المضمون التاريخي لعيد العمال: صراعٌ لم ينتهي


أحمد البلتاجي
2020 / 5 / 3 - 00:36     

«على العامل، كي يكون عاملاً، أن يكون بأدوات إنتاجه المادي مثقفًا، وعلى المثقف، كي يكون كذلك، أن يكون بأدوات إنتاجه الفكري كادحًا»
~مهدي عامل
ــــــــــــــــــــــــ

في الحادي والعشرين من أبريل 1856، والشمس تلفح وجوههم، ألقى عمال بناء جامعة ميلبورن في أستراليا بمطارقهم، وأخذوا بالسير إلى مقر البرلمان مطالبين بيوم عملٍ من ثماني ساعات. تكللت مسيرتهم بالنجاح، وحازوا مطلبهم دون انتقاصٍ من أجورهم. في الشهر التالي، خرجوا في مسيرةٍ احتفاليةٍ صارت بعدها تقليدًا سنويًا. فكرة يوم العمال، التظاهر من أجل ساعات العمل الثمانية، ولدت يومها.
سؤالان يطرحان نفسهما حول ميلاد عيد العمال، والإجابة عليهما تفسر لنا الأهمية الراهنة لهذا التقليد. أولهما: كيف تمكن عمال ملبورن من إحراز هذا النصر السريع والحاسم؟، والآخر: لما يتطلب الأمر خوض معركةٍ قاسيةٍ (قانون يوم العمل المحدد بثماني ساعات لم يُطبَّق في أستراليا سوى على العمال "المهرة من الذكور البالغين") حتى يومنا هذا؟

البداية من أستراليا

منذ بدايات القرن السابع عشر، اعتادت بريطانيا إرسال المجرمين إلى مستعمراتها العقابية في أستراليا، لتنفيذ الأحكام بالأشغال الشاقة. خلق الاستيراد المتواصل لجيش العمل العقابي هذا صعوباتٍ جمةً أمام تنظيم العمال الأستراليين لأنفسهم لأجل شروط عملٍ أفضل. مع هذا، ووسط هذه الظروف، تمكن العمال المدانون في أحيانٍ عدة من التنظيم. شهدت أستراليا في 1971 أول إضرابٍ عماليٍّ نظمه هؤلاء للمطالبة بحصص طعامٍ يوميةٍ، بدلاً من الأسبوعيةً.
استمرت هذه الموجات المتقطِّعة من الإضرابات. في 1822 عوقب أحد المدانين والمحكوم عليهم بالسجن مع الأشغال الشاقة، بشهرٍ من الحبس الانفرادي وخمسمائة جلدةٍ، لمحاولته تنظيم زملائه أثناء مطالبتهم بأجورٍ أعلى وحصص طعامٍ كافية. ومع مقدم منتصف القرن التاسع عشر، توقفت عمليات استقدام المحكومين في العديد من المدن الأسترالية، ما وفَّر فرصةً أفضل للعمال الأستراليين لخوض معاركهم والإعداد التنظيمي لها.

ولد جيمس ستيفينز، مُنظِّم إضراب عمال البناء 1856، صاحب الخبرة التنظيمية العارمة، في ويلز البريطانية. حيث التحق بنقابة البنَّائين. كان جيمس عضوًا بالحركة الشارتية أيضًا؛ الحركة التي انبثقت عن الحركة النقابية الإنجليزية وأسست حملةً عالميةً تقودها الطبقات العاملة للإصلاح السياسي.

