لبنان: الانفجار العظيم


محمد حسام
2020 / 8 / 12 - 03:17     

في 4 أغسطس وقع انفجار كارثي في بيروت هز المجتمع اللبناني حتى الأعماق. انفجار أوقع من القتلي العشرات وأصيب المئات وشرد أكثر من 300 ألف انسان نتيجة تهدم أو تضرر منازلهم، هذا عدا عن ضياع جزء من مخزون القمح والأدوية الذين كانوا موجودين في المرفأ. انفجار أظهر المستوى البشع من اللامبالاة والاستهتار بحياة البشر الذي وصله الحكام في لبنان إلى درجة جعلتهم لا يأبهون بوضع قنبلة موقوتة في المدينة لمدة ست سنوات.

عن التفسخ الاجتماعي:

يأتي هذا الانفجار الكارثي كحلقة في سلسلة التفسخ الاجتماعي الحاصل في المجتمع اللبناني. لبنان، هذا البلد الصغير ذو التعداد السكاني الصغير، يُحكم منذ أكثر من ثلاثين عاماً من قبل عصابة من المجرمين القتلة الذين أخذوا قرار في يوم من الأيام بإحراق البلاد عن بكرة أبيها لمدة خمسة عشر عاماً لتقاسم النفوذ والثروات.

هؤلاء المجرمين أوصلوا البلد إلى حافة المجاعة اليوم، نسبة الفقر تتعدى الـ 45% من السكان، ثلث قوة العمل عاطلة والباقي يعمل في ظل ظروف وحشية، نسبة تضخم وصلت 400%، وأصحاب المصارف، الذين هم جزء من الطبقة الحاكمة نفسها وبعضهم أعضاء في الحكومات السابقة والحالية، يحتجزون أموال الجماهير والعمال وصغار المودعين لجعلهم يدفعون ثمن الأزمة والإفلاس الذين تسببت فيهما الطبقة الجشعة من الأثرياء، قطاع صحي متردي في خضم الوباء، والخاص منه يعيش على نهب المرضي. حالة من اليأس وانعدام أي دور للدولة أوصل فقراء لبنان للانتحار في وضح النهار.

هذه هي الأسباب التي أدت لاندلاع انتفاضة 17 أكتوبر، والتي جاء الوباء ليضعف من وتيرة تطورها، لكن جرائم الطبقة الحاكمة المتكررة أقنعت الجماهير أن هؤلاء هم الخطر الحقيقي وليس الوباء. الطبقة الحاكمة في لبنان لم تعد فقط خطرا على مستقبلنا وأفق تطورنا كمجتمع وإنما أصبحت خطرا حتى على حاضرنا، كل يوم تتأخر فيه الثورة عن إسقاط النظام الرأسمالي الطائفي الفاسد يحمل معه احتمالية حدوث كارثة جديدة. أكرر، هذا النظام الرأسمالي الطائفي أصبح يمثل خطرا مباشرا ويوميا على حياتنا، وإذا لم نعمل على إسقاطه فسوف يسقطنا هو في هوة سحيقة من المآسي والفظائع والبربرية.

الإمبريالية والطبقة الحاكمة اللبنانية:

سارعت القوى الامبريالية لإظهار تعاطفها الكاذب مع مأساة الجماهير اللبنانية. الامبريالية الفرنسية التي أرست النظام الطائفي في لبنان تحاول اليوم الظهور بمظهر حامي الشعب اللبناني، مع أنها سبب من الأسباب المباشرة لمعاناة وعذابات الجماهير لعقود وإلى الآن عن طريق دعمها للنظام الفاسد القائم. الحقيقة أن في زيارة امانويل ماكرون رئيس الجمهورية الفرنسية كثير من الدلالات المهمة.

جاء ماكرون ليعلن نفسه راعي الشعب اللبناني، هذا المصرفي الذي يواجه غضب الجماهير الفرنسية من شهور جاء ليبشر الجماهير اللبنانية بالخير الذي فشل في تحقيقه للجماهير الفرنسية. جاء ليعلن عن بداية عهد سياسي جديد بنفس الوجوه القديمة، لكن الفرق انها ستكون تحت اشرافه وبتحجيم أكبر لدور حزب الله. جاء ليوبخ أذياله الذين وقفوا مثل التلاميذ الفاشلين يستمعون لتوبيخ أستاذهم، جاء ليوبخهم على سوء ادارتهم وقذارتهم المستشرية حد الغباء، والتي تهدد بقيام ثورة تكنس النظام الرأسمالي الطائفي، الذي رعته وما زالت ترعاه الإمبريالية الفرنسية. الطبقة الحاكمة اللبنانية وصلت لمرحلة من الانحطاط جعلتها ليس فقط غير جديرة بثقة الجماهير، لكنها صارت لا تحظى حتى بثقة الامبريالية.

