ما هي المادية التاريخية؟ الفصل الخامس: الاشتراكية والشيوعية


آلان وودز
2020 / 4 / 27 - 08:58     


الثورة الروسية

تعتبر الثورة البلشفية، من وجهة نظر الماركسيين، أعظم حدث في تاريخ البشرية. آنذاك، نجحت الطبقة العاملة، تحت قيادة حزب لينين وتروتسكي البلشفي، في إسقاط مضطهِدِيها والبدء، على الأقل، في مهمة التحويل الاشتراكي للمجتمع.


لكن الثورة لم تحدث في بلد رأسمالي متقدم، كما توقع ماركس، بل في بلد غارق في أشد ظروف التخلف بشاعة. ولإعطاء فكرة تقريبية عن الظروف التي واجهت البلاشفة نشير إلى أنه في عام واحد فقط، 1920، مات في روسيا السوفياتية ستة ملايين شخص بسبب الجوع.

سبق لماركس وإنجلز أن شرحا منذ وقت طويل أن الاشتراكية -أي المجتمع اللاطبقي- تتطلب الظروف المادية الصحيحة من أجل أن توجد. لا بد أن تنطلق الاشتراكية من مستوى عال لتطور القوى المنتجة، أعلى من المجتمع الرأسمالي الأكثر تقدما (الولايات المتحدة على سبيل المثال). حيث لا يمكن تحقيق ظروف الازدهار الحر للبشر إلا على أساس تطور كبير للصناعة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا، بدءا من انخفاض كبير في يوم العمل. والشرط المسبق لذلك هو مشاركة الطبقة العاملة في ممارسة الرقابة والتسيير الديمقراطيين للمجتمع.

سبق لإنجلز أن أوضح أنه عندما يكون الفن والعلوم والسلطة في أي مجتمع حكرا على أقلية، فإن تلك الأقلية ستستخدم موقعها لخدمة مصالحها الخاصة. وقد كان لينين سريعا في رؤية خطر الانحطاط البيروقراطي للثورة في ظل ظروف التخلف العام. في مؤلفه “الدولة والثورة”، الذي كتبه عام 1917، وضع برنامجا، على أساس تجربة كومونة باريس، يشرح فيه الشروط الأساسية، ليس للاشتراكية أو الشيوعية، بل للفترة التي تلي الثورة مباشرة، أي الفترة الانتقالية بين الرأسمالية والاشتراكية، وهي:

انتخابات حرة وديمقراطية، مع الحق في عزل جميع المسؤولين.
لا يحق لأي مسؤول تلقي أجرة أعلى من أجرة عامل مؤهل.
لا جيش دائم، بل الشعب المسلح.
تدريجيا يجب أن يتم القيام بجميع مهام تسيير الدولة من قبل جميع العمال بالتناوب، عندما يصبح الجميع “بيروقراطيا” بالتناوب، لا أحد يكون بيروقراطيا.
هذا برنامج مكتمل للديمقراطية العمالية، وهو موجه بشكل مباشر ضد خطر البيروقراطية. وقد شكل بدوره أساس برنامج الحزب البلشفي عام 1919. بعبارة أخرى فإنه، على عكس ما يزعم أعداء الاشتراكية، كانت روسيا السوفياتية في عهد لينين وتروتسكي أكثر الأنظمة ديمقراطية في التاريخ.

لكن نظام الديمقراطية العمالية السوفياتي، الذي أسسته ثورة أكتوبر لم يستمر. فبحلول أوائل الثلاثينيات، كانت جميع النقاط المذكورة أعلاه قد ألغيت. عانت الدولة العمالية، تحت حكم ستالين، من سيرورة انحطاط بيروقراطي انتهت إلى إنشاء نظام شمولي وحشي، والإبادة التامة للحزب اللينيني. كان العامل الحاسم في نجاح الردة الستالينية في روسيا هو عزلة الثورة في بلد متخلف. وقد شرح تروتسكي في كتابه “الثورة المغدورة” الطريقة التي حدثت بها هذه الردة السياسية.