نظمت الحركة الشارتية أول إضرابٍ عماليٍّ في بريطانيا، الأمر الذي أثار فزع الحكومة البريطانية ودفعها لاستخدام كافة الوسائل لقمعها، وصولاً إلى إعدام عددٍ من قادتها. في 1839، خرج 10,000 من الشارتيين، وبعضهم كان مسلحًا، لتحرير رفاقهم المسجونين في نيوبورت. جيمس ستيفينس كان واحدًا من هؤلاء الذي التحقوا بما عرف بعدها بانتفاضة نيوبورت. ثلاثةٌ من قادة الشارتيين المحليين لاقوا جزاءً ثقيلاً: تمت محاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى، وعوقبوا بالشنق والإغراق وتمزيق أجسادهم. قررت الحكومة -جراء احتجاجاتٍ واسعةٍ ضد الأحكام- تخفيف العقوبة، وإرسالهم إلى أستراليا. لم يكن ستيفنز مشمولاً بهذه الأحكام، واستمر باحثًا عن عملٍ حتى انتهى به المطاف بنَّاءً في قلعة ويندسور، قبل أن يتم فصله عقب اكتشاف صلته بالحركة الشارتية. المفارقة المثيرة، أنه عمل بعدها في تشييد مبنى البرلمان الجديد في ويستمنستر، وبعد قرابة القرنين في فبراير من عامنا الجاري، تم اكتشاف ممرٍ مسدودٍ يتصل بمبنى البرلمان تحمل جدارنه "جرافيتي" يحتوي كتاباتٍ للبنَّائين الذين عملوا في مشروع إعادة بناء البرلمان ذاته، وقد وصفوا أنفسهم "بالديموقراطيين الحقيقيين"؛ أحد الألقاب التي اعتاد الشارتيون استخدامها للإشارة إلى أنفسهم.

وصل ستيفينز إلى أستراليا عام 1853. كانت البلد تموج حينها بحمى الذهب وعلم ستيفنز أن مهاراته ستكون مطلوبةً. تزايُد الطلب على اليد العاملة، مصحوبًا بنقص القدرة على استغلال المدانين المجلوبين عبر البحار، جعل ستيفنز ورفاقه العمال في وضعٍ أفضل امتلكوا فيه القوة للتفاوض حول شروط عملٍ أفضل. بحرمان مستخدميهم من قوة عملهم، وإلقاء أدواتهم في ذاك اليوم القائظ من أبريل، أظهروا مقدار الأهمية التي يشكلها عملهم وقدرتهم على إحراز هذا المكسب الهام.

موت العبودية في أمريكا

في أغسطس 1866، عقد المؤتمر العام للعمال في مدينة بالتيمور الامريكية. تعهد المؤتمر بدعمه لقانونٍ يحدد ساعات العمل اليومية بثماني ساعاتٍ "في كافة ولايات الاتحاد الامريكي".
أحدهم كان يراقب ما يجري عن كثبٍ ببالغ الاهتمام، فقد كان وثيق الصلة بالقيادات الأكثر راديكاليةً في الحركة الشارتية، وهو يومها منفيٌّ إلى لندن لمشاركته في ثورات 1848 الأوروبية؛ لم يكن هذا الشخص سوى كارل ماركس. لعب ماركس دورًا رئيسيًا في في تأسيس جمعية الشغيلة العالمية في 1864. المنظمة التي ربطت بين كافة الاتحادات النقابية حينها، لتمكينهم من توحيد نضالاتهم عبر الحدود القومية. بعد شهرٍ واحدٍ من إعلان العمال الأمريكيين لمطلب يوم العمل، أعلن المؤتمر العام للجمعية يوم العمل من ثماني ساعاتٍ "الشرط الأوليَّ لتحرر الطبقة العاملة".

