العراق: بازار للحكم وبازار للدم!


سلام عبود
2019 / 12 / 19 - 13:58     

في لبنان والعراق افتتحت بازارات الحكم على مصاريعها كافّة. القوى كلّها، من دون استثناء، بما فيها الخارجة عن وعلى السلطة، تسمّي رئيسها المنشود والمطلوب، رئيساً يحرق أوراق رئيس، وطائفة تحرق الأخرى، ومرجعيّات صامتة وأخرى ناطقة تتسابق مع الأحزاب لتسمية رئيس الحكومة القادم، مهديّهم المنتظر.
بيد أن ما يميز لبنان عن العراق هو أنّ البازار اللبنانيّ يجري بعنف أقل، إلى الحدّ الذي تبدو فيه الانتفاضة الوطنيّة، أو "الثورة اللبنانيّة"، وليداً مدللاً، قياساً بالعراق، الذي يجري فيه البازار السياسيّ جنباً إلى جنب مع بازار الدم الرهيب.
في العراق لا تظهر القسوة والقوة باعتبارهما قيمة أخلاقيّة موحدّة فحسب، بل تظهران أيضاً أنّ شهوة السلطة وشهوة الدم متلازمة قدريّة، تخلقان بعضهما بعضاً، وتبدوان حالة شرعيّة وأخلاقيّة في مشهد الواقع، وجزءا بنيويًّا من طبيعة وجوده. وهذا نتيجة من نتائج تاريخ سفك الدماء السخيّة ولعقها، واسترخاصها، على مدى حقب متتالية.
وصلت أسقف البازار حدودها العليا في العراق حينما أعلن المدير الإعلامي لمكتب رئيس الوزراء العراقيّ يوم أمس، 18 كانون الأوّل، أنّ حكومة عادل عبد المهدي المستقيلة ستستمر في الحكم، ولا يوجد سقف زمنيّ يحدّد موعد رحيلها. ولم يكن هذا الإعلان مفاجئاً، بل جاء كتتمة وتوضيح للتصريح الذي أدلى به عبد المهدي نفسه قبل يومين، والذي فُهم سهواً من السامعين حينما قال: ستبقى هذه الحكومة (حكومته) اليوم وغداً وبعد غد. وهو يعني أنّها باقية إلى ما شاء الله. لكنّ لبساً وقع نتيجة صياغة العبارة، فقد قرأها البعض أنّ الحكومة ستبقى لثلاثة أيام فقط "اليوم وغدا وبعد غد". وهي تورية شبيهة بتوريات المرجعيّة القاتلة، التي يفسّرها الجميع على هواه، ويفصّلها القاتل والقتيل وما وبينهما على مقاسه.
أبرز محطّات بازار الدم إعلان ممثل العراق في الأمم المتحدة زيف وكذب الذين روّجوا لوجود 500 شهيد وخمسة عشر ألف مصاب. وقد صوّب العدد بروح رياضيّة، وخفّة دم عالية، جاعلاً منها لا أكثر من 300 قتيل و3500 مصاب لا أكثر ولا أقلّ. تخيلوا أمام العالم كلّه يقف ممثل السلطة، وزير الداخليّة، فيعلن للعالم أجمعّ بأنّ" القوّات الأمنيّة ملتزمة بقواعد الإشتباك الدوليّة مع المتظاهرين"! وقد حاول الناطق الإعلاميّ لقائد القوات المسلّحة بتصريحاته الدونيّة أن يتفّه من حجم الأرقام قائلاً: إنّ من يسمّون جرحى استنشقوا دخاناً لدقائق ثمّ ذهبوا إلى بيوتهم، وإنّ حوادث القتل مجرد مبالغات. وهذه كلّه يتناقض مع بيان اللجنة التحقيقيّة الأوّل، عقب أحداث الأول من تشرين الثاني وحدها، التي سُجل فيها ستة آلاف مصاب في يوم واحد، وفق تقرير اللجنة الحكوميّة نفسها، برئاسة القاتل فالح الفياض.
مشهد بازار الدم يصل سقفه الأعلى على يد عادل عبد المهدي، جزّار بغداد والعراق، الوريث الشرعي لمجازر التنكيل بقبائل الفرات الأوسط، التي تولّاها أبوه من قبله لصالح النظام الملكيّ والحكم البريطانيّ. جزّار بغداد الجديد يصحّح تقرير الأمم المتحدة، الذي نصّ على وجود ما يقرب من مئة وستين معتقلاً مجهول المكان والمصير، ويردّ عليه قائلا بفخر وطنيّ متوارث، وبمباهاة لا يصدّقها عقل: " أريد أن أصحح للأمم المتحدة أن عدد المعتقلين هو 280 شخصاً، فنحن لا نخفي الأرقام".
