الحرب الجديدة وخصخصة العنف


محمد وهاب عبود
2019 / 5 / 14 - 03:41     

في السادس من أغسطس عام 1945 تم إسقاط القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما اليابانية وبعد ثلاثة أيام ، عانت مدينة يابانية أخرى ، ناكازاكي من نفس المصير. وفقا لتقديرات مختلفة ، فقد قتل أكثر من 150 ألف شخص وتم تدمير المدن بشكل رهيب و سرعان ما خرجت اليابان من الحرب بعدها وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها. لكن حقائق استخدام الأسلحة النووية هي أكثر أهمية بكثير من كونها جزءًا من تاريخ الحرب العالمية الثانية فلا تزال أهميتها السياسية مستمرة حتى يومنا هذا

نلاحظ أنه عقب هذه الضربات النووية ، وكذلك بعد ظهور الأسلحة النووية في الاتحاد السوفيتي بعد أربع سنوات ، أصبحت احتمالية نشوب حروب كبرى بين الدول العظمى مستبعدة . وقد ساهم ذلك في تقسيم العالم بعد الحرب العالمية الثانية إلى كتلتين معلنا بداية الحرب الباردة. المواجهة بالوكالة ، دون استخدام الهجمات العسكرية المباشرة ، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن كلا الجانبين يملكان ترسانة نووية.
في كثير من الأحيان ، كانت الأطراف مستعدة لمواجهة مفتوحة ، لكن فكرة العواقب المدمرة والتي يمكن أن ترتبط بالحرب النووية تمنع العالم من حدوث كارثة. وهكذا ، فإن إنشاء واستخدام أسلحة قوية أعاد تشكيل نظام العلاقات السياسية الدولية بأكمله

لقد أثرت التغييرات والمستجدات على ممارسة الحرب لكن لا يمكن القول إن الحرب اختفت أساسًا من الادوات السياسية للدول الحديثة. وفي إلتفاتة إلى تاريخ القرن العشرين ، يمكننا أن نرى أن الحرب كانت خارج أوروبا وأمريكا الشمالية. لقد دارت رحاها في بلدان العالم الثالث ، حيث يمكن أن يصطدم الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة بشكل غير مباشر من خلال المشاركة في الحركات المناهضة للاستعمار ، في الثورات ، في حركات التحرير المحلية. إن اللحظة الهامة التي حددت إعادة صياغة موقف البشرية من ممارسة الحرب ترتبط بظهور الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ، وقد بدأت المنظمة عملها بنشاط في تعزيز وتطوير القانون الدولي

في هذه الاثناء يمكننا أن نلاحظ ظهور تنظيمات عسكرية مسلحة على الساحة السياسية الدولية ، والتي بدأت في العقود الأخيرة ترفض احتكار الدولة لاستخدام العنف في شارة الى قوات الدولة المسلحة /الجيش. يمكننا التحدث عن أنشطة مختلف لتلك المنظمات المتمردة والجماعات الإرهابية وعصابات المخدرات والشركات العسكرية الخاصة وحتى الشركات الاقتصادية الكبرى التي تنشئ جيوشها الخاصة. يستخدم مصطلح "خصخصة العنف" في الأدبيات البحثية ، أي عندما يتم انتزاع مشروعية شن الحرب من الدولة ويبدأ ممثلو الجماعات غير الحكومية في القتال وفقًا لأفكارهم واهتماماتهم.

هناك حقيقة أخرى تميز التصور الحديث عن الحرب مرتبطة بنزع الشرعية عنها. الخبير العسكري والسياسي الأمريكي إدوارد لوتواك يصف هذا بأنه مولد حقبة ما بعد البطولات. الحرب في العالم الغربي الحديث أصبحت غير ممكنة ولا تحظى بشعبية ، لأن الدولة مرتبطة بشكل أساسي بفكرة الأمن والحياة المزدهرة ولأسباب غامضة واخرى أيديولوجية ، فلم تعد الدعوات إلى الحرب تلقى المقبولية ولم يتم دعمها منذ مائة عام. الغربيون اصبحوا أقل استعداداً للذهاب إلى الخدمة العسكرية. نلاحظ أن الجيوش الجماعية القائمة على النداء والحماس الشعبي أصبحت شيئًا من الماضي وبات الاعتماد على فكرة تشكيل جيوش متوسطة الحجم والتي تتألف من جنود محترفين
كل هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى حقيقة مفهوم الحروب الجديدة. فهي جديدة بالمقارنة مع الحرب القديمة والكلاسيكية المنتظمة ، عندما كانت الدول تخوضها فيما بينها بمساعدة الجيوش وعندما كانت الدول تعتبر حق الحرب حقًا طبيعيًا و يمكنهم مطالبة شعوبهم بالمشاركة في هذه الحروب ، للتضحية بحياتهم.