أشار ماركس في ملاحظةٍ بارعةٍ إلى أن الطبقة العاملة الامريكية تبنت هذا المطلب في أعقاب الحرب الأهلية مباشرةً. ضمن ملاحظته في مقطعٍ من الجزء الأول لرأس المال، الذي نُشِر بعد عامٍ من مؤتمر بالتيمور. حاجج ماركس بأن اندحار العبودية كان الشرط المسبق لاندلاع حركة الثماني ساعات عمل:
«وفي الولايات المتحدة الأميركية الشمالية، ظلت كل حركةٍ عماليةٍ مستقلةٍ في حالة شللٍ طالما كان الرِقُّ يدنس جزءًا من أرض الجمهورية. فالعمل ذو الجلد الأبيض لا يمكن أن يتحرر بينما العمل ذو الجلد الأسود موصومٌ بالعار. ولكنّ موت العبودية سرعان ما بعث حياةً يانعةً جديدةً. فكانت أول ثمرةٍ من ثمار الحرب الأهلية بدء حركة المطالبة بيوم عمل من ثماني ساعات» . فإن النضال لأجل يوم عملٍ أقصر يتطلب وحدة نضالٍ بين العمال البيض والسود تتحدد فيها مصالحهم المشتركة؛ ما كان يستحيل مسبقًا تحت نير العبودية.

يوم العمل: صراع طبقي

لكنّ ماركس استوعب أيضًا مكمن المشقة في هذا النضال. فظهور الرأسمالية الصناعية استتبع تمديدًا بالغًا ليوم العمل الاعتيادي سعيًا لمضاعفة الارباح. ولذا، فإن أي محاولةٍ لتقليص ساعات العمل اليومية كان ينظر إليها من قبل الرأسماليين الصناعيين كتهديدٍ "لحقوقهم". استوعب ماركس هذه المقاومة البرجوازية من دراسته لمواقفهم وتحركاتهم ضد قوانين العمل الصناعي في بريطانيا. لهذا السبب، فإن يوم العمل "الطبيعي" هو «نتيجةٌ لقرونٍ من الصراع بين الرأسمالي والعامل».

في الولايات المتحدة، التي انفجر فيها الصراع، أعلن اتحاد النقابات التجارية والعمالية في 1884يوم الاول من مايو موعدًا للإضرابات العامة من أجل الحق في يوم عمل من ثماني ساعات. بعد عامين، هاجمت الشرطة تجمعًا للعمال المضربين في شيكاجو متسبيين في مقتل عددٍ من العمال. في 4 مايو، تظاهر حشدٌ من العمال غي ميدان هايماركت بشيكاجو، مطالبين بحق الساعات الثمانية واحتجاجًا ضد هجوم الشرطة الوحشي. قرب نهاية اليوم، ظهر عددٌ كبيرٌ من رجال الشرطة متوجهين إلى خطباء التظاهرة آمرينَ الجميع بالانصراف. حينها ألقيت قنبلةٌ وسط صفوف الشرطة، لتبدأ الشرطة بإطلاق النار على الحشود. قتل يومها أربعة عمالٍ وسبعةٌ من رجال الشرطة فيما سجله التاريخ باسم "مذبحة هايماركت".
اتهم العمال رجال الأعمال بزرع مفجر القنبلة وسط صفوفهم، بينما أصرت الحكومة على اتهام الأناركيين. في نهاية المطاف، تم تقديم سبعةٍ من مناضلي الحركة العمالية -جميعهم من المهاجرين- إلى المحاكمة. حرم المدانون من حقهم في محاكمةٍ عادلةٍ وتم منع المحامين النقابيين من دخول قاعة المحكمة، لتنتهي تلك المسرحية الدموية بإعدام خمسةٍ منهم ، مع تخفيف الحكم على أحدهم إلى السجن المؤبد، بينما انتحر الآخر عشية يوم إعدامه. لنقرأ رسالة أوجست سبايز، أحد العمال المشنوقين، المفعمة بالشجاعة والنبل التي كتبها لابنه:
«ولدي الصغيرعندما تكبر وتصبح شابًا وتحقق أمنية عمري ستعرف لماذا أموت، ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنني بريءٌ، وأموت من أجل قضيةٍ شريفةٍ ولهذا لا أخاف الموت، وعندما تكبر ستفخر بابيك وتحكى قصته لأصدقائك».