لا يمكن للمجتمع أن يقفز مباشرة من الرأسمالية إلى مجتمع لا طبقي. فالميراث المادي والثقافي للمجتمع الرأسمالي غير كاف لتحقيق ذلك. وهناك الكثير من الخصاص واللامساواة التي لا يمكن التغلب عليها بشكل فوري. بعد الثورة الاشتراكية، لا بد أن تكون هناك فترة انتقالية من شأنها أن تعد الأرضية اللازمة لتحقيق الوفرة والمجتمع اللاطبقي.

وصف ماركس هذه المرحلة الأولى من المجتمع الجديد بأنها “المرحلة الدنيا للشيوعية”، مقابل “المرحلة العليا للشيوعية” حيث ستختفي آخر بقايا اللامساواة المادية. وبهذا المعنى فإن الاشتراكية والشيوعية هما على التوالي المرحلة “الأدنى” والمرحلة “الأعلى” للمجتمع الجديد.

وفي وصفه للمرحلة الدنيا من الشيوعية كتب ماركس:

«ما نناقشه هنا ليس مجتمع شيوعي تطور على أسسه الخاصة، بل، على العكس من ذلك، مجتمع قد خرج للتو من أحشاء المجتمع الرأسمالي، وبالتالي فإنه ما يزال يحتفظ في كل الجوانب، اقتصاديا وأخلاقيا وفكريا، بآثار المجتمع القديم الذي يخرج من رحمه»[1].

ويضيف:

«بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي توجد مرحلة التحول الثوري من أحدهما إلى الآخر. وبالارتباط مع ذلك توجد مرحلة انتقالية سياسية لا يمكن للدولة فيها أن تكون شيئا سوى الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا».

إن مهمة الثورة الاشتراكية، كما أوضح جميع المنظرين الماركسيين الكبار، هي إيصال الطبقة العاملة إلى السلطة عن طريق تحطيم آلة الدولة الرأسمالية القديمة، التي هي جهاز قمعي مصمم لإبقاء الطبقة العاملة في حالة خضوع. وقد شرح ماركس أن الدولة الرأسمالية، مع بيروقراطيتها، لا يمكنها أن تخدم مصالح السلطة الجديدة، وبالتالي يجب التخلص منها بشكل كامل. ومع ذلك فإن الدولة الجديدة التي تشيدها الطبقة العاملة ستكون مختلفة عن جميع الدول التي عرفها التاريخ سابقا. دولة وصفها إنجلز بأنها شبه دولة، وهي دولة مصممة بطريقة من المفترض فيها أن تختفي.

ومع ذلك فإنه بالنسبة لماركس -وهذه نقطة حاسمة- ستنطلق هذه المرحلة الدنيا من الشيوعية منذ بدايتها من مستوى من التطور الاقتصادي أعلى من الرأسمالية الأكثر تطورا وتقدما. لماذا هذا مهم جدا؟ لأنه من دون التطور الهائل لقوى الإنتاج، سوف يسود الخصاص ومعه سيسود الصراع من أجل البقاء.

وكما أوضح ماركس فإن هذا الوضع يحمل خطر الانحطاط، حيث قال: «إن تطور القوى المنتجة هو أساس عملي ضروري للغاية [للشيوعية]، لأنه بدونه يتعمم الخصاص، ومع الخصاص يعود مرة أخرى الصراع من أجل الضروريات، وهذا يعني حتمية عودة كل الزبالة القديمة إلى الحياة»[2].

تفسر هذه الكلمات التنبؤية لماركس لماذا انتهت الثورة الروسية، التي كانت تحبل بالآمال، إلى الانحطاط البيروقراطي الستاليني الوحشي، والذي بدوره مهد الطريق لعودة الرأسمالية والمزيد من الانحدار. لقد تم إحياء “كل الزبالة القديمة” لأن الثورة الروسية تعرضت للعزلة في ظروف التخلف المادي والثقافي الرهيب. لكن اليوم مع التقدم الهائل في العلوم والتقنية، صارت الظروف متوفرة لكي لا يتكرر ذلك.

تقدم غير مسبوق

تستمد كل مرحلة من مراحل التطور البشري جذورها من كل التطور السابق. ويصدق هذا على البشر وعلى الأنظمة الاجتماعية. لقد تطورنا انطلاقا من الأنواع الأدنى ونحن مرتبطون وراثيا حتى مع أكثر أشكال الحياة بدائية، كما أثبت ذلك الجينوم البشري بشكل قاطع. لا يفصلنا عن أقرب أقاربنا، الشمبانزي، سوى فارق وراثي يبلغ أقل من 2%. لكن هذه النسبة الصغيرة جدا تمثل قفزة نوعية هائلة.

