لنصلح التاريخ


شاكر الناصري
2020 / 6 / 10 - 16:44     

مثلما كان وباء كورونا صفعة قوية على وجه العالم الرأسمالي، حيث كشف عن حجم المغالطات والتزييف والإدعاءات حول قضايا الحق بالحياة والعيش بكرامة والحقوق ومجتمع الوفرة والرفاه والصحة والرعاية، فإن صرخة الأمريكي الأسود، جورج فلويد، تحت ركبة ضابط شرطة أمريكي: لا أستيطع التنفس، قد فتحت، ليس في أمريكا فقط، بل في كل دول العالم، صفحات تاريخ العبودية والعنصرية التي مورست ضد سكان أفريقيا وتحولهم إلى سلع تباع وتشترى في سوق النخاسة في امريكا او في أفريقيا نفسها، وكذلك فتحت السجلات السوداء والمخزية لتجار العبيد وشركاتهم وأموالهم والدول والحكومات التي كانت تدعمهم وتحميهم. وأعادت التذكير بتاريخ العار والدم والوحشية التي مارستها دول وحكومات وأنظمة تتشدق الآن بالحريات والحقوق وكرامة الإنسان، بل ولا تتوانى عن شن حروبها المدمرة من أجل فرض نموذجها المتخيل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وإسقاط الأنظمة الديكتاورية بعد نفاد الحاجة إليها!!.

لا يتوقف نشطاء حركة حياة السود مهمة، في أمريكا وخارجها عن تعرية تاريخ الأنظمة العنصرية وتحطيم رموزها وتخريبها وإجبار السلطات على إزالتها من الشوارع والمتاحف والحدائق العامة! فعندما يعامل السود في أمريكا أو في أي بقعة من العالم بعنصرية وتمييز عرقي او إهمال ودونية بسبب لون البشرة، ودون أي رادع أخلاقي او قانوني، فمن المؤكد أن هذا العالم بحاجة إلى صفعات قوية جداً تعيده إلى رشده وتعري تاريخه الحافل بالجرائم والعنصرية والموت الجماعي الذي فرض على سكان الدول الأفريقية وفَضح الوحشية التي مورست ضدهم. فبعد إسقاط تمثال تاجر العبيد إدوار كولستون في مدينة بريستول البريطانية، واصل نشطاء حياة السود مهمة حراكهم ضد رموز العبودية في بريطانيا، حيث أزيل تمثال لتاجر العبيد الشهير روبرت ميليغان من أمام متحف لندن دوكلاندز، أحد شهر متاحف العاصمة البريطانية، بعد أن وضعت عليه لافتة كبيرة: حياة السود مهمة. وفي وقت إزالة تمثال ميليغان، تجمع الآلاف أمام جامعة أوكسفورد للمطالبة بإزالة تمثال للإمبريالي المعروف سيسيل رودس، حسب موقع بي بي سي.

وفي بلجيكا، برزت مؤخراً مجموعة " لنصلح التاريخ" و بالتزامن مع احتجاجات ونشاطات حراك حياة السود مهمة، وهي حركة، رغم شحة المعلومات المتوفرة عنها، لكنها تدعو إلى التخلص من إرث حقبة الاستعمار البلجيكي لدولة الكونغو، ومحاكمة التاريخ الإجرامي للملك السفاح ليوبولد الثاني، والتخلص من كل ما يذكر الناس به وبجرائمه ودمويته، وكذلك الدعوة إلى تعويض الكونغو عن كل تلك الجرائم التي مورست بحق سكانها. وتطالب مجموعة لنصلح التاريخ في عريضة جمعت نحو 50 ألف توقيع حتى مساء الجمعة الماضي، من سلطات مدينة بروكسل سحب كل التماثيل التي تخلّد ذكرى ليوبولد الثاني. وقد تحقق ذلك بعد أن تعرضت كل تماثيل هذا السفاح إلى حملات تشويه وتخريب تذكر العالم بجرائمه.

ما يثير الإنتباه حقا، هو الاستجابة السريعة التي تصدر عن السلطات في الدول والمدن التي توجد فيها تماثيل تذكر بماضي العبودية المخزي وبتاريخ الاستعمار والإذلال الذي مارسته الدول العظمى، آنذاك، بحق الشعوب التي أستعمرت واحتلت أراضيها. ليس هذا فقط، بل أن حكومات هذه الدول وإدارات متاحفها باتت تهاجم تاريخ العبودية وتجد أن وجود هذه التماثيل التي تنتصب في شوارع المدن وفي واجهات المتاحف له أمر مزعج!! وأبدت إستعدادها لمراجعة كل التماثيل التي تذكر بتاريخ العبودية او ترتبط بها وبرموزها.
وكما جاء في بيان متحف لندن: " متحف لندن يعترف بأن التمثال جزء من المشكلة المستمرة لنظام سيادة العرق الأبيض الذي لايعترف بآلام هؤلاء الذين لازالوا يصارعون بقايا الجرائم التي ارتكبها ميليغان ضد الإنسانية"!! أما صديق خان، عمدة لندن، فقد قال في بيانه: " لندن يجب عليها أن تواجه حقيقة مزعجة من التاريخ المرتبط بالعبودية. لندن واحدة من أكثر مدن العالم تنوعا في الثقافات والأعراق لكن مظاهرات "حياة السود مهمة" ألقت الضوء على أن الكثير من تماثيل المدينة وأسماء شوارعها تعكس تاريخ بريطانيا خلال الحقبة الاستعمارية. الحقيقة المزعجة تشير إلى أن أمتنا ومدينتنا تدين بالجانب الأكبر من ثروتها لدورها في تجارة العبيد."

إن العالم بحاجة إلى مراجعة تاريخ الاستعمار والعبودية والحروب بشكل صريح وشاق. نعم، مصالح الأنظمة الرأسمالية وقدرتها على التدمير وتشويه الحقائق مؤثرة بشكل كبير، لكن ما تحقق خلال أيام بسيطة، بعد مقتل جورج فلويد، يمكنه أن يكون الحافز لمراجعة منصفة وعادلة. لاتصلح التاريخ فقط، لأنه تاريخ مضى وحمل معه الكثير من الآلام والدماء، بل تعيد للضحايا كرامتهم المنتهكة.