بلغت "قضية هايماركت" مسامع وأفئدة المناضلين الاشتراكيين حول العالم، ومن بين الذي أخذوا على عاتقهم تبني قضية شهداء الحركة العمالية في شيكاجو، كانت الابنة الأصغر لكارل ماركس، إليانور ماركس. خلال فترةٍ وجيزةٍ، أضحت مشاركةً رئيسيةً في الحركة والحملة العالمية المطالِبة بثماني ساعاتٍ من العمل، ساعيةً إلى تنظيم فعاليات "يوم مايو" في لندن.

شرارة البداية أشعلها إضراب عاملات مصنع أعواد الثقاب "براينت أند ماي" في شرق لندن عام 1888، وجُلُّهنَّ كنَّ يافعاتٍ من أصولٍ مهاجرةٍ، ابتدأنَ ما سيعرف "بالحركة النقابية الجديدة". فاجأ هؤلاء العمال صحف رجال الأعمال وكذا القادة النقابيون الذين اعتادوا نعتهم "بغير المنظمين" و"عديمي المهارة"، حين أوقفوا خطوط العمل وابتكروا تنظيماتهم الخاصة. وفي خضم هذه الحركة ألقت إليانور ماركس بنفسها، وفي العام التالي أضرب عمال قطاع الغاز في شرق لندن ونجحوا في الفوز بحق العمل لثماني ساعاتٍ، وشاركتهم إليانور ماركس في إنشاء نقابتهم الجديدة: الاتحاد الوطني لعمال الغاز وعموم الشغيلة.

في العام ذاته، في اجتماعٍ للأممية الثانية (التي أسسها ماركس وإنجلس كنموذجٍ متطورٍ لجمعية الشغيلة العالمية) عُقِد في باريس لإحياء الذكرى المائة للثورة الفرنسية، تقدم العامل الفرنسي رايموند لاڤين باقتراحه بأن ينظم العمال الأوروبيون فعاليات حملتهم للمطالبة بيوم عملٍ من ثماني ساعاتٍ في الأول من مايو بالتوافق مع اليوم الذي اختارته الطبقة العاملة الأمريكية.

بينما في بريطانيا، كانت إليانور ماركس في مقدمة أنصار "يوم العمال"، وشاركت بخطابها في التظاهرة الأولى عام 1890 في هايد بارك. أصرت إليانور على ان هذه الفعالية لا ينبغي اختزالها إلى يومٍ طقوسيٍّ لإحياء ذكرى سنوية، بل أنه يومٌ لإعلان الالتزام بالنضال من أجل الثورة الاجتماعية لصالح كل العمال.
«إنه لا يكفي أن نأتي إلى هنا للتظاهر من أجل يوم عملٍ من ثماني ساعاتٍ. علينا ألا نكون كبعض المتدينين الذين يرتكبون الخطايا طيلة ستة أيامٍ ثم يذهبون إلى الكنيسة في اليوم السابع، لكننا ينبغي أن ندافع عن القضية في كل يومٍ، وأن ندعو الرجال و النساء خاصةً الذين نقابلهم، للانضمام إلى صفوفنا ومساعدتنا»

على المنصة خلف إليانور، كان يقف رفيق عمر والدها وشريكه في رحلة ابتكار النظرية الثورية التي بدآها بكتابة البيان الشيوعي، الجنرال العجوز، "مكتشف" الطبقة العاملة الإنجليزية، فريدريك إنجلز. كان هذا ظهوره الأول على الملأ بعد وفاة ماركس. يومها عبَّر لإليانور عن شعوره الجيَّاش بالسعادة والفخر «يمكنني أن أؤكد لكِ أنني بدوت وكأنني قد ازددت طولاً.. لقد استمعت مجددًا، وللمرة الأولى منذ أربعين عامًا، إلى صوت البروليتاريا الإنجليزية الذي لا تخطأه أذناي».
إنها النضالات التي بدأها الشارتيون، وأفنى مع رفيقه عمرهما وسطها، وقد عادت للحياة.

