إيدير: -سيعيش-


عبد المجيد السخيري
2020 / 5 / 4 - 05:26     

توفي أمس السبت 2 ماي 2020 بمستشفى "بيشا سان كلود برنار" في فرنسا، وعن عمر يناهز 71 سنة، الفنان العالمي القبائلي الأمازيغي الجزائري المعروف "إيدير"، وذلك بعد صراع مع المرض بحسب ما تناقلته وسائل إعلام دولية ومحلية. "حميد شريت"، وهو اسمه الأصلي، واسمه الفني "إيدير"، ويعني بالأمازيغية "سيعيش" il vivra ، يعتبر مدرسة قائمة بذاتها في الموسيقى والفن على الصعيدين المغاربي الأمازيغي والإفريقي، وتجربة موسيقية وغنائية فذة على الصعيد العالمي، لا يمكن مقارنتها بأي تجربة أو موجة غنائية عابرة، ولا بتجارب من مرجعية ثقافية متقاربة، حتى ولو كانت من توقيع فنان شعبي أحبه "إيدير" نفسه والكثير من عشاق الغناء الملتزم والأصيل، مثل تجربة "معطوب الوناس" الذي اغتيل سنة 1998بسبب أغانيه الجريئة والمناوئة للنظام السلطوي العسكري بالجزائر، وللجماعات الظلامية المتطرفة التي تبنت عملية الاغتيال.
لا يصح أن يتم اختزال قامة موسيقية كبيرة مثل "إيدير" في تعابير مثل "إيقونة الأغنية الأمازيغية"، أو "الفنان القبائلي الكبير" وما شابه من الصفات التي ترمي بها العناوين الإعلامية خبر نعيه. هذا ينم عن جهل حقيقي بما يمثله فعلا "إيدير" على المستوى الموسيقي، سواء بالنسبة للذين لا علاقة لهم بالموسيقى، أو لا يفهمون شيئا منها، وبالأحرى يسمعون عن "إيدير " كأي فنان مشهور آخر، وليس بوسعهم أن يتأملوا بعمق أعماله الموسيقية ودراستها من النواحي الفنية والثقافية أو بالخصوص من الناحية الموسيقية البحتة. لا أخفي شعوري بالاستفزاز كلما أقرأ ورقات سخيفة تتناول هذه التجربة الفنية بكثير من التعسف والاختزال التبسيطي المعيب، وحتى الاستخفاف المتعمد، ليست فقط مما نشر من كلمات تأبينية في المدونات الرقمية، أو تعليقات هنا أو هناك بالمواقع الإلكترونية، وإنما أيضا مما كُتب عنها قبل رحيل "إيدير" منذ سنوات، إلا محاولات قليلة جدا نجحت في تسليط الضوء على التجربة الفنية المتميزة( التي لا أرى لها إلا نظير واحد على المستوى العربي، وهي تجربة الفنان والموسيقار الكبير مارسيل خليفة، وهي الأخرى لا تزال ضحية تقييمات ضعيفة وقراءات سطحية في الغالب).
صحيح أن "إيدير" كان مسكونا بأسئلة الهوية وثقافة الأم التي تشربها منذ طفولته في قريته أيت لحسن، هناك على مسافة 35 كلم من منطقة "تيزي وزو" القبائلية، وعلى بعد 140 كلم من الجزائر العاصمة، وموسيقاه متوغلة في التراث "القبايلي"، وأغنياته تمتح من الإيقاعات الأمازيغية التي درسها بعناية، ومن الموروث الثقافي والغنائي الأصيل لمنطقة "القبايل"، لكنه ترجم كل ذلك إلى لغة موسيقية عالمية الهوى والأفق، عميقة تتخطى الحدود الضيقة للغة والثقافة المحلية، وتمتلك كل المقومات الجمالية للتلاقح مع لغات موسيقية أخرى في أي مكان أو بلد، وتصل إلى آذان كل محبي الكلمة الراقية، وتأسر قلوب كل عشاق الفن الرفيع والإبداع الموسيقي الجميل. "إيدير" فنان وموسيقار من طراز عالمي لا يتكرر، لكن قدره أنه ينحدر من ثقافة مسودة ويتكلم لغة عانت من التهميش وعدم الاعتراف الرسمي لقرون بموطنها الأصلي، وهي ليست الإنجليزية التي تصنع اليوم شهرة عالمية سريعة لأتفه مؤدي أو مؤدية أغاني تجارية هابطة أو مطربي ومطربات الكابريهات. لذلك لا يشكل رحيل فنان من نوع "إيدير "، النادر جدا في عالمنا اليوم، صدمة بالنسبة لعدد كبير من الذين بصمت أغنياته وموسيقاه طفولتهم في الجزائر أو سائر البلاد المغاربية الأمازيغية، خصوصا رائعته التي جابت العالم، وبلغات متعددة، "أبابا إينوبا"، بل لكل الذين يضيقون بالسيطرة الرهيبة للتفاهة والرداءة في المجال الفني عامة، والموسيقي بشكل خاص، وبعضهم ربما يدرك أنه من الصعب أن نتصور خلفا أو تجربة مثيلة في الموسيقى على مستوى شمال إفريقيا يمكن أن تظهر في السنوات القليلة القادمة. في ظني أن الأمر سيحتاج لجيل كامل حتى تتوفر شروط انبثاق تجربة أخرى بمميزات جمالية قوية كتلك التي حملتها تجربة "إيدير"، إلا إذا حدثت معجزة.
