عراق ما بعد منتصف الليل


سلام عبود
2019 / 10 / 28 - 13:02     

في الساعة الواحدة فجراً أنهى رئيس وزراء "دولة القنّاصة"، عادل عبد المهدي، خطابه الموجّه الى الشعب العراقيّ.
بيان الفجر التاريخيّ أثار العجب: رئيس وزراء يلقي خطابه بعد منتصف الليل، ومحطّة تلفزيون الدولة تعيد تكرار إنجازات السلطة عشرات المرات، منذ الفجر، بانتظار شروق رئيس القنّاصة ومعجزاته السياسيّة!
المحلّلون، الذين أثار الخطاب عجبهم، اختلفوا في تفسير هذا السلوك الغريب. منهم من رأى في ذلك ذكاء خارقاً من عبد المهدي، الذي يعتقد أنّه بهذه الطريقة سيجعل الشعب العراقيّ بأسره مترقّباً، قلقاً، متوتّراً، وحالما ينتهي من خطابه سيسقط الجميع في النوم من فرط الإعياء. بهذا يكون قد حقّق غايتين: الأولى، جعل المتظاهرين يشعرون بالعجز من تنفيذ وعدهم بالخروج الى الشوارع ويتكاسلون مفضّلين النوم على الاحتجاج؛ والثاني، أنّ الإنجازات، التي سيعرضها عليهم، ستسحر القسم المتبقّي من الشعب، بفعل عظمتها، وتجعلهم ينامون نوم العوافي!
هذا ما يعتقد به بعض المنجّمين الأغبياء. لأنّ هناك من يعتقد أنّ بيان عبد المهديّ المعلّب، والمُمنتج، تمّ عرضه على جهات عديدة، محليّة وأجنبيّة، وضع كثير منها لمساته على البيان، لكي يغدو المضمون جامعاً مانعاً، "لا يخر منه الماء!". وقد أثبتت الأحداث اللاحقة صحة ذلك تماماً. لأنّ الماء حقًّا لم "يخرّ" عقب صدور البيان، بل خرّت الدماء الزكيّة سخيّة!
ماذا حوى بيان الفجر العراقيّ؟
نقاط عديدة سنتوقف عندها ولكن بإيجاز تامّ، ونقاط قليلة سنتوقف عندها، لنكشف سرّ تأخر البيان حتّى ما بعد منتصف الليل.
الأمور الصغيرة أبرزها:
- تخفيض الرواتب. وهي نكتة سمجة، لأنّها تريد محو ستة عشر عاماً من اللصوصيّة السياسيّة الإجراميّة، المتمثّلة في المرتّبات والمخصّصات والأموال التقاعديّة لآلاف الموظفين، التي تشكّل أقيامها ما يعادل توظيف عشرات الآلاف من المواطنين. بيد أنّ الأمر لا يتوقف على ذلك، بل يمتدّ بدرجة أولى الى المخصّصات، والامتيازات غير الشرعيّة، والحمايات، ووسائل النقل، والعقود التجاريّة، التي يستحصل عليها هؤلاء اللصوص. وقد اعترف عبد المهدي نفسه أنّه كان يتقاضى مليون دولار كمخصّصات إضافيّة الى جانب راتبه الشهريّ، تحت باب: "حسنات لوجه الله"، يوزّعها على الفقراء واليتامى وأبناء السبيل! هذا باعترافه الشخصيّ.
- طالب البيان بحماية الممتلكات العامة. لكنّه نسي أنّ يطالب باستعادة الممتلكات والعقارات التي استولت عليها الأحزاب والعصابات، التي تشكّل أثمانها ثروة وطنيّة طائلة.
- طالب الشعب بأن لا يحمل "الأدوات الجارحة" عند توجّهه الى التظاهر، لكنّه لم يُطالب الأحزاب بنزع أسلحة مقرّاتها، التي غدت ترسانات أسلحة، تسبّب بعضها بمجازر شعبيّة مروّعة، معروفة.
- طالب القوّات المسلّحة بعدم استخدام "الرصاص الحيّ"، ونسي أنّ ما يعرف بالرصاص المطاطيّ، هو رصاص فتّاك أيضاً، خاصة إذا استخدم في مناطق محددة وبطرق معينة. ومثل هذا ينطبق على القنابل المسيلة للدموع، التي استخدمها الجيش كإطلاقات مباشرة توجّه الى الوجوه والرؤوس والصدور، يضاف الى ذلك أنّ أعراضها الظاهرة تدلّ على أنّها تحتوي على قدر مخفّف من الغازات الخانقة، التي أصابت حتّى مطلقيها بالاختناق، "الاختناق" وليس التأثير على حاسة البصر فقط.