المبدأ السياسي

«المبدأ الأساسي والعبقري ليوم العمال، هو تقدم جماهير الطبقة العاملة الواثق والحاسم، هذا الفعل الجماهيري السياسي لملايين الكادحين، الذين بخلاف هذا، يتم تذريرهم بواسطة الحواجز التي تصطنعها الدولة ضمن العلاقات البرلمانية اليومية، والتي لا تمنحهم على الأكثر الحق في التعبير عن إرادتهم سوى عن طريق الاقتراع، وعبر انتخاب ممثِليهم.»

هذا ما كتبته روزا لوكسمبورج عام 1913. إن أهمية يوم العمال تنبع من دوره في تحطيم الحواجز الزائفة المنصوبة بين العمل "السياسي" و"الإنتاجي". الحواجز التي تعبر عن نفسها بأبلغ ما يكون في عصرنا بأبلغ من خلال قوانين العمل المجحفة وتقويضها -وتجريمها أحيانًا- للتنظيم النقابي، التي استطاعت البرجوازية -باستخدامها الحكومات والجيوش- سنَّها وفرضها لحصار الطبقة العاملة طيلة عقود الانحسار والمد الرجعي التي عاشها العالم. فضح ف. إ. لينين واقع هذه الحرب الطبقية الضروس مبيِّنًا أن «المطالبة بيوم عملٍ من ثماني ساعاتٍ... هو مطلب جميع الكادحين، الذي يضعونه، لا أمام صاحب عملٍ واحدٍ، بل أمام الحكومة كممثلةٍ لمجمل النظام الاجتماعي والسياسي الراهن، امام الطبقة الرأسمالية ككلٍ واحدٍ.»

لذا، فإن يوم العمال، هو اليوم الذي نرفض فيه أن نحارب فرادى ومشتَّتين. هو اليوم الذي نطالب فيه بتغييراتٍ أعمق أثرًا لصالح عموم الطبقة العاملة. وأن تحتل هذه النضالات موقعها حيث يفرض الكادحون ضرورة دورهم الاجتماعي، وحيث يمكننا أن نوحد قوانا، أي في موقع العمل.

"يوم العمال".. اليوم

إن تاريخ القوة التي خلقتها الأفعال المنظَّمة والوحدة الأممية للطبقة العاملة، ينطوي على أهميةٍ فائقةٍ لاستيعاب مجريات عصرنا. لا تزال أفكار ماركس حول أن طول يوم العمل يحدده مستوى الصراع الطبقي صامدةً، في وجه ثلاثين عامًا من النيوليبرالية أسفرت عن تمديد ساعات عمل الطبقة العاملة العالمية إلى ما يتجاوز الـ14 ساعةً يوميًا في دولٍ كمصر، والتي تحل ثالثةً ضمن هذا المعيار بعد معسكر العمل البهيموثي الصيني وهونج كونج، وحتى الدل الأوروبية وامريكا التي يعمل غالبية عمالها لما يتجاوز عشر ساعاتٍ في اليوم، وتحاول بريطانيا مؤخرًا التنصل من اتفاقيات قانون العمل الأوروبية الاتحادية لإطالة ساعات العمل اليومية فيها.
علاوةً على هذا، فإن التطورات التكنولوجية التي كان من المفترض أن تقلص من ساعات العمل اليومية، أطالت في الواقع زمنَ الإنتاجية المفترض (المدد الزمنية التي يفترض خلالها أن نكون منتجين). تكنولوجيا الاتصالات كالهواتف الذكية المُجهَّزة للعمل والحواسيب المحمولة (اللابتوب) باتت أداةً لفرض العمل خارج ساعات العمل الرسمية، أو العمل خلال "الوقت المسقطع".