لقد مررنا من الوحشية والبربرية والعبودية والإقطاع، وقد مثلت كل مرحلة من تلك المراحل مستوى محددا لتطور القوى المنتجة والثقافة. عبر هيجل بشكل جميل عن هذه الفكرة في كتابه فينومينولوجيا الروح، حيث قال:

«يختفي البرعم عندما يتفتح الزهر، ويمكننا القول إن الأول ينفيه الآخر؛ وبنفس الطريقة عندما تأتي الثمرة، يمكن تفسير الزهر على أنه شكل زائف لوجود النبتة، لأن الثمرة تظهر كطبيعة حقيقية لها بدلا من الزهر. إن النشاط المتواصل لطبيعتهم المتأصلة يجعل هذه المراحل لحظات من وحدة عضوية، حيث إنهم لا يتعارضون مع بعضهم البعض فحسب، بل ويكون كل منهم ضروري مثل الآخر؛ وبذلك تشكل حياة الكل».

كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع متجذرة في الضرورة، وتنبثق من المراحل السابقة. ولا يمكن فهم التاريخ إلا إذا تم أخذ هذه المراحل في وحدتها. يستمد كل منها سبب وجوده من تطويره للقوى المنتجة، وكل منها يدخل، في مرحلة معينة، في تناقض مع تطور تلك القوى المنتجة، عندها تصير الثورة ضرورية للتخلص من الأشكال القديمة والسماح بظهور أشكال جديدة.

إن انتصار البرجوازية، كما سبق لنا أن رأينا، تحقق بوسائل ثورية، على الرغم من أن المدافعين عن الرأسمالية اليوم لا يرغبون في أن يتم تذكيرهم بهذه الحقيقة. وكما سبق لماركس أن أوضح فإن البرجوازية من الناحية التاريخية لعبت دورا ثوريا:

«لا يمكن للبرجوازية أن توجد دون أن تُـثـوِّر باستمرار أدوات الإنتاج، وبالتالي علاقات الإنتاج، ومعها كل العلاقات الاجتماعية. وعلى العكس من ذلك فقد كان الحفاظ على أنماط الإنتاج القديمة بدون تبديل، هو الشرط الأول لوجود كل الطبقات الصناعية السالفة. إن هذا التثوير المتواصل للإنتاج، والاضطراب الدائم لكل الأوضاع الاجتماعية، وعدم اليقين والهيجان الدائمان، هو ما يميّز عصر البرجوازية عن جميع العصور السابقة». (البيان الشيوعي)

شهدت القوى المنتجة في ظل الرأسمالية تطورا مذهلا لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية: وعلى الرغم من حقيقة أن الرأسمالية هي أكثر الأنظمة استغلالا وقمعا على الإطلاق، وعلى الرغم من حقيقة أن “رأس المال جاء إلى الوجود وهو يقطر الدم من كل مسامه”، على حد تعبير ماركس، فإنه يمثل قفزة هائلة إلى الأمام في تطوير القوى المنتجة، وبالتالي سيطرتنا على الطبيعة.

لقد سار تطور التكنولوجيا والعلوم، خلال القرنين الماضيين، بمعدل أسرع بكثير مما كان عليه في كل المراحل التاريخية السابقة. ومنحنى التطور البشري، الذي كان مسطحا تقريبا طيلة معظم فترات تاريخنا، شهد فجأة صعودا حادا. إن التقدم المذهل للتكنولوجيا هو الشرط المسبق للتحرر النهائي للبشرية، والقضاء على الفقر والأمية والجهل والمرض وسيطرة الإنسان على الطبيعة من خلال التخطيط الواعي للاقتصاد. لقد صار الطريق مفتوحا للاستكشاف، ليس فقط على الأرض، بل وفي الفضاء أيضا.