- لا نريد أن نفتح ملف اللصوص واستعادة الأموال المسروقة، فهذه معزوفة بليدة، يُعتبر عبد المهدي أكثر العراقيين معرفة بتفاصيلها الدقيقة، ليس بسبب إدّعائه بأنّه كان يدير مركزاً بحثيًّا تخصصيًّا في علوم الاقتصاد، بل لأنّه أقدم وكلاء الاحتلال. فهو لم يأت الى السلطة في ظلّ حكم بريمر كما يشاع زوراً، بل كان من أوائل من استخدِموا تحت قيادة غاي غارنر، ضمن ما عرف بمجموعة الأربعمئة حرامي. أي أنّه يعرف كم فلساً كان في جيب المالكيّ قبل أن يبني مملكته العائليّة والحزبيّة، المالكي بطل احتلال الموصل ومجزرة سبايكر ابتلع بعقود الشهرستاني النفطيّة ماليّة تكفي بلداً مثل لبنان لعقود من السنين، ولم يكتف بسرقة الحاضر فقط، بل ذهب الى كوريا الجنوبيّة لكي يسرق المستقبل، من طريق رهن الاحتياطي النفطيّ، مما أثار سخرية الشركات العالميّة. وعبد الهادي يعرف ممن كان الامبراطور الماليّ، والعبقريّ بهاء الأعرجي، رئيس لجنة متابعة صياغة الدستور الأعرج، يستجدي مصاريفه اليوميّة قبل تحوّله مليونيراً. هذه عيّنات نذكرها لطرافتها المضحكة المبكية لا أكثر، تدلّ على أنّنا لا نحتاج الى ستة عشر عاماً لكي نفتح ملفّات الفاسدين وكشف حساباتهم.
- سخافات كثيرة وردت في بيان عبد المهديّ، لا ضرورة للتذكير بها. بيد أنّ ثلاثة أمور سنتوقف عندها حصريًّا، لأنّها بيت القصيد:
1- إعادة المفصولين. وهو الإنجاز الأكبر في نظر عبد المهديّ. لماذا؟ لأنّه ضمّ أكثر من ألفين ومئتين وظيفة أوّلاً، ولأنّه يعيد حقوق بعض العراقيين الذين تعرّضوا لإذلال المحتلّ الغازي، كعقوبة جماعيّة.
2- تعيين عدّة مئات من بين آلاف الخريجين العاطلين. وإذا دققنا في المكرمتين معاً، نكتشف أمراً عجيباً، يشير الى أنّ المكرمة الأولى يراد بها شراء أصوات مناطق جغرافيّة معينة. وهنا نلاحظ حدّة الميول العصابيّة لهذه الفئة من السياسيين. فهو ينقل المفصولين من "خانة" المظلومين، ولكن لكي يضعهم في مواجهة الشعب، لا لكي يحرّرهم من الحيف الذي ألحقه الاحتلال بهم. والأمر عينه ينطبق على الخرّيجين، الذين سيتم استخدام معارفهم العلميّة، ولكن لمصلحة تحويلهم الى قوّات مسلّحة. إنّ هذا العقل السايكوباثي هو منتهى فن الإجرام، وهو الذي ُيرجِّح أنّ بيان الفجر لم يكن سوى وصفة نفسية، طبيّة، خرجت من الخابية العصابيّة ذاتها، التي استدعت تأخير إعلان البيان.
نحن هنا لسنا أمام رئيس وزراء، بل أمام فرانكنشتاين عراقيّ، فرانكنشتاين بليد، عديم الضمير والمسؤوليّة.
3- توزيع الأراضي على الناس. من هم الناس أوّلاً؟ وكيف سيتم تمويل استغلال هذه الأراضيّ، وضمن أيّة خطة استثماريّة وتمويليّة؟ هذه أمور لا حساب لها في نظر رئيس "دولة القنّاصة". لأنّ توزيع الأرض عنده منحة تقدّم "لوجه الله" أيضاً، وليست برنامجاً إنمائيًّا واجتماعيًّا ضمن مشروع وطنيّ شامل وعادل ومتوازن.
حينما ننظر الى هذه الخطايا الثلاث وحدها، نجد أنّها، جميعها، تصبّ في حقل واحد: تضخيم حدّة العجز في الواقع الاقتصاديّ والماليّ المنهوب، والغنيّ أصلاً، وتوجيه الإنفاق لأغراض سياسيّة، قمعيّة، خالصة، تحت شعار الطغاة الأبديّ: شراء كرامة المواطن، بغية الحطّ من قيمته كإنسان.
هذا هو جوهر ما يسمى بالعمليّة السياسيّة التي صاغها بول بريمر، والتي صنعت الأساس الماديّ لنظام المحاصصة الطائفيّة العرقيّة، ونظام تسييس الدين والطوائف والأعراق، الذي شارك فيه مأجورون من مختلف المشارب، من اليسار الى اليمين، تحت عناوين مختلفة: وزراء، نواب، قادة كتل، مستشارون، وسماسرة ثقافة وإعلام، ساروا مجتمعين، متّحدين، متعاضدين، يداً بيد، في موكب تدمير العراق دولة وشعباً ونسيجاً اجتماعيًّا.
هؤلاء الشرفاء جداً، "كلّن"، هم صانعو "دولة القنّاصة"، وليس عادل عبد المهدي وحده!