إن كلمات ماركس التي كتبها عام 1867 تبعث صداها في حاضر الرأسمالية:
«إنه [رأس المال] يسرف في التساوم على الوقت المخصص لوجبة طعام، ويدمجه حيثما أمكن بعملية الإنتاج نفسها، بحيث يُلقم العامل طعامه كما لو كان وسيلة إنتاج صماء، أي كما يقذف الفحم إلى المرجل وكما يعطي الزيت والشحم للآلة. إنه يختزل ساعات النوم السليم اللازمة لاستجماع وتجديد وتنشيط القدرة الحيوية، إلى ساعات قلائل من سبات لا غنى عنه، أبدا، لأحياء كائن عضوي مجهد كلية.».. لا أدري إن كان تشارلي شابلن قد قرأ رأس المال، لكن المشهد الشهير في "أزمنةٍ حديثة"، لآلة الطعام التي يتم تجريبها لإطعام العمالفي أفواههم مباشرةً بينما يواصلون عملهم، يحكي القصة بحذافيرها.

لقد كشف التفشي الوبائي لفيروس كورونا المستجد عن الوجه الشائه لواقع وقت العمل اليومي عالميًا، فبينما بادر العديد بتحية الحكومات على إجراءات الإغلاق الكلية والجزئية، ووضعوا خططهم لاستغلال وقتهم حينها في تعلم لغةٍ جديدةٍ، أو إتقان آلةٍ موسيقيةٍ، أو الكتابة عن مواضيع تهمهم، وغيرهم من مئات الآلاف الذين قرروا التطوع في مجالاتٍ شتى. كل هذه الأحلام المؤجلة والإمكانيات التي أعلنت عن نفسها قبل أن يواجه أصحابها بعائق "العمل من المنزل". وما يتبقى من هذه اللحظة، معبرًا بشدةٍ عن لاعقلانية وعبثية النظام الرأسمالي المدمرة، هو أن الأمر استلزم كارثةً بيئيةً وصحيةً كتلك الجائحة الوبائية لكي تخرج هذه الآمال إلى النور.

لكن أيضًا، بالطبع، هذا ليس الحال بالنسبة لعموم الطبقة العاملة، هؤلاء الذين وصفهم الحكام "بالعمالة الأساسية" أو "الحيوية"، مع توسيع نطاق هذه الدلالة بما يتناسب مع المصالح "الأساسية" للبرجوازية، حتى شملت أغلبية الطبقة العاملة فعليًا، لكن الخطابات الحكومية مع ذلك لم تذكر هؤلاء السادة فاحشي الثراء الذين طفقوا يحذروننا من خطر مغادرتهم للبلاد. هؤلاء العمال المقسورون على العمل والذين يتعرضون يوميًا لظروفٍ تهدد حياتهم وحياة أقربائهم. تحت أنظار الحكومات التي، رغم التحذيرات الوفيرة المبكرة، فشلت في توفير الحماية اللازمة لمن يقفون في الصفوف الأمامية اليوم.

على الجانب الآخر، تكشف هذه الأحداث عن مدى اعتماد أرباب العمل على الطبقة العاملة، وعن حجم القوة التي يمكن للعمال إظهارها. وأنه أينما اتخذ العمال مبادارتٍ نضاليةٍ منظَمةً فإنهم غالبًا ما يحققون انتصاراتٍ هامةً مفاجِئةً. وقد بدأو بالفعل ينظمون الوقفات والمسيرات الاحتجاجية الإضرابات في أوروبا وأمريكا وآسيا لإعلان استعدادهم لنضالٍ جديد في حربٍ قديمة، تحدوهم الخبرة التاريخية والوعي المتنامي في ظل الأزمة، بأن قوة رأس المال ما هي إلا وهمٌ صنعه العمال.. فيا عمال العالم وشعوبَه المضطهدة اتحدوا!.

«وحينَ يطلُّ فجرُ أيامٍ أفضل، حين تبلغ الطبقة العاملة العالمية غاياتِـها، فآنذاك، أيضًا، قد يجري الاحتفال بالأول من مايو ،على شرف النضال المرير، وعذابات الماضي الكثيرة.»
~روزا لوكسمبورج