خصائص سودانية: أحزاب متجذّرة ومرونة في السياسة


محمد سيد رصاص
2019 / 5 / 4 - 15:22     

في السودان، تمّ إسقاط الحكم العسكري ثلاث مرات من خلال تظاهرات في الشارع في 26 تشرين الأول/ أوكتوبر 1964، 6 نيسان/ إبريل 1985، 11نيسان/ إبريل2019. في المرة الأولى، احتاج الأمر فقط إلى عريضة قدّمها خمسة وستون ضابطاً متوسطو الرتب لرئيس المجلس العسكري الفريق ابراهيم عبود لكي يقتنع الأخير بالاستجابة لضغط الشارع في حلّ المجلس العسكري الذي حكم لستّ سنوات. في المرّتين الثانية والثالثة، لجأ الجيش تحت ضغط الشارع، في استجابة لإيقاع الأخير عام 1985وعلى الأرجح في الثالثة، كإجراء وقائي من حرب أهلية يتورط فيها الجيش ضد المدنيين بعد اتخاذ عمر البشير القرار بقمع المتظاهرين، إلى الانقلاب العسكري وقام بعزل الديكتاتور. عام 1964، اختفى العسكر من المشهد بعد عزل ابراهيم عبود، تاركين الحكم الانتقالي لحكومة مدنية برئاسة سر الختم خليفة ضمّت «الجبهة الوطنية للهيئات: الطلاب والمحامون والأطباء وأساتذة الجامعة والنساء والتجار والعمال والمزارعون» وأخذت ثمانية وزراء كان منها خمسة لأعضاء الحزب الشيوعي أو لمقرّبين من الحزب، و«جبهة الأحزاب» التي نالت خمسة مقاعد أخذتها أحزاب «الأمة» و«الوطني الاتحادي» و«الشعب الديموقراطي» و«الشيوعي» و«الإخوان المسلمون» فيما ذهبت ثلاثة مقاعد للجنوبيين. هذه الحكومة هي التي أشرفت، ولو بعد تعديل وزاري في شباط/ فبراير لمصلحة الأحزاب على حساب الهيئات، على انتخابات الجمعية التأسيسية في نيسان/ إبريل 1965. في عام 1985، تسلّم «المجلس العسكري الانتقالي»، برئاسة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب السلطة بعد النميري، وكانت الحكومة التي تألّفت أواخر نيسان/ إبريل برئاسة الجزولي دفع الله تحت سلطة المجلس العسكري، وعبرهما تمت الانتخابات للجمعية التأسيسية في نيسان/ إبريل 1986ومن ثم تسليم السلطة لحكومة مدنية نتجت من ائتلاف حزبَي «الأمة» و«الاتحادي الديموقراطي» رأسها الصادق المهدي.