تتميز الحروب الجديدة في المقام الأول بحقيقة أن الدولة ليست طرفا فاعلا فيها وغالبا ما تشن هذه الحروب ضد المدنيين. كان هذا الهدف غير مقبول في حروب الدول السابقة وهذا غالباً ما يرجع إلى حقيقة أن أولئك الذين يقودون هذه الحروب يهتمون مباشرة بضرب المدنيين ، كما هو الحال ، على سبيل المثال ، في حالة الهجمات الإرهابية ، حيث يختار الإرهابيون المدنيين عمداً هدفهم. من ناحية أخرى ، يمكننا أن نقول أن الدولة التي تضطر على المشاركة في مثل هذه الحروب غالبًا ما تفعل الشيء نفسه وتبدأ بضرب اهداف غير عسكرية

سمة أخرى للحروب الجديدة هي التطرف الخطير للعنف وهو ما يطلق عليه المفكر السياسي البريطاني ماري كالدور ، الباحث في ظاهرة الحروب الجديدة ، "سياسة الهوية". قد تكون هذه الهوية قائمة على الخصائص العرقية والدينية والاجتماعية.

ميزة أخرى للحروب الجديدة هي تعقيد نهايتها. نظرًا لتداخل وتعقد مواضيعها وهنا يتعين على الدولة التعامل مع العديد من الجماعات المسلحة أو الإرهابية المنفصلة والتي لا يوجد تنسيق بينها فمن المستحيل الاتفاق على شروط السلام ، مثلما كان يحدث في السابق حيث كان المنافس السياسي معروفًا بوضوح. وفي ظل الحروب الجديدة ، يمكنك التفاوض مع أحد القادة الميدانيين ، لكن لا توجد ضمانات على الإطلاق بأن هذا التفاوض اوالاتفاق سيكون مقبولاً لدى الجماعات المتمردة الأخرى

من الصعب للغاية التفاوض مع الإرهابيين وإقناعهم بالتوقف عن شن هجمات إرهابية. إن معنى النشاط الإرهابي هو أنك لا تكشف عن خططك ، ولا تحذر خصمك من أنك ستشن ضربة إرهابية. الأستاذ الألماني هرفريد مونكلر ، وهو منظّر آخر للحروب الجديدة ، يقول بان هذا الوضع يتطلب انفاق كبير للوقت وللجهد من اجل ارساء السلام ممكن أن ستمر لسنوات وحتى عقود..

في الختام ، نود ان نشير إلى أنه في كثير من الأحيان في ظاهرة الحروب الجديدة واشكالية خصخصة العنف نلاحظ سريان الضعف في جسد الدولة وانهاك طاقاتها فاليوم نقف امام مشهد جديدة للواقع السياسي مع الاخذ بعين الاعتبار أن ظاهرة الحروب الجديدة بحد ذاتها مفيدة جدًا للدول الحديثة فيما يتعلق بمفهوم نزع الشرعية عن الحرب في ظروف ما بعد الحرب التقليدية فحينما يكون من الصعب أن تخوض الدولة حرب مباشرة مع خصم دولي منافس تقوم بمحاربة تنظيم عسكري متطرف غير نظامي كفرصة للحفاظ على شغفها بالحرب وتحقيق مصالحها الاقتصادية و الجيوسياسية

كما يرجح ان تتدخل الدولة كطرف ثالث داعم لمواجهة عسكرية بين جماعات غير نظامية تتقاتل فيما بينها لكن بطريقة سرية تتمثل بالتمويل وتقديم المعدات الحربية والتكنولوجية العسكرية والتحكم بمجريات القتال عن بعد دون الاعلان رسميا عن مشاركتها بالحرب وهذا الامر يعفيها من التزامات عدة قانونية واخلاقية.