الرأسمالية في انحدار

يتوهم كل عصر أنه سيستمر إلى الأبد. ويعتقد كل نظام اجتماعي أنه يمثل الشكل الوحيد الممكن للوجود البشري، وأن مؤسساته ودينه وأخلاقه هي أسمى ما يمكن أن يوجد. هذا ما آمن به بعمق آكلو لحوم البشر والكهنة المصريون وماري أنطوانيت والقيصر نيقولا. وهذا هو ما ترغب البرجوازية، والمدافعون عنها، اليوم في إثباته عندما يؤكدون لنا، بدون أدنى أساس، أن ما يسمى بنظام “السوق الحرة” هو النظام الوحيد الممكن، وذلك بالضبط عندما بدأ يظهر جميع مؤشرات الانحطاط النهائي.

يشبه النظام الرأسمالي اليوم ذلك الساحر المبتدئ الذي استدعى قوى جبارة لا يستطيع السيطرة عليها. إن التناقض الأساسي للمجتمع الرأسمالي هو التناقض بين الطبيعة الاجتماعية للإنتاج وبين الشكل الخاص للتملك. ومن هذا التناقض المركزي تنشأ العديد من التناقضات الأخرى. ويعبر هذا التناقض عن نفسه من خلال الأزمات الدورية، كما يوضح ماركس قائلا:

«أثناء هذه الأزمات، يتم تدمير جزء كبير ليس فقط من المنتجات الحالية، بل أيضا جزء كبير من القوى المنتِجة التي تم خلقها سابقا. وفي هذه الأزمات يندلع وباء كان سيبدو ضربا من العبث في كل العصور السابقة: وباء فائض الإنتاج. وفجأة يجد المجتمع نفسه وقد أعيد إلى حالة من البربرية المؤقتة؛ يبدو كما لو أن مجاعة ما، أو حربا عالمية مدمرة، قد قطعت عليه الإمداد بكل سبل العيش؛ ويبدو أن الصناعة والتجارة قد دمرتا؛ ولماذا؟ لأن هناك الكثير من الحضارة والكثير من وسائل العيش والكثير من الصناعة والكثير من التجارة. لم تعد القوى المنتِجة التي يمتلكها المجتمع تميل إلى تعزيز تطور ظروف المِلكية البرجوازية؛ بل إنها، على العكس من ذلك، أصبحت أكثر قوة من هذه الظروف، التي تقيدها، وبمجرد أن تتغلب على هذه القيود، تجلب الفوضى للمجتمع البرجوازي بأكمله ، وتعرض وجود المِلكية البرجوازية للخطر. إن ظروف المجتمع البرجوازي أضيق من أن تستوعب الثروة التي خلقتها. كيف تتغلب البرجوازية على هذه الأزمات؟ من ناحية من خلال التدمير القسري لكتلة من القوى المنتِجة، ومن ناحية أخرى من خلال غزو أسواق جديدة، ومن خلال تكثيف استغلال الأسواق القديمة. أي من خلال تمهيد الطريق لاندلاع أزمات أكثر شمولا وأكثر تدميرا، وبتقليل الوسائل التي يتم من خلالها تفادي الأزمات». (البيان الشيوعي)

إن هذا وصف دقيق للوضع الحالي. ومن المفارقة الرهيبة أنه كلما طورت البشرية قدرتها الإنتاجية وكلما كان تقدم العلوم والتكنولوجيا أكثر إثارة للعجب، كلما زادت معاناة وجوع واضطهاد وبؤس غالبية سكان العالم. لقد اتضح إفلاس الرأسمالية على المستوى العالمي في انهيار عام 2008. كانت تلك بداية أكبر أزمة في تاريخ الرأسمالية على مدى 200 عام، وهي أبعد ما تكون عن الحل. هذا تعبير عن مأزق الرأسمالية، والذي هو، في آخر المطاف، نتيجة لثورة القوى المنتجة ضد قيود الملكية الخاصة والدولة القومية.

