الأديان ظاهرة اجتماعية


مولود مدي
2018 / 12 / 23 - 22:50     

العنوان ليس صادما ان كنت قرأت القليل عن تاريخ ظهور الاديان فهو لا يصدم الا الجهلة قليلي الثقافة والمنطق والمتطرفين, عندما نقول أن الدين هو ظاهرة اجتماعية ذلك يعني تواجد ظروف اجتماعية هيّئت لظهوره, يزعم رجال الدين المسلمين بالخصوص ان القول بأن (الدين ظاهرة اجتماعية) هو من احد أفكار الملحدين واللادينيين وهذا غير صحيح, لأن الأديان أولا وجدت بعد البشر وثانيا الأديان هي منظومة من الأفكار قبل كل شيء, ولا تتكون الأفكار مهما كانت تلقائيا دون احتكاك بالواقع ومن دون خبرة, فليس هناك تصوّر طاهر عف نقي للمعاني و الأهداف, فالإدراك الخالص من كل تأثير لفكرة مسبقة واحتكاك بالعالم الخارجي هو خرافة, كما أنها خرافة أيضا تلك الإحساسات الخالصة التي تتشكل من خلالها الأفكار منفصلة عن العادة والواقع .. ان كنت مؤمنا بأن دينك منزل من عند الله, فذلك لا يعني تعاليه عن الواقع المجتمعي رغم أنك في نفس الوقت تقول أنه جاء من أجل مصلحة الانسان, ومصلحة الانسان بالأصل مرتبطة بالواقع.

إحدى العقبات التي تعترض طريقنا هي أن الدين يعني أشياء مختلفة إلى حد كبير لأناس مختلفين. حتى معنى كلمة "الدين" قد تغير خلال العقود القليلة الماضية. كما قد تتفاجأ عندما تعرف ، على سبيل المثال ، أن التمييز بين الدين والروحانية هو أمر جديد نسبياً ، لا يظهر إلا في النصف الأخير من القرن العشرين. أصبح من الشائع بشكل متزايد أن نسمع الناس يقولون إنهم "روحيون" لكن ليسوا "متدينين" .

يقول نبي العلم الحديث "ألبرت اينشتاين" : جميع الأديان والفنون والعلوم هي فروع لنفس الشجرة.. وهذا قول صحيح الى حدّ ما, الدين قديما كان احدى ادوات الانسان في تفسير الطبيعة, اعتقد في البداية أن العالم بكل مظاهره المتنوعة يخضع لترابطات وقوانين وقواعد معينة, واعتقد ان معرفته بتلك الترابطات وقواعدها, تساعده في السيطرة على الطبيعة المحيطة به واخضاعها لرغباته ومصالحه, تلك الفترة انتهت بالعلوم الحديثة والمنهج العلمي اضافة الى المنجزات التقنية التي تفخر بها حضارتنا القائمة.

كيف ومتى ظهرت الأديان ذلك أمر ليس موثق بشكل جيد. هناك الكثير من الأدلة المختلفة حيال الأمر لكن ذلك لا يفسد في الود قضية فهي تبيّن أن الانسان عرف الدين منذ زمن سحيق جدّا. من المعتقد أن فكرة "الآلهة الكبيرة" هي كائن إلهي فريد يمكن أن تعاقب أو تكافئ ، لا سيما في الحياة الآخرة ، قد نشأت لكي تتطور المجتمعات. إذا اعتقد الناس أن السلوك الجيد على الأرض سيؤدي إلى السعادة الأبدية في الموت ، فسيكونون أكثر تكافلا وازدهارا, وفي نفس الوقت تم استخدام الدين لتبرير البطش والغزو وقمع كل اتجاه يسير عكس تيّار المجتمع.

ينتشر الدين بشكل متزايد بسبب استخدامه كأداة سياسية. فغالبًا ما كانت الغزوات العسكرية متبوعة باستيعاب آلهة الشعب المهزوم من قبل المنتصرين والعكس صحيح, فالتبادل لا يكون من جهة واحدة, فكلا الطرفين يتأثران بأفكار وممارسات دينية, فيلجؤون الى اضافتها الى فكرهم الديني, لكن لماذا استمرت بعض الأديان بينما البعض الآخر لم يفعل ذلك. لماذا لا يعبد الناس اليوم ميكي ماوس أو سانتا كلوز مثلا؟، لماذا لا يؤمن المسيحيون في زيوس؟ التفسير الشائع اليوم هو " الأديان هي تعبير عن طريقة تفكير الانسان البدائية وخوفه من الطبيعة" ..الخ, هذا لا يفسر كيف تصبح القصص الخارقة للطبيعة معتقدات دينية, وهذا التفسير أصبح تافها, اليوم الانسان لم يعد خائفا من الطبيعة, في الماضي كان يرى صلواته تحميه من غضب الطبيعة, الأن اصبح يصنع القنابل النووية التي يمكنها ان تسوي الجبال بالأرض, اليوم الانسان اصبح يسعى للسيطرة على الطبيعة واحداث التغييرات في المادة والجينات وفي كل شيء على حسب رغبته وحاجته..