إنّهم أرقام أولاً، وهم مجرد "نزلاء" في ضيافة الدولة ثانيًّا، كما يقول بيان وزارة الداخلية. لكنّ إطلاق ثلاث دفعات متتالية من المختطفين، الذين لم تعد السجون تكفي لإيوائهم، جعل "الأرقام" تصل إلى سبعة آلاف مختطف، باعتراف بيانات رئيس الوزراء. بهذه الممارسات يسجّل عبد المهدي اسمه وشخصه، بالصوت والصورة، في سجل الحكّام المجرمين الأكثر غباء ورعونة في التاريخ كلّه.
لذلك كلّه أقول: إنّ معركة اليوم ليست معركة ضد الفساد واللصوصيّة وفقدان السيادة، وليست معركة لصيانة الثروة والحرّيّة والكرامة، بل هي ثورة ضد تاريخ العنف الدمويّ الموروث، ضد التاريخ القدريّ البشع، الذي رسمه حكّام "زقاقيّة" على رقعة تاريخيّة مثاليّة في مواردها وتنوعها الدينيّ والعرقيّ وفي عراقة تاريخها، المحفور في وجدان الأزمان.
لذلك كلّه يتوجب تعديل كفّة الصراع الدائر على قيادة بازار السلطة وبازار الدم، والتوحّد حول الدم الزكيّ كهدف أسمى لرسم ملامح الحياة القادمة.
المكتب الإعلامي لعبد المهدي ردّ يوم أمس ردًّا صريحاً وواضحاً ينصّ على أنّ حكومته لا سقف لها يحدّد مدّة صلاحيتها. وهذا يعني ضمنيًّا أنّ كلّ شيء يراد له أن يكون طبيعيًّا: قتل المتظاهرين، تبادل أدوار القتل بين السلطة وبين الميليشيات، استمرار جهاز الحكم في العمل بهدف استنزاف الموازنة وربط الدولة بمزيد من المشاريع الوهميّة والفاشلة، والأهم ترتيب حصص الطوائف والكيانات العرقيّة المناطقيّة الصامتة والناطقة والمتربّصة. هذا هو الواقع القائم، الذي اسموه بالعمليّة السياسيّة. ولا توجد خلافات خارج هذا الإطار، سوى تعارضات شكليّة. أمّا الشعب المنتفض فلا أحد يُحقق قضائيًّا وسياسيًّا وحتّى إعلاميًّا في مصيره. للمرّة الثالثة تعلن الحكومة "مكرمة" إطلاق سراح معتقلين، في الأولى شملت 1786 معتقلاً، والثانية 2500 معتقلاً، والثالثة يوم أمس الأوّل شملت 2700 معتقلاً، أي ما مجموعه سبعة آلاف معتقل، عدا الذين لا يزالون تحت قبضة السلطة، يضاف إليهم الذين لا تُعرف مصائرهم بعد. والذي يعني أنّ من يقوم بالاختطاف هو السلطة، التي تتكرم من حين إلى آخر بإهداء العصابات المسلحة بعض المختطفين والمطوّقين للنحر العلنيّ في الهواء الطلق. وبهذا صُنعت معادلة إجراميّة قوامها: شعب، وجيش (سلطة)، وقوى مندّسة (مجهولة). وبما أنّ السلطة هي صاحبة الشرعيّة ومالكة المؤسسات والأرواح - في نظر المرجعيّات القاتلة- فإنّ الصراع يقوم بين طرفين لا ثالث لهما: بين منتفضين لا يخلون من مندسين وبين قوى مجهولة!
معادلة الشرّ هذه سياسة قائمة على التخطيط الإجراميّ المركزيّ الممنهج، تدار من أعلى محليّ، عادل عبد المهدي، كقائد أعلى للقوّات المسلّحة، ومن جهاز أجرامي يحيط به: وزير الدفاع نجاح الشمريّ باعتباره أحد المتخصصين في مجال التخطيط الأمنيّ الستراتيجيّ، كما تقول شهادة خبرته، ووزير الداخليّة ياسين الياسري صاحب قواعد الإشتباك العالميّة، يُضاف إليهم رهط مجرّب من بقايا الحروب والكوارث الوطنيّة السابقة. إنّ رفع قوائم الشهداء والجرحى والمعتقلين وحدها كافية لإسقاط أعتى النظم في التاريخ. ولكن، أين الجهاز القانونيّ المدنيّ المدافع عن المنتفضين؟ أين العمل الميدانيّ للنواب (!!!) والمحامين ( الزيارة الميدانيّة للمستشفيات والبيوت والسجون وأجهزة القضاء والوقوف على أحوال المصابين حسيًّا وقانونيًّا، فرداً فرداً، واسماً اسماً)، بدلاً من التظاهر الزائف بتأييد حقوق المنتفضين بالكلام والتصريحات، التي يعرف الجميع مقدار تفاهتها!
