصر إذا نشبت فى أيّ بلد مستعمر أو شبه مستعمر ثورة موجّهة ضد الإمبرياليّة ، أي ضد البرجوازيّة العالميّة و الرأسماليّة العالميّة ، فهي لا تنتسب إلى الثورة الديمقراطية البرجوازية العالميّة بمفهومها القديم ، بل تنتسب إلى مفهوم جديد ، و لا تعدّ جزءا من الثورة العالميّة القديمة البرجوازيّة و الرأسماليّة ، بل تعدّ جزءا من الثورة العالميّة الجديدة ، أي جزءا من الثورة العالميّة الإشتراكيّة البروليتاريّة ، و إنّ مثل هذه المستعمرات و شبه المستعمرات الثوريّة لم تعد تعتبر فى عداد حليفات الجبهة الرأسماليّة العالميّة المضادة للثورة ، بل أصبحت حليفات للجبهة الإشتراكيّة العالميّة الثوريّة .

و على الرغم من أنّ مثل هذه الثورة فى البلد المستعمر و شبه المستعمر لا تبرح خلال مرحلتها الأولى ثورة ديمقراطية برجوازية بصورة أساسيّة من حيث طبيعتها الإجتماعيّة ، وعلى الرغم من أنّ رسالتها الموضوعيّة هي تمهيد الطريق لتطوّر الرأسماليّة ، إلاّ أنّها ليست ثورة من النمط القديم تقودها البرجوازية و تهدف إلى إقامة مجتمع رأسمالي بل هي ثورة جديدة تقودها البروليتاريا و تهدف ، فى مرحلتها الأولى ، إلى إقامة مجتمع للديمقراطية الجديدة و دولة خاضعة للدكتاتوريّة المشتركة التى تمارسها جميع الطبقات الثوريّة . و هكذا فإنّ هذه الثورة من ناحية أخرى تقوم ، على وجه التحديد ، بتمهيد طريق أوسع و أرحب من أجل تطوّر الإشتراكية ...

إنّ هذا التعريف الصحيح الذى طرحه الشيوعيّون الصينيّون يستند إلى نظريّة ستالين . فقد قال ستالن فى مقال كتبه فى عام 1918 إحياء للذكرى الأولى لثورة أكتوبر :

" إن المغزى العالمي العظيم لثورة أكتوبر يتمثّل بصورة رئيسية فى أنّها :

1) وسعت إطار المسألة القوميّة إذ حوّلتها من مسألة جزئيّة خاصة بالنضال ضد الإضطهاد القومي فى أوروبا إلى مسألة عامة متعلّقة بتحرّر الأمم المضطهدة و المستعمرات و شبه المستعمرات من نير الإمبريالية ،

2) أتاحت إمكانية عريضة و شقّت طرقا واقعيّة نحو تحقيق هذا التحرّر ، وهي بذلك دفعت كثيرا قضيّة تحرّر الأمم المضطهدة فى الغرب و الشرق و إجتذبت هذه الأمم إلى التيّار العارم للنضال الظافر ضد الإمبريالية ،

3) أنشأت بذلك جسرا بين الغرب الإشتراكي و الشرق المستعبد ، إذ خلقت جبهة جديدة من الثورات ضد الإمبريالية العالميّة تمتدّ من البروليتاريا فى الغرب ، عبر الثورة الروسيّة ، إلى الأمم المضطهدة فى الشرق ."

( ماو تسي تونغ ،" حول الديمقراطية الجديدة " ، " مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة " المجلّد 2 ، الصفحة 479-481 ، يناير - كانون الثانى 1940)

5- و التاريخ شهد و يشهد بقيادة الماويّة بإقتدار للثورة الديمقراطية الجديدة الصينيّة نحو الإنتصار و بترحيب ستالين بالخطوة الجبّارة التى حقّقتها الثورة البروليتاريّة العالميّة جراء ذلك الإنتصار. و سجّلت مئات الكتب التحوّل العظيم نحو الإشتراكية والذى شرعت فيه الصين منذ سنة 1953 فى ظلّ القيادة الماويّة التى ما إنفكّت تنازل الإنتهازيّة بكافة أرهاطها كما سجّلت مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا وأحداث ثالث أهمّ ثورة عرفها تاريخ الثورة البروليتاريّة العالميّة فى القرن العشرين و نقصد الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى ( إلى جانب ثورة أكتوبر المجيدة و إنتصار ثورة الديمقراطية الجديدة فى 1949 ، فى صين ربع سكّان العالم ) المنارة التى لا يزال الشيوعيّون الثوريّون فى العالم يسترشدون بدروسها القيّمة للغاية بالنسبة لنضال البروليتاريا العالميّة حاضرا و مستقبلا قصد تطوير الممارسة و النظريّة الثوريّتين للحركة الشيوعيّة العالميّة .
----------------------------------------------------------------