الاشتراكية أو الهمجية

لقد كانت الثقافة منذ آلاف السنين حكرا على أقلية محظوظة، في حين بقيت الغالبية العظمى من البشرية مقصية من المعرفة والعلوم والفن والسلطة. وحتى الآن ما يزال الحال كذلك. إننا، وعلى الرغم من كل ادعاءاتنا، لسنا متحضرين حقا. إن العالم الذي نعيش فيه اليوم لا يستحق اسمه بالتأكيد. إنه عالم بربري يسكنه أناس لم يتغلبوا بعد على ماض بربري. وما تزال الحياة، بالنسبة للغالبية العظمى من سكان الأرض، صراعا قاسيا مستمرا من أجل البقاء، ليس فقط في البلدان المتخلفة، بل أيضا في البلدان الرأسمالية المتقدمة.

سبق لماركس أن أشار إلى أن هناك احتمالان أمام الجنس البشري: إما الاشتراكية أو الهمجية. وبالتالي فإن المسألة تطرح بأشد العبارات وضوحا: خلال الفترة المقبلة، إما أن تأخذ الطبقة العاملة بين يديها سلطة تسيير المجتمع، وتعوض النظام الرأسمالي المنحط بنظام اجتماعي جديد قائم على التخطيط المتناغم والعقلاني لقوى الإنتاج والسيطرة الواعية للرجال والنساء على حياتهم ومصائرهم، وإلا فإننا سنواجه أشد أنواع الانهيار الاجتماعي والاقتصادي والثقافي إثارة للرعب.

إن أزمة الرأسمالية لا تمثل فقط أزمة اقتصادية تهدد الوظائف ومستويات المعيشة لملايين الناس في جميع أنحاء العالم. إنها تهدد أساس أي وجود حضاري، إن صح الحديث عن أي حضارة أصلا. إنها تهدد برمي البشرية إلى الهمجية مرة أخرى على جميع المستويات. إذا لم تنجح البروليتاريا -التي هي الطبقة الوحيدة الثورية بحق- في إسقاط سلطة البنوك والاحتكارات، فإن الباب سينفتح أمام انهيار كامل للثقافة، بل وحتى العودة إلى البربرية.

الوعي

يعلمنا الديالكتيك أن الأشياء تتغير عاجلا أم آجلا إلى نقيضها. من الممكن إجراء مقارنات بين الجيولوجيا وبين المجتمع. فكما أن الصفائح التكتونية، بعد أن تكون قد تحركت ببطء شديد، تعوض التأخير بإطلاق زلزال عنيف، فإن تأخر الوعي عن مواكبة تطور الواقع يتم تعويضه بحدوث تغيرات مفاجئة في سيكولوجية الجماهير. إن أبرز مظاهر الديالكتيك هي أزمة الرأسمالية نفسها. لقد انتقم الديالكتيك من البرجوازية التي لم تفهم شيئا، ولم تتوقع شيئا، وغير قادرة على حل أي شيء.

كان انهيار الاتحاد السوفياتي قد خلق حالة من التشاؤم واليأس بين صفوف الطبقة العاملة. وأطلق المدافعون عن الرأسمالية هجوما إيديولوجيا شرسا ضد الأفكار الاشتراكية والماركسية. لقد وعدونا بمستقبل من السلام والازدهار والديمقراطية بفضل عجائب اقتصاد السوق الحرة. والآن مر عقدان منذ ذلك الحين، والعقد ليس مدة طويلة في المنظور العام للتاريخ. فإذا بتلك الأوهام تحطمت ولم يبق منها حجر على حجر.

في كل مكان توجد الحروب والبطالة والفقر والجوع. وفي كل مكان تظهر روح ثورة جديدة ويبحث الناس عن أفكار يمكنها أن تفسر لهم ما يحدث في العالم. إن الرأسمالية القديمة المستقرة والمسالمة والمزدهرة قد ماتت، وماتت معها العلاقات السلمية المتناغمة القديمة بين الطبقات. سيكون المستقبل سنوات وعقود من التقشف والبطالة وانخفاض مستويات المعيشة. وهذه وصفة ملائمة لإعادة إحياء الصراع الطبقي في كل مكان.

إن جنين المجتمع الجديد ينضج بالفعل داخل رحم القديم. وعناصر الديموقراطية العمالية موجودة بالفعل في شكل المنظمات العمالية ولجان الإضراب والنقابات والتعاونيات، إلخ. ستشهد المرحلة التي تنفتح أمامنا صراعا بين الحياة والموت، صراع تلك العناصر من المجتمع الجديد الذي يريد أن يخرج إلى الوجود، ضد المقاومة الشرسة من جانب النظام القديم لمنع حدوث ذلك.