أعلن ماكرون، بصلف اعتاد التاريخ عليه من الامبريالية الفرنسية، عن عدة خطوات فيما يشبه عودة عهد الانتداب. هذه الزيارة السريعة وهذه اللهجة، التي تحدث بها ماكرون وكأنه الآمر الناهي في البلد، هي بداية عودة نمط من العلاقات بين الدول الإمبريالية والدول التابعة كان قد انتهى ظاهريا منذ عقود، جاء ليضمن عدم خروج لبنان من تبعيتها. والأنكى هو طريقة تعامل الطبقة الحاكمة مع الزيارة السريعة التي تشبه زيارة اطمئنان على مستعمرات، وقفوا جميعا مصطفين ليلقي سيدهم القادم من باريس شروطه وتعليماته التي يجب أن يتم تنفيذها لكي ينقذهم من مأزقهم. حتى من صموا آذاننا طيلة سنوات عن الاستقلال والمقاومة لم يعترضوا.

حزب الله، الطرف الأقوى في لبنان اليوم، في مأزق حقيقي. الجماهير تحمله مسؤولية ما حدث نتيجة تصدره المشهد السياسي منذ سنوات، ولحقيقة أنه هو من يحمي النظام الرأسمالي الطائفي في لبنان. الحزب يعلم جيداً ان تدخل القوى الامبريالية لن يغير ولو قليلاً معادلة الحكم في لبنان الذي صنعها بنفسه. فقرر حسن نصرالله أن يخرج علينا ليعلن ليس فقط ترحيبه بالإمبريالية في لبنان، بل وتنصله بشكل كامل من الكارثة، وبسفالة منقطعة النظير قال: “نحن لا نعرف ما يحدث في مرفأ بيروت، لكننا نعرف ما يحدث في مرفأ حيفا، لأننا مقاومة وهذا جزء من معادلة الردع في المنطقة”. لا يوجد رد إلا السباب كحد أدني على هذه الوقاحة. فباسم معادلة الردع والمقاومة يتم قمع وإفقار واستغلال الجماهير اللبنانية منذ عقود، ويتم قتل وذبح الجماهير السورية منذ سنوات. حزب الله الذي لا يجد غير فلسطين المحتلة مطية، فلسطين التي لم يحرر منها سنتيمترا واحدا، لم ينبس ببنت شفه على ماكرون الذي جاء ليعلن أن لبنان من هذه اللحظة يجب أن يسير تحت إدارته وإلا سيتركه يحترق بمن فيه.

الامبريالية الفرنسية تحاول إنقاذ النظام من الغضب الجماهيري عن طريق تصوير نفسها كطرف محايد يسعى “لاستقرار” المجتمع، والحقيقة أنها لن تفلح في ذلك، لا يوجد حل على أساس رأسمالي، وأقصى ما يمكن أن تفعله الامبريالية الفرنسية هي تسكين مؤقت جداً يكاد لا يلاحظ للأزمة الاقتصادية، لكنها ستؤدي لتفاقم تلك الأزمة في المستقبل القريب جداً، حيث مزيد من القروض سيؤدي لتسريع وتيرة ووطأة الأزمة. إن الإمبريالية الفرنسية تريد أن تستغل كارثة الانفجار لتمرير إجراءات اقتصادية لم يكن من الممكن تمريرها من قبل، لظنها أن الجماهير سوف تتعلق بأي أمل ينقذها من العصابة الحاكمة.

رد فعل الجماهير والدولة المنحطة:

بعدما أفاقت الجماهير من هول الكارثة، راحت تطالب بمحاسبة المسؤولين وإسقاط النظام الرأسمالي الفاسد الذي قتل أحبائنا وأهلنا. اندفعت الجماهير بمئات الآلاف لوسط بيروت في “يوم الحساب”، نصبوا مشانق معلق عليها صور جميع أعضاء العصابة الحاكمة، من ميشال عون وصهره جبران باسيل، مروراً بسعد الحريري -رئيس الوزراء المستقيل إثر الانتفاضة- ووليد جنبلاط، ووصولاً للعميل سمير جعجع و”السيد” حسن نصرالله. تأكدت الجماهير للمرة المئة من صحة شعارها “كلهم يعني كلهم”. احتلت الجماهير العديد من المباني الحكومية والوزارات، منها مقر وزارة الخارجية التي أعلنها المتظاهرين مقرا مؤقتا لقوى الثورة، كما اقتحمت الجماهير مقر جمعية المصارف وأحرقته.

ماذا كان رد فعل الطبقة الحاكمة والدولة التي تسببت في الفاجعة؟ استخدمت القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والرصاص الحي لقمع الجماهير. هذه الدولة المجرمة بدلاً من أن تنشغل برفع حطام الكارثة التي تسببت فيها انشغلت بقمع الجماهير، وبدلاً من أن توجه قواتها لمساعدة المنكوبين وجهتها لقمعهم. وكأنه لا يكفي هؤلاء المجرمين أنهم سرقوا خبزنا وأحلامنا ومستقبلنا وحاضرنا، يريدون الآن سرقة غضبنا وآلامنا ومشاعرنا وإنسانيتنا؛ وكأنه لا يكفيهم أن نجوع في صمت وأن نُستغل في صمت وأن نُقمع في صمت، بل يجب علينا أن نقتل ونحن في بيوتنا بصمت أيضاً. لكن الجماهير كانت لهم بالمرصاد وبصقت على دعاوى كل الطبقة الحاكمة التي تنادي ب”الاصطفاف الوطني في وجه الكارثة”، وأعلنتها صراحة: “إننا من اليوم لا هدف لنا سوى محاسبتكم على كل جرائمكم التي ارتكبتموها في حقنا طيلة عقود واننا سندفنكم مع نظامكم الفاسد الذي لا يعرف ولا ينتج لنا غير الكوارث”!