لماذا لا يلتفت الانسان الى المغالطات المنطقية داخل الأديان, والأخطاء العلمية في نصوصها؟ علم النفس اجاب بأن المنطق هو اخر اداة قد يستخدمها الانسان في تعاملاته مع الاخرين ومع مشاكل حياته وفي الدعوة الى أفكاره, البشر بالطبيعة مخلوقات توجد القواعد والمعايير وتتبعها, فهم يبتكرون القواعد التي تنظّم تفاعلاتهم الاجتماعية, الا أن السلوك الذي يتبع القواعد والمعايير مؤسس عادة على العواطف الوجدانية مثل الفخر والشعور بالذنب والغضب والعار لا على العقل والمنطق وكثيرا ما تعطى قيمة جوهرية لهذه المعايير, فضلا عن أن الانسان معياره التقليد, ميلنا الأصيل للتعلم عن طريق التقليد ومتابعة التقاليد ، حتى عندما تكون الأسباب غير معروفة هو أكبر عامل في قبولنا للأفكار, من الصعب أن تجد شخصا يستعمل المنطق في قبول الأفكار او نقدها.

الأديان الناجحة (الاسلام, المسيحية, اليهودية, الهندوسية) لديها آلهة وطقوس وشعائر وشرائع تهتم بالمصالح الانسانية و تشجع التعاون بين الممارسين, وتجدها تشجّع السلوكيات الاجتماعية ، أو الأعمال التي تفيد الآخرين ، بها أفكار تجعل الأفراد على استعداد بالنفس والاستخفاف بالحياة الانسانية من اجل "الخير العام" للمجتمع ، على عكس الأديان البدائية التي ظهرت مجرّدة تماما من الاهتمام بالمصالح الانسانية.
لكن اليوم يمكن للمؤسسات العلمانية أيضا تشجيع وتطبيق السلوك الاجتماعي الإيجابي لأن مصادر المعرفة تطوّرت ولم تعد في الدين فقط وبالنظر إلى الثقافات في الماضي والحاضر ، توجد بالتأكيد مجتمعات كبيرة "تعمل" بدون دين يحكم قواعدها. أكثر من بليون شخص اليوم لا ينتمون إلى دين. يتبع معظمهم القواعد على ما يرام بل وأصبح يضرب المثل بها في أوساط المتدينين, من حيث احترامها للقانون والحفاظ على النظام والنظافة والصرامة وحبّ العمل فلا داعي لذكرها فهي معروفة .
ينسب المتدين كل تصرّفاته الايجابية واخلاقه الحسنة الى دينه ، يعني التذكير المتواصل بأي شكل او اخر بدور الدين في الحياة يزيد من السلوك الاجتماعي الايجابي.. عبد الله القصيمي الملحد السعودي له عبارة شهيرة, وهي "تصورنا للعقاب وتشريعنا له لن يكونا الا تعبيرا ما عن مستوياتنا النفسية والعقلية والاخلاقية والتاريخية.. ان متصور الجحيم ومشرعه للبشر لا يمكن الهبوط الى حضيض مستوياته النفسية والعقلية" هو يتبنى الرؤية الالحادية القائلة بأن صور العذاب المذكورة في النصوص الدينية دلالة على أن الاديان هي من صنع البشر, في الحقيقة الجحيم والعذاب الشديد الذي لا تتصوره العقول, يجبر الناس على الالتزام بالقواعد والأعراف الاجتماعية ، وهذا ما ينطبق ايضا على ما يعرف بـ "الخوف من الله ومراقبته", هي نصوص تهدف إلى الحفاظ على أو إثارة حالات ذهنية جماعية, فالترغيب و النصح و الإرشاد لوحدها مؤثرات ضعيفة إذا قورنت بالمؤثرات التي تنشأ من هذه النصوص.

نحن نعرف أديان المجتمعات الأقدم من الآثار التي تركوها وراءهم ومن قصص الحضارات اللاحقة. بالإضافة إلى ذلك ، لا تزال القبائل المنعزلة في الأماكن النائية ، مثل غابات الأمازون في أمريكا الجنوبية والجزر الإندونيسية وأجزاء من أفريقيا ، تمارس ديانات يُعتقد أنها ظلت دون تغيير إلى حد كبير لآلاف السنين. هذه الأديان البدائية غالباً ما تؤمن بالوحدة بين الطبيعة والروح ، وربط الناس بشكل لا يمكن فصله مع البيئة. عندما أصبحت المجتمعات أكثر تعقيدًا ، نمت أنظمة معتقداتها معها.