صحيح أن وعي الجماهير كان متأخرا كثيرا عن الأحداث. لكن هذا بدوره سيتغير إلى نقيضه. إن الأحداث العظيمة تجبر الرجال والنساء على مساءلة معتقداتهم وفرضياتهم القديمة. يتم انتزاعهم من اللامبالاة الفاترة الكسولة القديمة ويضطرون إلى اللحاق بالواقع. يمكننا أن نرى هذا بالفعل في الأحداث التي شهدتها اليونان. في مثل هذه الفترات يمكن للوعي أن يتغير بسرعة كبيرة. وهذا بالضبط هو ما تعنيه الثورة.

صعود الرأسمالية الحديثة ومعها حفارو قبرها، أي الطبقة العاملة، جعل جوهر المفهوم المادي للتاريخ أكثر وضوحا. إن مهمتنا لا تقتصر على مجرد الفهم، بل هي أن نقود الصراع الطبقي التاريخي إلى نهايته المشرقة من خلال انتصار البروليتاريا والتحويل الاشتراكي للمجتمع. لقد فشلت الرأسمالية في “إنهاء” التاريخ. ومهمة الماركسيين هي العمل بنشاط من أجل تسريع الإطاحة بالنظام القديم المحتضر والمساعدة في ولادة عالم جديد وأفضل.

من الضرورة إلى الحرية

إن الفهم العلمي للتاريخ الذي تقدمه لنا المادية التاريخية لا يدفعنا إلى استخلاص استنتاجات متشائمة من مظاهر الانحطاط المروعة التي تواجهنا من جميع الجوانب، بل على العكس من ذلك، فالاتجاه العام للتاريخ البشري يسير في منحى تطور أكبر لإمكاناتنا الإنتاجية والثقافية.

كانت العلاقة بين تطور الثقافة البشرية وبين تطور القوى المنتجِة واضحة بالفعل لعبقري العصور القديمة العظيم، أرسطو، الذي شرح في كتابه “الميتافيزيقيا” أن «الإنسان يبدأ في التعاطي للفلسفة عندما تتوفر له وسائل الحياة»، وأضاف أن سبب اكتشاف علم الفلك والرياضيات في مصر هو أن فئة الكهنة لم يكن عليها أن تعمل. هذا فهم مادي بحت للتاريخ.

إن الإنجازات العظيمة التي تحققت خلال السنوات المائة الماضية خلقت لأول مرة وضعا من الممكن فيه بسهولة حل جميع المشاكل التي تواجه البشرية. إمكانية تشييد مجتمع بلا طبقات موجودة بالفعل على الصعيد العالمي. كل ما ينقص هو تطبيق تخطيط عقلاني ومتناغم لقوى الإنتاج من أجل تحقيق هذه الإمكانات الهائلة اللانهائية.

وبمجرد ما سيتم تحرير القوى المنتجة من قيود الرأسمالية، ستصير الإمكانات موجودة لظهور عدد كبير من العباقرة: الفنانين والكتاب والملحنين والفلاسفة والعلماء والمهندسين المعماريين. سوف يزدهر الفن والعلوم والثقافة بشكل غير مسبوق. عندها سيصبح هذا العالم، الغني والجميل والمتنوع بشكل رائع، مكانا مناسبا لحياة البشر.

إن المجتمع الاشتراكي هو، بمعنى من المعاني، عودة إلى الشيوعية البدائية، لكن على مستوى إنتاجي أعلى بكثير. قبل أن يصبح من الممكن قيام مجتمع لا طبقي، لا بد من القضاء النهائي على جميع السمات المميزة للمجتمع الطبقي، وخاصة اللامساواة والخصاص. سيكون من العبث الحديث عن إلغاء الطبقات طالما بقيت اللامساواة والخصاص والصراع من أجل البقاء. لا يمكن للاشتراكية أن تظهر إلا عند مرحلة معينة من تطور المجتمع البشري، عند مستوى معين من تطور القوى المنتجة.