ليس فقط أحبة "إيدير" وعشاق أغانيه وموسيقاه من يحزنهم رحيله في هذا التوقيت غير المناسب تماما، بل كل عشاق ومتذوقي الموسيقى الراقية التي لا لغة لها ولا وطن. إنها خسارة أخرى نتكبدها في زمن الرداءة وسيطرة المعايير التجارية ونزعة التسليع، ويمكنني شخصيا الشعور بذلك بلا مبالغة أو حاجة إلى استنفار قاموس الوجع والتأسي، ولست أُحسن استعماله على أية حال. يمكنني أن أقول إنني أشعر بحجم وهول الخسارة لأنه لم يعد لنا على صعيد فن الموسيقى بالتحديد سوى أسماء قليلة، مثلما لم يعد لنا أيضا على صعيد الفكر سوى أعلام تعد على رؤوس أصابع اليد الواحدة. أتحدث هنا عن العالم ولا أقصد منطقة أو ثقافة بعينها، لأن حصر خسارة قامة فنية وموسيقية من عيار الفنان والموسيقار العالمي "إيدير"، ليس يُقاس بهوية ضيقة، كما يفعل البعض ممن يرون في غيابه مجرد خسارة للأغنية الأمازيغية، ليس لأن "إيدير" غنى وانتصر لقضايا انسانية، كما يفعل كل فنان حقيقي وملتزم في أي زمان، ومن أي ثقافة أو لغة أو عقيدة كان، وأدى ثمن نضاله من أجل رد الاعتبار للغة وثقافة بني جلدته، بل لأنه فقط أبدع في المجال الذي استهواه أكثر من أي شيء آخر وكرس كل حياته، وترك للعالم رصيدا فنيا لا يقدر بثمن، لمن يفهم طبعا لغة الموسيقى وليس الشعارات.
إذا كانت الصدفة هي من قادت "إيدير" إلى الغناء ، فإنه على المستوى الموسيقي أحدث ثورة في مسيرة تطور الأغنية الأمازيغية بداية، ثم فتح بعدها للموسيقى الجزائرية آفاق العالمية بالمعنى الأصيل للكلمة، وليس عالمية "مطربي الكابريهات" أمثال الشاب خالد وغيره، بل إنه بمنجزه الموسيقي المتميز أثبت للعالم ما تختزنه الثقافات المقموعة والمهمشة من مخزون جمالي لا ينضب. فقد كانت طلقته الأولى أقوى من أن يكون عبوره العرضي ببرنامج إذاعي مجرد ضربة حظ، إذ حينما خرجت أغنية "أبابا إينوبا" إلى مسامع الناس أحدثت رجة وجدانية وبصمت إلى الأبد ذاكرة جيل بكامله، ليس في الجزائر فحسب، بل في باقي بلدان الجوار الأمازيغي، بحمولتها الرمزية الموغلة في تراث الأجداد والجدات، قبل أن تسافر إلى العالمية، وتصبح ربما الأغنية النادرة في العالم التي تغنى بها فنانون وفنانات من ما يقارب عشرين لغة، بعضهم من كبار النجوم والمشاهير .
ظل "إيدير" في منفاه بفرنسا، منذ ترك بلاده في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، لصيقا بثقافته الأصلية ومخلصا لروحه الأمازيغية بلا شك، لكنه أبدا لم ينطو في الأفق الضيق للانتماء الإثني والثقافي، أو يقبع في ردهات الفلكرة. فقد قاد أكبر وأعمق عملية تحديث للموسيقى الجزائرية، وهو لذلك يعتبر رائد الحداثة الموسيقية التي لا تقطع الجذور مع التراث والهوية، لكي لا تتحول إلى مسوخ.
واليوم عندما تقول بعض كلمات التأبين أن الجزائر خسرت "سفيرا لثقافتها في العالم"، أو لثقافتها الأمازيغية العريقة أيضا، وفقدت "هرما في الفن الملتزم"، فكل هذا صحيح، وربما هو الشيء الصحيح الوحيد الذي تشترك في قوله كلمات من هم في السلطة، ولم يكونوا على أي حال ينظرون بود للفنان الراحل بسبب مواقفه السياسية المعروفة من الحراك وتاريخه "النضالي"، وكلمات وتصريحات بقية أبناء الشعب الجزائري التي "تخرج من القلب". لكن في جميع الأحوال من حق الجزائر كلها، وليس "القبايل"، أن تكون فخورة بأنها أنجبت فنانا عظيما "سيعيش"-إيدير في الوجدان إلى الأبد.