حل وحيد أمامنا: الثورة!

لقد وصلنا إلى القاع، وجود هذه الطبقة الحاكمة المتعفنة يهددنا كل دقيقة، وإن لم نتخلص منها فسوف تتخلص هي منا وسوف تذيقنا المآسي تلو المآسي. نستطيع ويجب أن نحيا حياة مختلفة، حياة غير حياة الفقر والجوع والمرض والاستغلال والهجرة الاجبارية والبطالة الاجبارية، حياة لا نصبح فيها مهددين بفقدانها في كل لحظة.

هذا يمكن فقط عن طريق اسقاط النظام الرأسمالي الطائفي القائم، وإرساء نظام اقتصادي وسياسي بديل يقوم على إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتأميم المصارف وتوجيه تلك الثروات التي أنتجتها الجماهير لصالح الجماهير على قاعدة الاقتصاد المخطط، لتلبية احتياجات الأغلبية وتنمية المجتمع وليس لإثراء مجموعة ضئيلة من أمراء الحرب المجرمين على حساب الجماهير. نظام سياسي قاعدي وديمقراطي يقوم على حق انتخاب وعزل كل المسؤولين، لتكون هناك دولة تمثل مصالح الطبقة العاملة والجماهير الفقيرة عن حق، وليس دولة مليشيات تحكم الجماهير بالإرهاب المسلح. لنبدأ الطريق نحو تأسيس مجتمع اشتراكي قائم على المساواة ونتخلص من إرث الفقر والحرمان والحروب الداخلية للأبد.

عن طريق تنظيم قوى الانتفاضة وتدخل الطبقة العاملة تدخلا واعيا، يمكننا إسقاط النظام الإجرامي. إن ثورة منظمة بقيادة ثورية من قلب الجماهير قادرة على قلب الأوضاع لأول مرة لصالح الجماهير. الهجوم المنظم هو شعار الساعة يا رفاق. هذا يلزمه حزب ثورى يعمل على تنظيم الطبقة العاملة في مجالسها الثورية، كما وتنظيم الجماهير في الميادين، لتكون تلك هي بداية نهاية ليس فقط حسان دياب وحكومته، بل النظام الرأسمالي المتعفن في لبنان بكل مآسيه وجراحه وكوارثه.

كما يجب توجيه نداء لقواعد الجيش النظامي الجمهوري من جنود وصغار الضباط، لحثهم على الانضمام لرفاقهم ورفيقاتهم في الثورة. يجب أن يتم التوجه بدعاية طبقية وثورية لهؤلاء لإفهامهم حقيقة أن عدونا واحد وأن سلاحهم يجب أن يوجه لصدور الفاسدين والناهبين والقتلة الذين قامروا بحياتنا طيلة عقود لمصلحتهم ولزيادة ثرواتهم وليس لصدور إخوانهم. رسالة واضحة مفادها أن هذا النظام محمي بشكل مباشر بهم، وأن الطبقة الحاكمة تستخدمهم كدروع بشرية في وجه الثورة والجماهير، ليقمع الفقراء بعضهم بعضاً، وأنه بمجرد انتقالهم إلى جانبنا ووضع سلاحهم تحت تصرف الجماهير الثورية وقيادتها، سوف يصبح مصير من ظنوا أنفسهم أسياداً علينا لعقود في خبر كان. ليبدأ عهد جديد بحق، عهد الجماهير العاملة والفقيرة، ليس عهد حسن نصرالله وميشال عون وليس العهد الجديد الذي تبشرنا به الامبريالية الفرنسية.

في النهاية أقول ليس لدينا حرفياً ما نخسره، خسرنا عملنا و قيمتنا الانسانية وبيوتنا وأهلنا وحاضرنا، لكن يمكننا أن نفوز بمستقبلنا، فقط إن اتحدنا ونظمنا صفوفنا لن توجد قوة تستطيع أن تقف في وجهنا. فقط إن انتظمنا مع بوصلة سياسية صحيحة وثورية. فلنجعل قتلانا وجرحانا ومشردينا ذخائر نقتل بها النظام الرأسمالي المتعفن !

المجد للشهداء وعاجل الشفاء للجرحى والحرية للمعتقلين!
يسقط قامعو الجماهير اللبنانية من قوات نظامية ومليشيات طائفية!
كلهم يعني كلهم !
تسقط حكومات رجال الأعمال!
لا حل سوى انتصار الثورة الاشتراكية بحكومة عمالية!