وعلى أساس ثورة حقيقية في الإنتاج، سيصير من الممكن تحقيق مستوى هائل من الوفرة بحيث لا يبقى للرجال والنساء أي سبب للقلق بشأن احتياجاتهم اليومية. عندها ستختفي مشاعر الخوف والقلق المهينة التي تشغل كل ساعة تفكير الرجال والنساء. ولأول مرة سيصير البشر أحرارا وسادة مصائرهم. سيتمكنون للمرة الأولى من أن يصيروا بشرا حقا. عندها فقط سيبدأ التاريخ الحقيقي للجنس البشري.

على أساس اقتصاد مخطط متناغم، حيث سيتم تسخير القوى المنتجة الهائلة للعلم والتكنولوجيا لتلبية احتياجات المجتمع ككل، وليس تحقيق الأرباح للأقلية، ستبلغ الثقافة مستويات عالية غير مسبوقة من التطور. كان الرومان يصفون العبيد بأنهم “أدوات تتكلم”، أما في الوقت الحاضر فليست هناك حاجة إلى استعباد الناس من أجل القيام بالعمل. لدينا بالفعل التكنولوجيا اللازمة لإنتاج روبوتات لا يمكنها فقط لعب الشطرنج وأداء المهام الأساسية على خطوط الإنتاج، بل وكذلك قيادة المركبات بأمان أكثر من البشر وحتى القيام بمهام معقدة للغاية.

هذه التكنولوجيا في ظل الرأسمالية تهدد بطرد ملايين العمال من مناصبهم، ليس فقط سائقو الشاحنات والعمال غير المهرة، بل وحتى العمال المؤهلون، مثل المحاسبين ومبرمجي الكمبيوتر… صاروا مهددين بفقدان معيشتهم. سيتم رمي الملايين إلى الهامش بينما سيتم إجبار أولئك الذين سيحتفظون بوظائفهم على العمل لساعات أطول من ذي قبل.

أما في ظل الاقتصاد الاشتراكي المخطط فسيتم استخدام نفس التكنولوجيا لتقليص يوم العمل. سيصير من الممكن على الفور تقليص أسبوع العمل إلى ثلاثين ساعة أسبوعيا، ثم عشرون ساعة أسبوعيا، ثم عشر ساعات أو حتى أقل، مع زيادة الإنتاج وتوسيع ثروة المجتمع أكثر بكثير مما يمكن تصوره في ظل الرأسمالية.

سيشكل هذا تغييرا جوهريا في حياة الناس. فللمرة الأولى سيتحرر الرجال والنساء من العمل الشاق. سيصيرون أحرارا في تطوير أنفسهم جسديا وفكريا ويمكن للمرء أن يضيف حتى روحيا. سيصير الرجال والنساء قادرين على رفع أعينهم إلى السماء وتأمل النجوم.

كتب تروتسكي ذات مرة قائلا: «كم من أرسطو يرعون الخنازير؟ وكم من رعاة خنازير يجلسون فوق العروش؟». إن المجتمع الطبقي يدمر البشر، ليس فقط ماديا بل ونفسيا أيضا. تقتصر حياة الملايين من البشر على أضيق الحدود. آفاقهم العقلية محصورة. أما الاشتراكية فستحرر كل الإمكانات الهائلة التي تبددها الرأسمالية.

صحيح أن الناس لديهم شخصيات ومواهب مختلفة. لا يمكن لكل شخص أن يكون أرسطو أو بيتهوفن أو آينشتاين، لكن لكل شخص القدرة على القيام بأشياء عظيمة في مجال أو آخر، ليصبح عالما أو فنانا أو موسيقيا أو راقصا أو لاعب كرة قدم… ستوفر الشيوعية جميع الظروف اللازمة لتطوير تلك الإمكانات إلى أقصى الحدود.

ستكون تلك أعظم ثورة في كل العصور. ستحمل الحضارة الإنسانية إلى مستوى جديد ومتفوق نوعيا. وعلى حد تعبير إنجلز: ستكون قفزة البشرية من عالم الضرورة إلى عالم الحرية الحقيقية.

آلان وودز

هوامش:

[1] Marx and Engels, Selected Works, Critique of the Gotha Programme, by Marx, Vol. 3, p. 17.

[2] Marx and Engels, Selected Works, The German Ideology, Vol. 1, p. 37 (التشديد من عندي –آ. و-)