في مرحلة ما بعد 11 نيسان/ إبريل 2019، هناك تنازع للسلطة بين «المجلس العسكري الانتقالي» وقائد تظاهرات 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018 ــــ نيسان/ 10 إبريل2019، أي «تجمّع المهنيين» الذي هو واجهة لأحزاب «الأمة» و«الشيوعي» و«المؤتمر الشعبي» و«الحركة الشعبية ــــ قطاع الشمال»، وهناك كباش كبير بين العسكر والشارع لن يستطع فيه العسكر تكرار تجربة سوار الذهب بسهولة، ولن يستطيع المدنيون على ما يبدو تكرار تجربة الانتقال من حكم ابراهيم عبود إلى الحكم البرلماني، الانتقال الذي كان بقيادة مدنيين. احتاج عزل المجلس العسكري برئاسة عبود إلى خمسة أيام، فيما استغرق ذلك أحد عشر يوماً ضد النميري، وضد عمر البشير استغرقت الاحتجاجات مئة وثلاثة عشر يوماً، ما يدلّ بالتتابع، وكمرآة، على مدى قوة الجذور القائمة للسلطة، رغم أن التظاهرات ضد البشير كانت أقوى من سابقتيها وكانت أكثر ديمومة، وهو ما يدل على مدى قوة نظام عسكري كان منذ 30 حزيران/ يونيو 1989 واجهة لتنظيم إسلامي (الجبهة القومية الإسلامية بزعامة حسن الترابي، رغم خلاف الأخير مع البشير وعزله من السلطة عام 1999) رسخ نفسه في السلطة على مدى ثلاثة عقود، فيما لم يكن عبود متمتعاً بقاعدة حزبية، بينما تنقل النميري من اليسار إلى اليمين على مدى ستة عشر عاماً وقد كان سهلاً إسقاطه بعد شهر من انهيار تحالفه مع زعيم إسلاميي السودان حسن الترابي.
يدلّ ما سبق على مدى ترسخ العمل الحزبي في السودان، وعدم استطاعة العسكر تصحير السياسة من خلال القضاء على الحياة الحزبية. يبدو أن الأحزاب التي يطلق عليها أحزاب تقليدية بحكم استنادها إلى بنى قديمة (حزب «الأمة» الذي يستند إلى طائفة الأنصار، والحزب «الاتحادي الديموقراطي» المستند إلى طائفة الختمية، وهو كان عام 1967 حصيلة اندماج «الحزب الوطني الاتحادي» مع «حزب الشعب الديموقراطي»)، أو أحزاب حديثة لا تستند إلى بنى قديمة طائفية أو قبلية (الشيوعيون ــــ الإسلاميون ــــ البعث... إلخ)، ما زالت هي منابر وقنوات السياسة الأساسية في سودان 1956 ــــ 2019، وهذا شيء لم نجده في مصر وسوريا والجزائر ما بعد عام 2011، بل هناك مؤشرات كما في عام 1964، على أن «تجمع المهنيين» هو واجهة للأحزاب التي يلفت النظر الآن أن خلفاء عبد الخالق محجوب وحسن الترابي والهادي المهدي وجون غارانغ يجتمعون معاً في «تحالف قوى الإجماع الوطني» الذي تم تأسيسه عام 2009. هذا التحالف هو الذي كان القوة المحركة وراء («تجمع المهنيين»: طلاب ــــ محامون ــــ منظمات المرأة ــــ أكاديميون... إلخ) الذي كان القوة المنظمة في التظاهرات التي دفعت العسكر إلى إسقاط البشير وتفكيك مؤسسات نظامه.
ليس في السودان بقايا أحزاب، كما في بلدان عربية قام العسكر بتحويلها إلى «ممالك صمت» من خلال شلّ الأحزاب السياسية فيها، بل هناك أحزاب سياسية ذات جذور اجتماعية قوية استطاعت أن تسقط الحكم العسكري عام 1964 وأن تهز الحكم العسكري مرتين في 1985 و2019 عبر تظاهرات الشارع وأن تدفع العسكر إلى نزع رأس المؤسسة العسكرية. في هذا الإطار، يجب تسجيل مرونة السياسة السودانية في نسج التحالفات وعدم الالتفات إلى آلام الماضي، كما يفعل الشيوعيون الآن من خلال تحالفهم مع إسلاميي «المؤتمر الشعبي»، الذي أسسه الترابي بعد خلافه مع البشير ويرأسه علي الحاج منذ وفاة الترابي عام 2016، فيما كان الترابي هو صاحب اقتراح حل الحزب الشيوعي ونزع عضوية نوابه في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1965 وهو كان القوة الكبرى في نظام الترابي ــــ البشير الذي لاحق الشيوعيين وعرّضهم لضربة كبرى في التسعينيات توازي ضربة النميري عام 1971. في الحياة الحزبية السودانية، هناك اجتماع عند بعض قادة الأحزاب، وهو شيء مفتقد في البلاد العربية الأخرى، لثالوث (فكر ــــ سياسة ــــ تنظيم) عند شخص واحد كما يمكن تلمس ذلك عند عبد الخالق محجوب ومحمد ابراهيم نقد وحسن الترابي، فيما هناك اجتماع لاثنين من الثلاثة عند قائد سياسي (السياسة والتنظيم من دون الفكر: خالد بكداش ورياض الترك وسلام عادل، مثلاً) أو لأحد الثلاثة (التنظيم: يوسف فيصل ومرشد الإخوان المسلمين في مصر محمد بديع... إلخ).
يمكن تلمّس فرادة الحياة السياسية السودانية من خلال المثال الآتي: ضد انقلاب 19 ــــ 22 تموز/ يوليو 1971 الذي قاده الضابط الشيوعي الرائد هاشم العطا بالتعاون مع العقيد عثمان حاج حسين (أبو شيبة) قائد الحرس الجمهوري الذي خبأ عبد الخالق محجوب في إحدى غرف القصر الجمهوري بعد هربه من السجن في 29 حزيران/ يونيو 1971، وقف أنور السادات ومعمر القذافي وحكومة الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي والحكومة البريطانية والأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي ليونيد بريجنيف. بعد إعدام عبد الخالق محجوب إثر فشل انقلاب هاشم العطا، تم تسريب تقرير سري لصحيفة «لو موند» (عدد 12 شباط/ فبراير 1972)، قدمه باجتماع حزبي عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي فاسيل بيلاك ورجل موسكو في براغ، ينتقد محجوب بسبب «مواقفه المتشنجة»من النميري وينتقد الانقلاب الذي أضر بعلاقات موسكو مع القاهرة (انظر كتاب محمد أبو القاسم حاج حمد: «السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل»، دار الكلمة، بيروت 1980، ص 470 ــــ 471).