حول كتاب -الكتابة بحبر أسود- للدكتور حسن مدن.


جميل داري
2020 / 6 / 18 - 14:55     

حول كتاب "الكتابة بحبر أسود" للدكتور حسن مدن. جميل داري
يخيّل لي أنّ المؤلّف المبدع حسن مدن يكتب بعقله وقلبه، وهو يخوض بنا عباب رحلته الطويلة من قارّة إلى أخرى.
أتابع كتابات الكاتب منذ أكثر من 20 عاما في الصحافة الإماراتية الورقية ، حتى صرت مدمنًا عليها ، لغناها الفكريّ وجمالها الأسلوبيّ .
لديه القدرة على تقريب أبعد الأفكار والقضايا بأسلوب سلس جذاب وهذا ما أطلق عليه النقاد قديما" السهل الممتنع"
المعرّي السوريّ كتب رحلته الخيالية عن الجحيم والنعيم في رسالة الغفران، وعلى خطاه سار الإيطاليّ دانتي الذي كتب أيضًا عن الجحيم والمطهر والفردوس، فكانت الكوميديا الإلهيّة، وابن بطّوطة المغربيّ البربريّ الذي كتب رحلته الواقعية، وكذلك ابن جبير الأندلسيّ وأحمد بن ماجد الجلفاريّ.
حسن مدن لا يختلف عنهم في رحلته الطويلة عابرًا عباب الكتابة والإبداع حيث نتعرّف من خلاله على مناطق لم نكن نعرفها قبل قراءة الكتاب، كما إنّها تعمّق معرفتنا بمناطق أخرى، وعرّفنا إلى شخصيات إبداعية أدبية أجنبية وعربية دون أن نشعر بأدنى غربة وغرابة بل العكس تماما نشعر بألفة إنسانية غريبة مع أدباء ومفكّرين من أدنى الأرض إلى أقصاها، ويتحدّث عن بعض من رآهم أو عاشرهم أو قرأ لهم، فبينه وبينهم صداقة حميمة، هي صداقة العقل والروح.
ثمّة أدباء كنّا نمرّ بهم مرور الكرام دون أن نتوغل في مدى العمق الإنساني لديهم حتى نشعر أنّ حسن مدن مثلًا عاش مع تشيخوف وشخصياته القصصية المدهشة، وعرفه وعرفها عن كثب .
إنّ الأسفار في الطبيعة تعلّم الإنسان وتخرجه من حالة السكون والملل، كذلك هنا تبدو الأسفار شائقة ودليلنا إلى محطاتها حسن مدن الخبير بكل محطة وما فيها من كتاب يعرفهم حق المعرفة ويعرفونه فإذا بنا نطيل الوقوف لنسمع ونستمتع بكل كاتب وسيرته وأسلوبه في القراءة والكتابة والحياة.
قال توفيق الحكيم :" الإبداع صعب للفنان وسهل للناس"
لنا أن نتخيّل الجهد الجبّار الذي بذله حسن مدن وهو ينتقل من كاتب إلى آخر، عارفا بدقّة عوالم كلّ واحد وأسراره وأبعاده النفسية والعقلية والإبداعية.
كم من الوقت صرفه كاتبنا في قراءة هؤلاء المبدعين، وكم من الوقت في الكتابة عنهم ثمّ نأتي نحن، ونقطف ما نشاء وعلى الحاضر تمامًا كالفلّاح الذي يحرث الأرض ويبذرها ويسقيها ويرعاها حتى موسم الحصاد، فإذا الحصاد عصير العقول التي حفرت أنفاقًا في جبال الحياة، ومهّدت السبيل إلى الجمال والجلال.
إنّ الكتابة عملية عقلية عدّها ابن خلدون صناعة شريفة، فكيف اذا كان الأسلوب مشرقًا واضحًا دون تشدّق أو تقعّر.
عذب شائق دون ملل فالكتاب 350 صفحة لا تشعر بايّ ملل منه بل تريد إعادة القراءة مرة تلو أخرى.
إنّ الأسلوب الأدبيّ هو هويّة يتميز بها كلّ كاتب حيث يقرّب الأفكار، ويجعلها سائغة وشهيّة، بعيدًا عن الأفكار والآراء المتعصّبة والحقائق المطلقة، فالكاتب الجيد يكتب ما هو نابض بالاخضرار والمنطق والموضوعية.
يقول توفيق الحكيم:" إنّ الأديب الحقّ هو الذي يجعلك تدرك عمقًا جديدًا، كلّما أعدت قراءة كتابه"
قال الجاحظ: "خير الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره"
وقد كان الكاتب وفيًّا لنصيحة الجاحظ التي تصلح لكلّ مكان وزمان، فكان كتابه الضخم بجوهره قبل مظهره.
خمس وثمانون محطّة في أماكن مختلفة، وفي كلّ محطّة جلسة سمر يملؤها حسن مدن بأحاديثه الشائقة التي تجذبنا إليها كما تجذب الأزهار أسراب النحل.
...
كتابٌ فيهِ فاكهةُ العقولِ
وفيهِ كلُّ معنى سلسبيلِ
...
نطوفُ، نطوفُ لا نعيا طوافاً
وهل يعيا الخليلُ من الخليلِ
...
فذا حسنٌ يحسّنُ كلَّ حرفٍ
فليسَ سوى الجمالِ من الجميلِ
...
يعودُ بنا إلى عمقِ الرّوايا
إلى الكرماءِ في الزّمنِ البخيلِ
...
يضمُّ من المواهبِ كلَّ فذٍّ
وكلَّ معتّقٍ شهمٍ أصيلِ
...
ويجمعُهم جميعاً نورُ عقلٍ
فنحنُ نعيشُ في ظلٍّ ظليلِ
...
زمانُ الحبرِ ينبضُ في دمانا
كنبضِ النّورِ في الليلِ الطويلِ