إنّ دماء أبناء الشعب أهم من مطلب السلطة، لأنّ الدماء هي التي ستقود إلى ولادة السلطة العادلة وليس العكس.
وهذا الأمر يجعلنا ننصح الجميع بعدم تضييع البوصلة، وأخصّ بهذا بيان النقابات والاتحادات المهنيّة العاطفيّ، الذي شغل نفسه بالشجب والاستنكار في يوم الأربعاء، الثامن عشر من كانون الثاني.
يجب أن نكفّ عن لغة النحيب والتحذير والشجب ونحن نواجه بازار الدم. يتوجب علينا أن نوثّق ونفتح ملفًّا خاصًّا بالجريمة، لكل قتيل ومصاب ومعتقل وخاضع للترهيب والتعنيف، وأن نُخضع السلطات الأمنيّة والمدنيّة والقضائيّة للمساءلة المباشرة عن كل حالة فرديّة باعتبارها قضية قائمة بذاتها، وعدم الاكتفاء بالمطالبات الجماعيّة، لكيلا يضيع الدم ويتفرّق بين قبائل القتلة. ملفٌ قانويٌ لكل حالة تتم متابعتها وتدوين تفاصيلها وعناصرها الجرميّة كاملة في مكان وقوعها، يتحمل مسؤوليتها المباشرة قيادة المنطقة، ومسؤوليتها العامة رئاسة الدولة. بدون هذا الإجراء العمليّ سيذهب دم الشعب هدراً. هذا ما فعله اللبنانيون بحقّ كلّ من اعتقل لساعات معدودات، أو لمن تم جرّه جرًّا خشناً أثناء المواجهات الغاضبة! نواب ومحامون وناشطون وصحافيّون ونقابيّون أصبحت مهمتهم اليومية متابعة كلّ قضية فور حدوثها. أين القنوات الفضائية الثرثارة من هذا؟ أين الصحافة والإعلام والكتّاب والمحامون والنقابيّون والتربويّون؟ متى سنراهم جزءاً عضويًّا وعمليًّا من إرادة الشعب المظلوم؟ نحن نقوم بحساب الضحايا على أساس الجملة، لأنّهم مجرد أكوام من الأرقام. والجملة لدينا تبدأ بالمئات للشهداء، والآلاف للمصابين والمعتقلين (المختطفين). نحن لسنا شعباً قطيعيًّا، ونأبى أن نكون. على جميع الذين يكتبون تضامنهم أن يعوا ذلك، وبخلاف ذلك فإنّ كلّ ما يقال هو وهم ودجل.
وثّقوا الجريمة والمجرم، واجعلوا من كل حالة قضية قائمة بذاتها، لها أطراف محددة: مجرم وضحيّة. نحن وطن ولسنا محض قطيع. لا يحقّ لنا أن نبحث عن دولة مواطنة من دون أن نقف مع الفرد كمواطن، كحياة شخصيّة، كوجود جليل، كإنسان معلوم الهويّة والكينونة والمصير، وليس مجرد رقم في قائمة طولها 600 قتيل و20 ألف مصاب وعشرة آلاف معتقل ومختطف.
قفوا على أبواب المحاكم ومراكز الشرطة والأمن والجيش ومسؤولي الدولة. اذهبوا إلى أسر الضحايا أسرة أسرة، وإلى المستشفيات والمعتقلات ومكاتب القضاء كافّة ومراكز إدارة السلطة والعنف الحكوميّ، وضعوا أمامهم كل ملف لضحيّة، واجعلوا الإجابة عنه هدف الوطن في هذه اللحظة الدمويّة الفاصلة. وطن لا نعي قدسيّة المواطن فيه لا نستحقّه، وربّما لا نستحق أن نكون سوى مُستجدين يطلبون عطفاً من قاتل وفاسد وجاهل عديم الضمير. من دون ذلك سنكون شركاء في الجريمة مهما كانت نياتنا صادقة، ومهما كانت كلمات شجبنا بليغة.
إنّ إعاقة عمليّات تأصيل ثقافة العنف لدى الحاكم والمحكوم، ثقافة "تسميد الأرض بالجثث"، و"العرفاء القنّاصة"، وتمجيد "الموت السعيد" هي واجب الثورة التاريخيّ الأوّل.
شبابُ جيلين يسقطون أمامنا مثل وثائق مهملة، لموت معلن، يتعامل معها القاتل والقتيل باسترخاص تام.
إذا كانت الثورات أعراس الشعوب، فإن عرسنا العراقيّ هو عرس الانتصار على بازار الدمّ التاريخيّ المتوارث، وليس عرس الحكم وحده.